الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
111 -
باب عزمِ الإمام على الناسِ فِيمَا يطِيقون
[حديث عبد الله بن مسثعود لم يكن النبي يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله]
102 -
[2964] حَدَّثَنَا عثْمَان بْن أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِير، عَنْ مَنْصورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْد اللهِ (1) رضي الله عنه: " لَقَدْ أتانِي اليَوْمَ رَجل فَسَألنِي عَنْ أَمرٍ مَا دَرَيْت مَا أَردّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجلا مؤدِيا نَشِيطا يَخْرج مَعَ أمَرَائِنَا فِي الْمَغَازِي، فيَعْزِم عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نحْصِيها؟ فَقلْت لَه: وَاللهِ مَا أدْرِي مَا أقول لَكَ: إِلَاّ أنا كنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلَاّ مَرَّة حَتَّى نَفْعَلَه، وإِنَّ أَحَدَكمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقى اللهَ. وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيء سَأَلَ رِجلا فَشَفَاه مِنْه، وَأوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدوه. وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هوَ، مَا أَذْكر مَا غبَرَ مِنَ الدّنْيَا إِلَاّ كَالثَّغبِ شرِبَ صَفْوه، وَتقِيَ كَدَره ".
(1) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، الإِمام الحبر، فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن الهذلي، المكي، المهاجري، البدري، الكوفي رضي الله عنه، كان من السابقين الأولين، ومن النجباء العالمين، شهد بدرا، وهاجر الهجرتين، وكان سادس من أسلم من السابقين وهو أول من جهر بالقرآن في مكة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد جميع المشاهد كلها، وشهد اليرموك، وهو الذي أجهز على أبي جهل بوم بدر، وهو صاحب نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كثير الدخول عليه والخدمة له، روى علما كثيرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منه: ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة وستين منها وانفرد البخاري بواحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وكان أعلم الناس بالقرآن قال رضي الله عنه:" والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فِيمَن أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه "[البخاري برقم 5002، ومسلم برقم 2463، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبَي بن كعب، ومعاذ بن جبل " [البخاري برقم 3760، ومسلم برقم 2464].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقرأ علي القرآن " قال فقلت: " أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: " إني أشتهي أن أسمعه من غيري " قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤلَاءِ شَهِيدا) [النساء: 41]، رفعت رأسي- أو غمزني رجل في جنبي فرفعت رأسي- فرأيت دموعه تسيل. [البخاري برقم 5055 و 5056، ومسلم برقم 800]، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: " لرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد " [الحاكم 1/ 114، وأحمد 1/ 114، 420] وقد بعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الكوفة وقال: " إنني قد بعثت إليكم عمارا أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر، فاسمعوا لهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي " [الحاكم وصححه ووافقه الذهبي 3/ 388]. وكان يقول صلى الله عليه وسلم:" من أراد الآخرة أضر بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة، يا قوم فاضروا بالفاني على الباقي " نزل الكوفة وتوفي بها سنة ثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وقيل عاد إلى المدينة وتوفي بها ودفن في البقيع، واتفقوا على أنه توفي وهو ابن بضع وستين سنة رضي الله عنه. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، 1/ 288، وسير أعلام النبلاء للذهبي 1/ 461 - 500. والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 2/ 369.
* شرح غريب الحديث: * " مؤْدِيا " أي تام السلاح كامل أداة الحرب. (1).
* " فشفاه " الشفاء هنا شفاء القلب والنفس بالسؤال والحصول على الجواب الصحيح الذي يزيل مرض الشك والتردد (2).
* " ما غَبَرَ من الدنيا " يصلح لما مضى ولما بقي (3).
* " كالثغب " الثَّغْب: الموضع المطمئن في أعلى الجبل يستنقع فيه ماء المطر، وقيل: هو غدير في غِلَظٍ من الأرض، أو على صخرة ويكون قليلا. (4).
* " لا نحصيها " أي: لا نطيقها، من قوله تعالى:{عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: 20] أي: لن تطيقوا قيام الليل (5).
* " صفوه " يقال: صفا، يصفو صفوا وصفاء: خلص من الكدر (6).
