الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
15 -
باب إِذا قال أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمِّي فهو جائز
، وإن لم يبين لمن ذلك
[حديث أن سعد بن عبادة رضي الله عنه توفيت أمه وهو غائب عنها]
8 -
[2756] حَدَّثَنَا محَمَّد بن سَلامٍ: أَخْبَرَنَا مَخلَد بن يَزِيدَ: أَخْبَرَنَا ابن جرَيجِ قَالَ: أَخْبَرني يَعْلى: أنه سَمِعَ عِكْرِمَةَ يقول: أنبَأَنا ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ سَعْدَ بنَ عبَادَةَ (1) رضي الله عنه توفِّيَتْ أمّه (2) وَهوَ غَائب عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، إِنَّ أمِّي توفِّيَتْ وأَنا غَائِب عَنْهَا، أَيَنفَعها شَيْء إِنْ تَصدَّقْت بهِ عَنْهَا؛ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ؛ فَإِنِّي أشْهِدكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرافَ صَدَقة عَلَيْهَا» (3).
* شرح غريب الحديث: * " حائطي " الحائط: الجدار، لأنه يحوط ما فيه (5).
* " المخراف " هو الحائط من النخل، أو البستان المثمر، والمخراف:
(1) سعد بن عبادة بن دلَيم بن حارثة الأنصاري الخزرجي الساعدي المدني، اتفقوا على أنه كان نقيب بني ساعدة وكان صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها، وكان سيدا، جوادا، وجيها في الأنصار، ذا رياسة، وسيادة وكان مشهورا بالكرم، وكان يحمل كل يوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفنة مملوءة ثريدا ولحما، وله ولأهله في الجود والكرم أشياء كثيرة مشهورة، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغيرة، فكان شديد الغيرة شهد سعد: العقبة، وبدرا، وقيل لم يشهد بدرا، وشهد باقي المشاهد. وله أحاديث يسيرة وهي عشرون بالمكرر؛ لأنه مات قبل أوان الرواية، مات رضي الله عنه بأرض حوران- وهي كورة واسعة جنوب دمشق، وذات قرى ومزارع وحرار- وذلك سنة ست عشرة، وقيل خمس عشرة، وقيل أربع عشرة يقال إن الجن قتلته، وأنشدوا فيه البيتين المشهورين. رضي الله عنه وأرضاه. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/ 212، وسير أعلام النبلاء للذهبي 1/ 270 - 279، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، 2/ 30.
(2)
عمرة بنت مسعود وقيل بنت سعد بن قيس والدة سعد بن عبادة رضي الله عنها، ماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم سنة خمس، والنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول، وقيل: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتى قبرها فصلى عليها، وسأل ولدها سعد النبي صلى الله عليه وسلم عن الصدقة عنها. انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد، 8/ 331، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، 4/ 366 و 367.
(3)
[الحديث 2756]، وطرفاه: في كتاب الوصايا، باب الإشهاد في الوقف والصدقة 3/ 254. برقم 2762، وفي باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز وكذلك الصدقة 3/ 258، برقم 2770.
(4)
من الطرف رقم 2762.
(5)
لسان العرب، لابن منظور، باب الطاء، فصل الحاء، 7/ 279.
المثمرة، سماها مخرافا: لما يخترف منها (1).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه.
2 -
مسارعة المدعو إلى عمل الخير.
3 -
كرم المدعو.
4 -
من أساليب الدعوة: الترغيب.
5 -
من وسائل الدعوة: القدوة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: دل الحديث على أهمية السؤال للعالم عند الجهل، أو عند اشتباه الأمور؛ ولهذا ذكر الإمام عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي أن من فوائد هذا الحديث: السؤال للعالم عند الجهل وترك الحكم بالرأي؛ لأن هذا الصحابي رضي الله عنه عندما لم يكن علم هل تنفع صدقته بتلك النية التي أراد أم لا، لم يقدم عليها برأيه، وإنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وحينئذ أقدم على الفعل بعد العلم بالحكم (2).
وهكذا ينبغي للمدعو أن يسأل أهل العلم عما أشكل عليه حتى يعبد الله تعالى على بصيرة؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7](3).
ثانيا: مسارعة المدعو إلى عمل الخير: دل الحديث على المسارعة إلى أفعال البر إذا علِمت، حتى يكون العلم مقرونا بالعمل؛ لأن هذا الصحابي رضي الله عنه عندما علم أن الصدقة تنفع أمه وأنه
(1) انظر: أعلام الحديث، للخطابي 2/ 1347، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، حرف الخاء مع الفاء 2/ 24، ولسان العرب لابن منظور، باب الفاء، فصل الخاء، 9/ 62، وعمدة القاري للعيني، 14/ 52.
(2)
انظر: بهجة النفوس شرح مختصر صحيح البخاري، 3/ 95.
(3)
سورة الأنبياء، الآية:7.
