الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
123 -
باب حمل الزّاد في الغزْو
وقولِ الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197](1).
[حديث أسماء صنعت سفرة رسول الله في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر]
107 -
[2979] حَدَّثَنَا عبَيْد بْن إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو أسَامَةَ، عَنْ هشام قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي: - وَحَدَّثَتْنِي أَيْضا فَاطِمَة - عَنْ أَسْمَاءَ (2) رضي الله عنها قَالَتْ: " صَنَعْت سفْرةَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَة. قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطهمَا بِهِ، فَقلْت لأَبِي بَكْرٍ: وَاللهِ مَا أجِد شَيْئا أَرْبِط بِهِ إِلَاّ نِطَاقِي. قَالَ: فَشقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وبِالَآخَرِ السّفْرَةَ، فَفَعَلَتْ، فلذَلِكَ سمِّيت ذاتَ النِّطاقَين "(3).
وفي رواية: " عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: " كَانَ أَهْل الشَّامِ يعَيِّرونَ ابْنَ الزّبَيْرِ يَقولونَ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ فَقَالَتْ لَه أَسْمَاء:
(1) سورة البقرة، الآية 197.
(2)
أسماء بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان أم عبد الله رضي الله عنهم، القرشية، التيمية، المكية ثم المدنية. والدة عبد الله بن الزبير، وعروة رضي الله عنهم، وأخت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وآخر المهاجرات وفاة، أسلمت قديما بعد سبعة عشر إنسانا، وكانت أسن من عائشة ببضع عشرة سنة، حيث ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وهي زوجة الزبير بن العوام رضي الله عنه، سميت ذات النطاقين؛ لأنها صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبيها سفرة لما هاجرا فلم تجد ما تشدها به فشقت نطاقها نصفين وشدت بنصفه السفرة، والنصف الآخر أوكت به القربة. وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بعد الهجرة فكان أول مولود ولد في الإِسلام بعد الهجرة. روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وخمسون حديثا، اتفق الشيخان على ثلاثة وعشرين منها، وانفرد البخاري بخمسة أحاديث، ومسلم بأربعة، وعمرت رضي الله عنها طويلا قال ابنها عروة بن الزبير: بلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سنّ ولم ينكر من عقلها شيء، وكانت رضي الله عنها إذا أصابها صداع في رأسها وضعت يدها عليه وقالت:" بذنبي وما يغفره الله أكثر " وشهدت غزوة اليرموك مع زوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه وكانت جوادة كريمة، لا تدخر شيئا إلى غد، وإذا مرضت أعتقت كل مملوك لها. وقد قتل ابنها عبد الله بن الزبير فصبرت واحتسبت، ولها منقبة عظيمة، وهي أنها، وابنها، وأباها، وجدها أربعة صحابيون، لا يعرف لغيرهم إلا لمحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة وتوفيت في مكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بيسير قيل: بعشرين يوما وقيل: أقل من ذلك رضي الله عنها. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، 2/ 328، وسير أعلام النبلاء للذهبي 2/ 287 - 296، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 4/ 229.
(3)
[الحديث 2979] طرفاه في: كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، 4/ 311 و 312، برقم 3907. وكتاب الأطعمة، باب الخبز المرقق، والأكل على الخوان والسفرة، 6/ 244، برقم 5388.
يَا بنَيَّ إِنَّهم يعَيِّرونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، وَهَلْ تَدْري مَا كَانَ النِّطَاقَانِ؟ إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْته نِصْفيْنِ، فَأَوْكَيْت قِرْبةَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بِأَحَدِهِمَا، وَجَعَلْت فِي سفْرَتِهِ آخَرَ. قَالَ: فَكَانَ أَهْل الشَّام إِذَا عَيّروه بِالنِّطَاقَيْنِ يَقول: إِيها وَالإِلَه " تِلْكَ شَكَاة ظَاهِر عَنْكَ عَارهَا "(1).
* شرح غريب الحديث: * " السفرة " طعام يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمّي به (2).
* " نطاقي " نطاق: جمعه مناطق. وهو أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشدّ وسَطَها بشيء: بحبل أو نحوه، وترفع وسط ثوبها، وتنزله على الأسفل عند معاناة الأشغال؛ لئلا تعثر في ذيلها، وبه سميت أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين (3).
* " فأوكيت " الوِكاء: الخيط الذي تشدّ به الصرة، والكيس، وفم القربة، ونحو ذلك (4).