* " كدره " يقال: كَدِرَ الماء، نقيض صفا فهو كَدِر (7).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
أهمية إخبار الداعية أصحابه بما ينفعهم.
2 -
الأخذ بالأسباب: لا ينافي التوكل.
3 -
من صفات الداعية: النشاط.
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الهمزة مع الدال، مادة:" أدا " 1/ 32، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 67.
(2)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع الفاء، مادة:" شفا " 2/ 488، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري 12/ 201.
(3)
تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 67.
(4)
النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الثاء مع الغين، مادة:" ثغب " 1/ 213.
(5)
انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة، 2/ 92، والآية 20 من سورة المزمل.
(6)
انظر: المعجم الوسيط، معجم اللغة العربية، مادة:" صفا " 1/ 517.
(7)
انظر: المرجع السابق، مادة:" كدر " 2/ 779.
4 -
من صفات الداعية: الحرص على الدعوة والجهاد.
5 -
من صفات الداعية: التيسير على المدعوين.
6 -
من صفات الداعية: الورع والتوقف في الفتوى عند الإِشكال.
7 -
من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم.
8 -
من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.
9 -
أهمية: طاعة ولاة أمر المسلمين بالمعروف.
10 -
من صفات الداعية: التقوى.
11 -
من صفات الداعية: اليقين.
12 -
أهمية السؤال في تحصيل العلم.
13 -
من أساليب الدعوة: التشبيه.
14 -
من صفات الداعية؛ الزهد.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية إخبار الداعية أصحابه بما ينفعهم: دل هذا الحديث على أهمية إخبار الداعية أصحابه وأتباعه بما ينفعهم؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لأتباعه وأصحابه: " لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمر ما دريت ما أرد عليه. . . " ثم أخبرهم بما قال الرجل وبما أفتاه، وأرشده إلى حسن الاقتداء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فينبغي للداعية أن يخبر أصحابه وأتباعه بالفوائد التي سئل عنها، ولم يسمعوها على حسب الحاجة والفائدة المرجوة، حتى تعم الفوائد وينتشر العلم (1).
ثانيا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: إن الأخذ بالأسباب من التوكل ولا ينافيه؛ ولهذا جاء إلى ابن مسعود رضي الله عنه هذا الرجل وقال: " أرأيت مؤديا " أي كامل أداة الحرب، فقد أخذ بالأسباب
(1) انظر: فنح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر 6/ 119، وعمدة القاري للعيني 14/ 226.
الظاهرة؛ لعلمه بأنها من التوكل، ولم ينكر عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما صنع (1).
ثالثا: من صفات الداعية: النشاط: لا شك أن النشاط يبعث على الهمم العالية؛ ولهذا جاء هذا الرجل إلى ابن مسعود - وهو نشيط- متأهبا لما يوجِّهه عبد الله رضي الله عنه إليه، وقال:" أرأيت رجلا مؤديا نشيطا " فذكر صفة النشاط لهذا الرجل الخارج في سبيل الله عز وجل، وهذا يؤكد على أهمية النشاط وعدم الكسل والخمول، والله المستعان (2).
رابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدعوة والجهاد: ظهر في هذا الحديث أهمية الحرص على الدعوة والجهاد في سبيل الله عز وجل ولهذا الحرص جاء هذا الرجل يسأل بقوله: " أرأيت رجلا مؤديا نشيطا يخرج مع أمرائنا في المغازي " وهذا يدل على نشاط هذا الخارج واستعداده، وحرصه على الجهاد والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
فينبغي للداعية أن يكون حريصا على دعوة الناس إلى الخير (3).
خامسا: من صفات الداعية: التيسير على المدعوين: دل هذا الحديث على أنه ينبغي لكل من تولىَّ أمرا من أمور المسلمين أن لا يشق عليهم، ولا يشدد عليهم، ولا يأمرهم بما لا يطيقون؛ ولهذا جاء في هذا الحديث:" فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها "، والمعنى أن الأمير يشدد علينا في أشياء لا نطيقها؛ قال الإِمام ابن هبيرة رحمه الله:" يستحب لأمراء الجيش أن لا يكثروا العزمات على المجاهدين، فيعرضوهم لبعض المخالفة، بل ليخففوا عنهم ما استطاعوا، وليشاوروهم في الأمور، ويعرِّفوهم مطالع الأحوال التي عليها تبنى وجوه التدبير للحرب "(4).
