الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
25 -
باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صلاحا له
ونظر الأم أو زوجها لليتيم
[حديث أنس خدمت رسول الله في السفر والحضر]
14 -
[2768] حَدَّثَنَا يَعْقوب بن إِبْرَاهِيمَ بنِ كَثِير: حَدَّثَنَا ابن علَيةَ: حَدَّثَنَا عبد العَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ رضي الله عنه، (1) قَالَ:«قَدِمَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم المَدينة لَيْسَ له خادم، فأَخذَ أَبو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَال: يَا رَسولَ اللهِ إِنَّ أنسا غلَام كيِّس فَلْيَخْدمْكَ، قَالَ: فَخَدَمْته فِي السَّفَر وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْته لِمَ صَنعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْه لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذا؟» (2) وفي رواية:
«خَدَمْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أفٍّ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ؟ ولَا: أَلَا صَنَعْتَ؟» (3) وفي رواية:
(1) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المكثرين من الرواية عنه، وقرابته من النساء، وتلميذه، وآخر أصحابه موتا، ولد رضي الله عنه قبل الهجرة بعشر سنين، وعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاءت أم سليم بابنها أنس إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: يا رسول الله! هذا أنس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له، فقبَّله النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له، وكان مجموع ما روي عنه وثبت في دعائه له:" اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته [وأطل حياته واغفر له، [وأدخله الجنة] ". وخدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، وشهد بدرا صبيّا ثم المشاهد والغزوات بعدها، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وأنس ابن عشرين سنة، فكان رضي الله عنه إماما، مفتيا، داعية، راوية الإسلام، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وبلَّغ عنه علما جمّا بَلَغ ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بواحد وسبعين، وقد عمِّر حيث عاش مائة وثلاث سنين، توفي على الصحيح سنة 93 هـ رضي الله عنه وأرضاه. انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، 1/ 127، وسير أعلام النبلاء للذهبي، 3/ 395 - 406، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، 1/ 71 - 72.
(2)
[الحديث 2768] طرفاه: في كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، 7/ 109 برقم 6038، وفي كتاب الديات، باب من استعان عبدا أو صبيا 8/ 59 برقم 6911 وأخرجه مسلم، في كتاب الفضائل، باب كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، 4/ 1804 برقم 2309.
(3)
من الطرف رقم 6038.
(4)
من الطرف رقم 6911.
* شرح غريب الحديث: * " كيِّس " الكيِّس: العاقل (1) وهو الذي لا يقع منه خلَل غالبا في الدين (2).
* " أفّ " أصل الأف: كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر، وما جرى مجراها، ويقال ذلك لكل مستخف به، ويقال عند التكره من الشيء، وعند التضجّر منه (3).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من صفات الداعية: الخلق الحسن.
2 -
من آداب الداعية: ترك العتاب على ما فات استئلافا للمدعو.
3 -
أدب المدعو مع العالم والداعية.
4 -
من صفات الداعية: الكَيْس والنشاط.
5 -
من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم.
6 -
من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: الخلق الحسن: دل الحديث على أن الخلق الحسن من أعظم صفات الداعية؛ ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله: " وفي هذا الحديث بيان كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته، وحلمه وصفحه "(4) وقال الإمام ابن أبي جمرة: " فيه دليل على حسن خلق النبي وكثرة ما أمده الله عز وجل به من قوة اليقين؛ لأن أنسا بقي في خدمته صلى الله عليه وسلم
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الكاف مع الياء، مادة " كيس " 4/ 217، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 208.
(2)
بهجة النفوس لابن أبي جمرة، 3/ 80.
(3)
انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص 254، ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني ص 79، وفتح الباري لابن حجر، 10/ 460.
(4)
شرح الإمام النووي على صحيح مسلم 15/ 78، وانظر: شرح الكرماني على صحيح الإمام البخاري 12/ 83، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للإمام القرطبي 6/ 104.
عشر سنين ثم مع طول السنين ومباشرة الخدمة لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: قط لِمَ فعلت هذا هكذا، ولا لِمَ لَمْ تفعل. .؟ " (1).
فعلى الداعية أن يتصف بحسن الخلق؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى ليتمم مكارم الأخلاق كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (2) ومما يدل على أهمية حسن الخلق للداعية أن الله تعالى أمر به إمام الدعاة وقائدهم محمدا صلى الله عليه وسلم، وأثنى عليه به، قال تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199](3) وقال سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4](4) وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه فقالت: ". . . «فإن خلق نبيكم صلى الله عليه وسلم كان القرآن» (5) وهذا يحث الداعية على أن يسأل الله تعالى أن يرزقه الخلق الحسن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ". . . «واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت» . . . " (6).