* " إيها والإِله ": " إيهِ " هذه كلمة يراد بها الاستزادة وهي مبنية على الكسر فإذا وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فقلت: " إيهٍ حدثنا " وإذا قلت: إيها بالنصب فإنما تأمره بالسكوت. ومنه حديث ابن الزبير: " إيها والإِله " أي صدقتَ ورضيت بذلك، وَيرْوى " إيهِ " بالكسر: أي زدني من هذه المنقبة (5).
* " شكاة " تلك شكاة ظاهر عنك عارها: الشكاة الذم والعيب، وهي في غير هذا المرض (6).
(1) الطرف رقم 5388.
(2)
النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الفاء، مادة:" سفر " 2/ 273.
(3)
انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 550، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الطاء، مادة:" نطق " 5/ 75.
(4)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الكاف، مادة:" وكا " 5/ 222.
(5)
انظر: المرجع السابق، باب الهمزة مع الياء، مادة:" إيهِ " 1/ 87.
(6)
المرجع السابق، باب الشين مع الكاف، مادة:" شكا " 2/ 497.
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من موضوعات الدعوة: الحض على إعانة العلماء والدعاة والشد من أزرهم.
2 -
من صفات الداعية: النشاط:
3 -
الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.
4 -
من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والأذى.
5 -
من صفات الداعية: الاعتزاز بطاعة الله عز وجل.
6 -
أهمية أدب المدعو مع الدعاة والعلماء.
7 -
جهود نساء الصحابة رضي الله عنهن في الجهاد والدعوة.
8 -
من تاريخ الدعوة: ذكر الهجرة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على إعانة العلماء والدعاة والشد من أزرهم: ظهر في هذا الحديث أن الحث على إعانة العلماء والدعاة من أهم موضوعات الدعوة التي ينبغي للدعاة حث الناس عليها؛ لأن العالم أو الداعية إذا لم يجد التعاون من قبل المدعوين لا يستطيع في الغالب أن يؤدي دعوته على الوجه الأكمل؛ ولهذا أعانت أسماء رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم ورفيقه، بالقيام بتجهيز أهبة السفر من الطعام والقربة وشدت السفرة بنصف نطاقها، وأوكت القربة بالنصف الآخر، رضي الله عنها. وهذا العمل فيه حث على إعانة العلماء والدعاة، والله المستعان (1).
ثانيا: من صفات الداعية: النشاط: ظهر في هذا الحديث أن النشاط مهم في حياة الداعية إلى الله عز وجل؛ ولهذا اتخذت أسماء رضي الله عنها نطاقا تشد به وسطها أثناء العمل، لئلا تعثر في ذيل ثوبها أثناء أعمالها الشاقة (2).
(1) انظر: فتح الباري لابن حجر 6/ 129، 7/ 240، 9/ 530، وعمدة القاري للعيني 4/ 237، وإرشاد الساري للقسطلاني 5/ 130.
(2)
انظر: عمدة القاري للعيني، 14/ 237.
فينبغي للداعية أن يكون نشيطا كيسا. (1).
ثالثا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل هذا الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن التوكل يقوم على اعتماد القلب على الله مع العمل بالأسباب؛ ولهذا أمر أبو بكر رضي الله عنه أسماء أن تشق نطاقها نصفين، وتشد به السفرة، والقربة، وهذا من العمل بالأسباب وأخذ أهبة السفر: من الزاد والمتاع (2).
وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " السفر بدون زاد يسبب الهلكة، فيجب الاستعداد للسفر "(3) وهذا يؤكد الأخذ بالأسباب مع اعتماد القلب على الله عز وجل (4).
رابعا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والأذى: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للداعية أن يصبر على الابتلاء والأذى، وذلك من وجهين:
1 -
صبر الصحابة رضي الله عنهم على قلة ما في اليد من المال؛ ولشدة ذلك لم تجد أسماء ما تربط به سفرة النبي صلى الله عليه وسلم وسقاءه عندما أراد الهجرة هو وأبو بكر رضي الله عنه قالت رضي الله عنها: " والله ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقي " فقال أبو بكر رضي الله عنه: " فشقيه باثنين فاربطيه: بواحد السقاء، وبالآخر السفرة " ففعلت رضي الله عنها.
2 -
صبر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على ما ناله من الأذى من أهل الشام بقولهم له؛ " يا ابن ذات النطاقين " يعيرونه بذلك فصبر على أذاهم (5).