(1) انظر: الحديث رقم 30، الدرس الخامس.
(2)
انظر: الحديث رقم 14، الدرس الرابع، وحديث رقم 29، الدرس الثالث.
(3)
انظر: الحديث رقم 1، الدرس الأول، ورقم 36، الدرس الرابع.
(4)
الإفصاح عن معاني الصحاح 2/ 92، وانظر: إرشاد الساري للقسطلاني، 5/ 122، وعمدة القاري للعيني 14/ 226.
فينبغي للداعية أن لا يشدد ولا يشق على الناس؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرا عن التشديد على أمته: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (1) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث من أصحابه في بعض أموره قال: «بشروا ولا تنفروا، ويسرِّوا ولا تعسرِّوا» (2).
سادسا: من صفات الداعية: الورع والتوقف في الفتوى عند الإشكال: ظهر في هذا الحديث أن من الصفات الحميدة: الورع؛ ولهذا توقف عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه في الإِفتاء عندما أشكل عليه الأمر؛ قال الإِمام ابن هبيرة رحمه الله: " في هذا الحديث ورع ابن مسعود وترفعه عندما لم يعلم "(3) وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " ويستفاد منه التوقف في الإِفتاء فيما أشكل من الأمر، كما لو أن بعض الأجناد استفتى أن السلطان عينه في أمر مخوف بمجرد التشهِّي وكلفه من ذلك ما لا يطيق فإن أجابه بوجوب طاعة الإِمام أشكل الأمر لما وقع من الفساد، وإن أجابه بجواز الامتناع أشكل الأمر؛ لما قد يفضي به ذلك إلى الفتنة، فالصواب التوقف عن الجواب في مثل ذلك وأمثاله، والله الهادي إلى الصواب "(4) والله المستعان والموفق (5).
سابعا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: إن أسلوب التأكيد بالقسم له تأثير بليغ في الدعوة إلى الله عز وجل ولهذا استخدمه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في هذا الأثر فقال للسائل: " والله ما أدري ما أقول لك. . . " وقال في آخر الحديث: " والذي لا إله غيره ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب. . " والقسم يستخدم عند الحاجة إليه في الدعوة إلى الله
(1) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب فضيلة الإِمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، 3/ 1458، برقم 1828 عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
(2)
مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير، وترك التنفير، 3/ 1358 برقم 1732، عن أبي موسى رضي الله عنه.
(3)
الإفصاح عن معاني الصحاح، 2/ 92، وانظر: عمدة القاري للعيني 14/ 226.
(4)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 120، وانظر: إرشاد الساري للقسطلاني 5/ 121.
(5)
انظر: الحديث رقم 38، الدرس الأول.
عز وجل؛ لجذب قلوب المدعوين إلى التصديق واليقين (1).
ثامنا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: إن القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة إلى الله عز وجل ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه للسائل الذي سأله عن تشديد الأمراء عليه: «والله ما أدري ما أقول لك إلا أنا كنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم فعسى أن لا يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله» وفي هذا إشارة إلى السائل للاقتداء بالصحابة في حسن الطاعة، وفيه إشارة إلى الأمراء للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدم مشقته على أصحابه، وإنما كان سمحا سهلا، رفيقا، رحيما (2).
