الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
100 -
باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم
[حديث اللهم اهد دوسا وائت بهم]
91 -
[2937] حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب: أخبرنا أبو الزناد: أن عبد الرحمن قال: قال أبو هريرة (1). رضي الله عنه: قدم طفيل بن عمرو الدوسي (2). وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن دوسا عصت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس: قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» (3).
وفي رواية: " جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوسا قد هلكت: عصت وأبت فادع الله عليهم "(4).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم 7.
(2)
الطفيل بن عمرو: هو الطفيل بن عمرو بن طريف، وقيل: ابن عبد الله الدوسي، نسبة إلى دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران. كان شاعرا سيدا في قومه، وقدم مكة، وقالت له رجال قريش: إنك امرؤ شاعر سيد، وإنا قد خشينا أن يصيبك هذا الرجل ببعض حديثه؛ فإنما حديثه كالسحر، فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك؛ فإنه فرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وابنه، فما زالوا به حتى سد أذنيه بقطن، ومر بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالمسجد، وإذا هو قائم بالمسجد فقام قريبا، فسمع بعض قوله، ثم فتح أذنيه واستمع فما سمع كلاما أحسن من كلامه، وذهب معه إلى بيته وعرض عليه الإسلام فأسلم، وأرسله إلى قومه داعيا، وسأل الله أن يجعل له آية، فلما ذهب وأشرف على قومه جعل الله له بين عينيه نورا، فسأل الله أن يجعله في غير وجهه، فتحول النور في رأس عصاه، ووصل إلى قومه فبدأ بدعوة أبيه وأمه، وزوجته إلى الإسلام، فأسلموا، وذكر ابن حجر في الفتح والإصابة أن أمه لم تسلم، وذكر الذهبي أنها أسلمت، ثم دعا قومه إلى الإسلام فلم يسلموا، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله عليهم، فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهداية، ثم رجع إليهم، فدعاهم وبقي فيهم حتى قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر بثمانين أو تسعين أسرة مسلمة، منهم أبو هريرة رضي الله عنه، وبقي مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى فتح مكة، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعثه إلى ذي الكفين " صنم عمرو بن حممة " فخرج إليه وأحرقه بالنار وهو يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أكبر من ميلادكا، إني حشوت النار في فؤادكا. ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبقي معه حتى قبض صلى الله عليه وسلم، ثم شهد يوم اليمامة في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وقتل شهيدا. انظر: اللباب في تهذيب الأنساب، لعلي بن أبي الكرم محمد بن محمد المعروف بابن الأثير 1/ 513، وسير أعلام النبلاء للذهبي 1/ 344 - 347، وزاد المعاد لابن القيم، 3/ 495، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 2/ 225.
(3)
[الحديث 2937] طرفاه في: كتاب المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي، 5/ 144، برقم 4392. وكتاب الدعوات، باب الدعاء للمشركين، 7/ 213، برقم 6397.
(4)
من الطرف، رقم 4392.
1 -
من صفات الداعية: الحلم.
2 -
من صفات الداعية: التأني والتثبت.
3 -
من صفات الداعية: رحمة المدعو والشفقة عليه.
4 -
من صفات الداعية: الحرص على هداية الناس.
5 -
من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.
6 -
من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء.
7 -
من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.
8 -
من أصناف المدعوين: المشركون.
9 -
من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم: إجابة دعواته.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: الحلم: ظهر في هذا الحديث حلم النبي صلى الله عليه وسلم العظيم؛ لأن الطفيل رضي الله عنه حينما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليهم، فدعا لهم صلى الله عليه وسلم بالهداية، وحلم عليهم فلم يغضب، فالطفيل رضي الله عنه ومن معه يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء عليهم بالهلاك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهم بالهداية، وهذا يدل على حلمه العظيم، قال الكرماني رحمه الله:" ودعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهداية في مقابلة العصيان، والإتيان بهم في مقابلة الإباء "(1).