يثاب على ذلك أخرجها من حينه، فأشهد النبي صلى الله عليه وسلم عليها (1).
فينبغي للمدعو أن يسارع إلى الخير، وينتهز الفرص المؤدية إلى ذلك؛ لأمر الله تعالى:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133](2) وقد مدح الله عز وجل آل زكريا بالمسارعة في الخير فقال عز وجل: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90](3).
ثالثا: كرم المدعو: دل الحديث على كرم المدعو؛ لأن الصحابي الجليل رضي الله عنه عندما تيقن أن الصدقة مقبولة ويلحق ثوابها لأمه- أعلن بصدقة عظيمة لا يستطيعها البخلاء من البشر، وأعطى الحائط العظيم صدقة عن أمه، وهذا العمل من الصحابي الجليل لا يستغرب؛ فإنه ممن اشتهر بالجود والكرم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان رضي الله عنه يحمل كل يوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفنة مملوءَة ثريدا ولحما (4)؛ ولهذا الكرم العظيم قال:" فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها ". فينبغي للمدعو أن يكون كريما جوادا، وهذا إن كان من صفات الدعاة ومعلمي الناس الخير؛ فإنه لا يمنع أن يكون المدعو كريما جوادا.
رابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل الحديث على الترغيب في الصدقة عن الميت، وأنها تصل إليه وتنفعه، ولا سيما إن كان من الوالدين؛ لأن حقهما أعظم وبرهما أوجب؛ ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم أنواعا من أنواع البر التي ينبغي لكل مسلم أن يبر بها والديه بعد موتهما؛ فقد جاء «أن رجلا قال له: يا رسول الله: هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؛ فقيل إنه: قال: " نعم. . الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما
(1) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة، 3/ 95.
(2)
سورة آل عمران، الآية:133.
(3)
سورة الأنبياء، الآية:90.
(4)
انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، 1/ 212 - 213، وسير أعلام النبلاء للذهبي، 1/ 270 - 279.
من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (1).
فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب؛ لأن له تأثيرا في النفوس، ودفعا وترغيبا لها على الخير؛ قال الكرماني رحمه الله: " وفيه أن ثواب الصدقة عن الميت تصل إلى الميت وتنفعه، وهو مخصص لعموم قوله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39](2).
خامسا: من وسائل الدعوة: القدوة: يظهر من كلام الصحابي الجليل وإظهاره للصدقة علانية أمام الناس أن القدوة وسيلة نافعة في الدعوة إلى الله تعالى؛ ولعظم القدوة انتفع خلق كثير بفعل سعد رضي الله عنه؛ لأن الفعل إذا قارن القول نفع الله به؛ ولهذا قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة رحمه الله: " فيه دليل على أن إظهار الصدقة في مثل هذا الموضع أفضل من إخفائها؛ لأن هذا الصحابي رضي الله عنه قد أظهر صدقته هنا ولم يخفها، والحكمة في ذلك: اغتنام صدق النية؛ لأنه حصل له صدق النية عند الإخبار فاغتنمها بالعمل "(3).
وعلى هذا الأسلوب كان الصحابة رضي الله عنهم، مهما زاد أحدهم في علمه ظهر في عمله، حتى إنهم كانوا يعرفون زيادة علم الْإِنسان في عمله، وكذا التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين؛ لأن العلم مع ترك العمل حجة ووبال على صاحبه؛ لأن الإنسان إذا اغتنم صدق نيته بالعمل حين حصول العلم بتَّ الأمر، وأمن غائلة النفس ومكر الشيطان (4).
وهذا يبين عظم العمل بالعلم، وأنه ينبغي للداعية أن يكون قدوة حسنة لغيره؛ لأن الناس في الغالب ينتفعون بالعمل أكثر من القول (5).
(1) أبو داود، كتاب الأدب، باب في بر الوالدين 4/ 336 برقم 5142، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب صل من كان أبوك يصل 2/ 1208 برقم 3664، وابن حبان في صحيحه، 2/ 162، برقم 418، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 4/ 154، وأحمد في المسند، 3/ 497 و 498، والبخاري في الأدب المفرد، ص 27، برقم 35، والطبراني في المعجم الكبير، 19/ 267، برقم 592، والبيهقي في السنن الكبرى، 4/ 28، وقال عبد القادر الأرنوؤط في تحقيق جامع الأصول:" في سنده علي بن عبيد الساعدي الراوي عن أبي أسيد لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي السند رجاله ثقات "، 1/ 407، وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني، 2/ 62، برقم 597.
(2)
شرح الكرماني على صحيح البخاري، 12/ 74، وعمدة القاري 14/ 56، والآية من سورة النجم، الآية: 39، وانظر الحديث رقم 7، الدرس الرابع عشر.
(3)
بهجة النفوس 3/ 95، 96 بتصرف يسير.
(4)
انظر: المرجع السابق 3/ 95، 96.
(5)
انظر: الحديث رقم 3، الدرس الثالث.