تاسعا: أهمية طاعة ولاة أمر المسلمين بالمعروف: ظهر في كلام ابن مسعود رضي الله عنه الإِيحاء بطاعة ولي الأمر؛ ولهذا قال العلامة القسطلاني رحمه الله: " الظاهر أن ابن مسعود بعد أن توقف أفتاه بوجوب الطاعة بشرط أن يكون المأمور به موافقا للتقوى كما علِمَ ذلك من قوله: «إنا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فعسى أن لا يعزم علينا في الأمر إلا مرة» إذ لولا صحة الاستثناء لما أوجبه الرسول صلى الله عليه وسلم «حتى نفعله» غاية لقوله: «لا يعزم» أو للعزم الذي يتعلق به المستثنى وهو مرة "(3) وقد استنبط طاعة الأمراء في المعروف من كلام ابن مسعود رضي الله عنه الإِمام ابن هبيرة فقال رحمه الله: " ويستحب. . للمجاهدين مع الأمراء إذا عزموا عليهم عزمة أن يقابلوها بالإِمساك، ولا يحوجوهم إلى تكدير (4) الأمر بها، ويكون الأمراء، والمأمورون في هذا يعاملون الله عز وجل بذلك "(5).
وهذا الحديث يدل على طاعة الإمام ومن يستعمله (6).
(1) انظر: الحديث رقم 10، الدرس الخامس، ورقم 14، الدرس الخامس.
(2)
انظر: الحديث رقم 3، الدرس الثالث، ورقم 8، الدرس الخامس، ورقم 9، الدرس الثالث عشر.
(3)
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، 5/ 122، وانظر: عمدة القاري، للعيني 14/ 227.
(4)
هكذا في الأصل، ولعل الصواب " إلى تكرير " والله أعلم.
(5)
الإفصاح عن معاني الصحاح، 2/ 92، وانظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 120.
(6)
انظر الحديث رقم 95، الدرس الأول، ورقم 96، الدرس الثاني.
عاشرا: من صفات الداعية: التقوى: دل كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على أن التقوى من الصفات العظيمة التي ينبغي أن يلتزمها كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله عز وجل؛ ولهذا قال رضي الله عنه:" وإن أحدكم لا يزال بخير ما اتقى الله " وقد أمر الله بالتقوى في آيات كثيرة في كتابه العظيم؛ ومنها قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102](1) قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله عز وجل: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر (2).
وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71](3) وقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2 - 3](4) وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم الدعاة إلى الله عز وجل بالتقوى فقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (5) وحقيقة التقوى كما قال طلق بن حبيب رحمه الله: " التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله "(6) وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه: من غضبه، وسخطه، وعقابه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه، والتقوى الكاملة: فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات،
(1) سورة آل عمران، الآية:102.
(2)
الطبراني في المعجم الكبير، 9/ 92، برقم 8502، والحاكم في المستدرك، 2/ 294، وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، 1/ 401.
(3)
سورة الأحزاب، الآيتان 70 - 71.
(4)
سورة الطلاق، الآيتان 2 - 3.
(5)
الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس، 4/ 355، برقم 1987، وقال:" هذا حديث حسن صحيح "، وأحمد في المسند، 5/ 153، والحاكم 1/ 54 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(6)
جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب، 1/ 405.
وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات (1).
فينبغي للداعية أن يكون من أعظم الناس تقوى لله عز وجل، لأنه أسوة لغيره من الناس، والله المستعان.
الحادي عشر: من صفات الداعية: اليقين: من المعلوم يقينا أن من الصفات العظيمة اليقين المنافي للشك وهذا لا يحصل إلا بالعلم النافع؛ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: " وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه ". قال الإِمام ابن هبيرة رحمه الله: " وفيه. . . . أن الإنسان إذا شك في شيء لم ينفذ فيه حكما على شك بل يسأل عنه، ويبحث، ويستضيء بنور العلم من أهله إن وجد، وإلا عمل فيه على أصول الشرع وقاس واجتهد "(2).
وقال ابن حجر رحمه الله: " من تقوى الله أن لا يقدم المرء على ما يشك فيه حتى يسأل من عنده علم فيدله على ما فيه شفاؤه، وقوله: " شك في نفسه شيء " من المقلوب. إذا التقدير: وإذا شك نفسه في شيء، أو ضمن شك معنى: لصق، والمراد بالشيء ما يتردد في جوازه وعدمه "(3).
فينبغي للداعية أن يتصف باليقين (4).