ثانيا: من أدب الداعية: ترك العتاب على ما فات استئلافا للمدعو: من الأمور المهمة للداعية أن لا يلوم ولا يعاتب أحدا على ما فات، وخاصة في أمور الدنيا التي لا إثم في تركها؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:" ويستفاد من هذا ترك العتاب على ما فات؛ لأن هناك مندوحة عنه باستئناف الأمر به إذا احتيج إليه، وفائدة تنزيه اللسان عن الزجر والذم واستئلاف خاطر الخادم بترك معاتبته، وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظ الإنسان، وأما الأمور اللازمة شرعا فلا يتسامح فيها؛ لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "(7).
فعلى الداعية أن لا يعاتب لحظ نفسه ولا لأجل الدنيا، بل عليه أن يعفو ويصفح كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أنس رضي الله عنه.
(1) بهجة النفوس 3/ 98.
(2)
البيهقي في السنن الكبرى بلفظه 10/ 192، وأحمد 2/ 381، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 2/ 613، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 1/ 75 برقم 45.
(3)
سورة الأعراف، الآية:199.
(4)
سورة القلم، الآية:4.
(5)
مسلم، في كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض 1/ 513 برقم 746.
(6)
صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، 1/ 535 برقم 771.
(7)
فتح الباري 10/ 460، وانظر: إكمال إكمال المعلم للأبي، 8/ 43.
ثالثا: أدب المدعو مع العالم والداعية: إن من الآداب الجميلة والأخلاق الحميدة احترام العلماء وخدمتهم والعناية بذلك، احتراما للعلم الذي معهم؛ ولهذا الأمر المهم أرسلت أم سليم رضي الله عنها ابنها أنس بن مالك رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليخدمه، فخدمه رضي الله عنه عشر سنوات. قال الإمام العيني رحمه الله:" وفيه أن خدمة الإمام والعالم واجبة على المسلمين، وأن ذلك شرف لمن خدمهم. . . "(1).
فعلى المدعو أن يخدم العلماء، ويوقرهم، ويحترمهم؛ لما لهم من الفضل على الناس بنشر العلم النافع بينهم، وتعليمهم لهم علوم الكتاب والسنة.
رابعا: من صفات الداعية: الكَيْس والنشاط: إن من صفات الداعية أن يكون عاقلا ثبتا، نشيطا في طاعة الله تعالى؛ لأن الكيِّس في الحقيقة: هو الذي لا يقع منه خلل في الدين؛ (2) ولهذا قال أبو طلحة رضي الله عنه في هذا الحديث: " يا رسول الله، إن أنسا غلام كيِّس فليخدمك ". فعلى الداعية أن يكون عاقلا، نشيطا، ملتزما بأمور الدين، فلا يقع منه خلل ولا تقصير.
خامسا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: إن التوكيد بالقسم من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأنه يثبت المعاني في القلوب، ويحملها على التصديق؛ قال أنس رضي الله عنه:" فوالله ما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعت هذا؟ ".
فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه (3).
سادسا: من وسائل الدعوة القدوة الحسنة: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أنس بن مالك يدل على هذه الوسيلة النافعة، وأن
(1) عمدة القاري 14/ 66.
(2)
انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة 3/ 98.
(3)
انظر: الحديث رقم 10، الدرس الخامس.
أثرها عظيم في الدعوة؛ لأن الفعل أبلغ من القول (1) ولهذا أثَّر هذا الخلق الحسن على أنس بن مالك رضي الله عنه حتى قال: «خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فوالله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا» . . . " الحديث.
فعلى الداعية أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه، وأن يكون قدوة حسنة لغيره؛ لأن القدوة الحسنة تعطي الآخرين قناعة بما يدعو إليه الداعية (2).
ومن أعظم ما ينبغي للداعية أن يكون قدوة لغيره في: الخلق الحسن، ومنه: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى، ولا شك أن حسن الخلق قسمان: أحدهما مع الله عز وجل، وهو أن تعلم أن كل ما يكون منك يوجب عذرا، وكل ما يأتي من الله يوجب شكرا، فلا تزال شاكرا له معتذرا إليه.
والقسم الثاني: حسن الخلق مع الناس، وجماعه أمران: بذل المعروف قولا وفعلا، وكف الأذى قولا وفعلا، وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم، والجود، والصبر، وطيب العود (3) وصحة الإسلام (4).
فعلى الداعية أن يكون قدوة للمدعوين في هذا الخلق الحسن. والله المستعان (5).
(1) انظر: فتح الباري لابن حجر 13/ 275.
(2)
انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة، 3/ 98، وعمدة القاري للعيني، 24/ 70، وشرح رياض الصالحين للعثيمين 6/ 263 - 264.
(3)
طيب العود: أن يكون الله عز وجل خلقه على طبيعة منقادة، سهلة الاستجابة لداعي الخيرات، انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق، 13/ 130.
(4)
انظر: المرجع السابق، 13/ 130.
(5)
انظر: الحديث رقم 3، الدرس الثالث، ورقم 8، الدرس الخامس، ورقم 9، الدرس الثالث عشر.