(1) انظر: الحديث رقم 14، الدرس الرابع، ورقم 29، الدرس الثالث.
(2)
انظر: فتح الباري لابن حجر، 7/ 248.
(3)
سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم 2929 من صحيح البخاري.
(4)
انظر: الحديث رقم 30، الدرس الخامس.
(5)
انظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 129، و 9/ 533.
فينبغي للداعية أن يصبر على الابتلاء والأذى، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة (1).
خامسا: من صفات الداعية: الاعتزاز بطاعة الله عز وجل: دل فعل عبد الله بن الزبير وقوله رضي الله عنه على اعتزازه وسروره بطاعة الله عز وجل، وذلك أن أهل الشام كانوا يعيِّرونه بقولهم:" يا ابن ذات النطاقين " فقالت له أسماء: " يا بني إنهم يعيرونك بالنطاقين. وهل تدري ما كان النطاقان؟ إنما كان نطاقي شققته نصفين فأوكيت قربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحدهما، وجعلت في سفرته آخر " فكان أهل الشام إذا عيروه بالنطاقين يقول: " إيها والإِله تلك شكاة ظاهر عنك عارها ". وهذا يبين اعتزازه رضي الله عنه بذلك؛ لأن خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجهيزه في سفره من أعظم الطاعات، وأعلى القربات؛ ولهذا استزادهم من قولهم كما قال ذلك الحافظ ابن حجر (2) رحمه الله فإن كلمة " إيهِ " يراد بها الاستزادة، وأما كلمة:" إيها " فهي أمر بالسكوت وقطع الكلام. وذكر ابن حجر رحمه الله أن بعض علماء اللغة حَرَّروا، أن كلمة " إيها " بالتنوين للاستزادة، وبغير التنوين " إيها " لقطع الكلام، فصار معنى " إيها " مثل " إيهِ " للاستزادة (3) وهذا مقصود عبد الله بن الزبير؛ لأنه رغب في الاستزادة؛ لشرف خدمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقد مدح الله المعتزين بدينهم الإِسلام فقال عز وجل:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33](4) فقوله: {إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] فيه اعتزاز وفخر بالإِسلام.
سادسا: أهمية أدب المدعو مع الدعاة والعلماء: ظهر في هذا الحديث أن أهل الشام أساءوا الأدب مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وعيَّروه بعمل أمه المبارك في خدمة رسول الله ذ وتجهيزه للهجرة؛ ولهذا قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: " تلك شكاة ظاهر عنك عارها " والشكاة: " رفع
(1) انظر: الحديث رقم 9، الدرس الثامن، ورقم 66، الدرس الأول.
(2)
انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 9/ 533.
(3)
انظر: المرجع السابق، 9/ 533.
(4)
سورة فصلت، الآية 33.
الصوت بالقول القبيح " (1) فينبغي للمدعو أن يلتزم الأدب مع الدعاة والعلماء، حتى يحصل على الثواب من الله عز وجل، ويستفيد من علمهم، والله المستعان (2).
سابعا: جهود نساء الصحابة رضي الله عنهن في الجهاد والدعوة: إن الناظر والمتأمل في حياة الصحابيات رضي الله عنهن يجد أنهن يبذلن الجهود العظيمة في الجهاد والدعوة، وخدمة المجاهدين، ومن ذلك ما فعلته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها من تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعداد ما يحتاجه في سفره، وفي هجرته إلى المدينة، وهكذا الصحابيات غيرها اللواتي شاركن في الجهاد بخدمة المجاهدين، وعلاج المرضى والجرحى مع التزامهن بأمور الشرع وآدابه. رضي الله عنهن. (3).
ثامنا: من تاريخ الدعوة: ذكر الهجرة: ظهر في هذا الحديث أن من تاريخ الدعوة ذكر الهجرة؛ لقول أسماء رضي الله عنها في هذا الحديث: " صنعت سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة "، وقد كانت تلك الهجرة بعد البعثة بثلاث عشرة سنة أمضاها النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى كلمة الإِخلاص، والترغيب والترهيب، ثم هاجر إلى المدينة صلى الله عليه وسلم (4).
(1) فتح الباري لابن حجر، 9/ 533.
(2)
انظر: الحديث رقم 14، الدرس الثالث، ورقم 21، الدرس الأول.
(3)
انظر: الحديث رقم 63، الدرس السادس، ورقم 64، الدرس الرابع، ورقم 65، الدرس الأول.
(4)
انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، 3/ 53.