الثاني عشر: أهمية السؤال في تحصيل العلم: ظهر في هذا الحديث أهمية السؤال في تحصيل العلم؛ لقول ابن مسعود رضي الله عنه: " وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه، وأوشك أن لا تجدوه " وهذا فيه تأكيد على أهمية هذا الأسلوب؛ لأنه يشفي القلوب والنفوس؛ لأن السائل إذا سأل أهل العلم أجابوه، وأزالوا عنه مرض التردد؛ لأنه يحصل على
(1) جامع العلوم والحكم لابن رجب، 1/ 398، 399.
(2)
الإِفصاح عن معاني الصحاح، 2/ 92.
(3)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6/ 119.
(4)
انظر: الحديث رقم 28، الدرس الرابع.
الإِجابة بالحق، فيضمحل الشك والتردد، ويثبت اليقين (1) والله المستعان. (2).
الثالث عشر: من أساليب الدعوة: التشبيه: لا شك أن هذا الحديث دل على أسلوب التشبيه في قول ابن مسعود رضي الله عنه: " والذي لا إله إلا هو ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب شرِبَ صفوه وبقي كدره " ومال ابن حجر إلى أن قول: " ما غبر " أي مضى من الدنيا؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " ما أذكر ما غبر " وهو من الأضداد يطلق على ما مضى وعلى ما بقي وهو هنا محتمل للأمرين (3) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " فشبه ما مضى من الدنيا بما شرب من صفوه، وما بقي منها بما تأخر من كدره "(4) وقال العلامة العيني رحمه الله على الاحتمال الثاني: " شبَّهَ بقاء الدنيا ببقاء غدير ذهب صفوه وبقي كدره "(5) والله المستعان. (6).
الرابع عشر: من صفات الداعية: الزهد: ظهر في قول ابن مسعود رضي الله عنه: أن ما مضى من الدنيا ما هو إلا كماء قليل في نقرة في صخرة، وقد ذهب صفو هذا الماء القليل وبقي كدره، وعلى الاحتمال الثاني: شبه ما بقي من الدنيا ببقاء غدير ذهب صفوه وبقي كدره، وهذا يدل على أنه ينبغي للداعية الزهد فيها والإِكثار من الطاعات؛ ولهذا قال الإِمام ابن هبيرة رحمه الله:" قوله: " ما غبر من الدنيا " أي ما فَنِيَ، والثغب: هو الماء المستنقع في الموضع المطمئن، وإذا كان عبد الله يقول هذا في زمانه فكيف في زماننا؛ إلا أنه لابد من المقاربة والتسديد، والاستعانة بالله عز وجل على عبادته "(7)
(1) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، 12/ 201.
(2)
انظر: الحديث رقم 19، الدرس الرابع، ورقم 30، الدرس الرابع، ورقم 92 الدرس الرابع.
(3)
انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6/ 120.
(4)
المرجع السابق 6/ 120.
(5)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 14/ 227.
(6)
انظر: الحديث رقم 18، الدرس الرابع، ورقم 19، الدرس الخامس.
(7)
الإفصاح عن معاني الصحاح 2/ 92، قلت: وإذا كان هذا كلام ابن هبيرة رحمه الله ثمان مائة وثمان وخمسين سنة، فكيف بزماننا هذا؛ والله المستعان. .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " وإذا كان هذا في زمان ابن مسعود وقد مات قبل مقتل عثمان، ووجود تلك الفتن العظيمة فماذا يكون اعتقاده فيما جاء بعد ذلك وهلم جرّا؟ "(1).
فينبغي للداعية أن يزهد في الدنيا، ولا يتخذها وطنا؛ لأنها هينة عند الله عز وجل وقد «دخل النبي صلى الله عليه وسلم السوق يوما فمر بجدي صغير الأذنين ميت فأخذه بأذنه ثم قال للصحابة رضي الله عنهم:" أيكم يحب أن هذا له بدرهَم؟ " قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: " أتحبونه لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك (2) فكيف وهو ميت؛ فقال: " فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (3) والله المستعان (4).
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 120.
(2)
أسك: أي مصطلم الأذنين مقطوعهما. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الكاف، مادة " سكك "، 2/ 384.
(3)
مسلم، كتاب الزهد والرقائق، 4/ 2272، برقم 2957، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(4)
انظر: الحديث رقم 2، الدرس الأول، وحديث رقم 15، الدرس الأول.