فينبغي للداعية أن يتصف بالحلم ولا يغضب ولا يجزع إذا لم تقبل دعوته، والله المستعان (2).
ثانيا: من صفات الداعية: التأني والتثبت: دل هذا الحديث على تثبت النبي صلى الله عليه وسلم وعدم عجلته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عندما قال له
(1) شرح صحيح البخاري للكرماني 16/ 204، وانظر: عمدة القاري للعيني 23/ 20، ومرقاة المفاتيح، لملا علي القاري، 10/ 354.
(2)
انظر: الحديث رقم، 35، الدرس الثاني، و 89، الدرس الخامس.
الطفيل رضي الله عنه: يا رسول الله، إن دوسا عصت وأبت فادع الله عليهم تأنى صلى الله عليه وسلم فلم يعجل بالعقوبة بالدعاء، وإنما دعا لهم فقال:«اللهم اهد دوسا وائت بهم» قال العلامة العيني رحمه الله " كان يحب دخول الناس في الإسلام، فكان لا يعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام "(1). وهذا يدل على كمال أناته وتثبته صلى الله عليه وسلم.
فينبغي للداعية أن يتصف بالتثبت والأناة؛ لأن الله عز وجل أمر بالأناة والتثبت فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6](2).
ولا شك أن الأناة: هي التبين والتثبت في الأمور، والتبصر والتأمل، ويقال: تبصر الشيء، وتأمل في رأيه: تبين ما يأتيه من خير أو شر (3).
فالأناة: التأني والتثبت وترك العجلة، حتى يستبين الصواب (4). يقال: تثبت في الأمر والرأي واستثبت: تأنى فيه ولم يعجل، واستثبت في أمره، إذا شاور وفحص عنه (5). والأناة في الحقيقة: التصرف الحكيم بين العجلة، والتباطؤ، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة؛ فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش، وهي تدل على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية القادرة على ضبط نفسه تجاه انفعالاته العجولة، وبخلاف التباطؤ والتواني فهما من صفات أصحاب الكسل والتهاون في الأمور، ويدلان على أن صاحبهما لا يملك الإرادة القوية على دفع همته للقيام بالأعمال التي تحقق له ما يرجوه، أو ليس له همة عالية تنشد الكمال، فهو يرضى بالدنيات إيثارا للراحة، وكسلا عن القيام بالواجب.
فينبغي للداعية أن يكون متثبتا متأنيا، ولا يكون عجولا ولا كسولا؛ فإن الأناة تعينه على وضع الأمور في مواضعها، بخلاف العجلة؛ فإنها تعرضه لكثير
(1) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، 14/ 208.
(2)
سورة الحجرات، الآية:6.
(3)
انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الراء فصل الباء، ص 448.
(4)
تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 161.
(5)
انظر: لسان العرب لابن منظور، باب التاء فصل الثاء، مادة:" ثبت " 2/ 19.
من الأخطاء والإخفاق، والتعثر، والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وبخلاف التباطؤ والكسل، فهو أيضا يعرضه للتخلف والحرمان من تحقق النتائج التي يرجوها.
ولا شك أنه ينبغي للداعية أن يكون متأنيا في جميع أموره، ولا يكون مستعجلا في جميع أموره، ولا يكون متباطئا كسولا، ولا يزال الرجل يجني من ثمرة العجلة الندامة (1). والعجلة لها أسباب ينبغي أن يجتنبها الداعية، من أعظمها الشيطان عدو الإنسان، فعن أنس رضي الله عنه يرفعه:«التأني من الله والعجلة من الشيطان» (2). لأنه الحامل عليها بوسوسته، فيمنع من التثبت والنظر في سنن الله في الكون، ويمنع النظر في العواقب، فيقع المستعجل في المعاطب والفشل (3). ولكن ينبغي أن يعلم الداعية أن العجلة المذمومة ما كان في غير طاعة الله عز وجل مع عدم التثبت، أما المسارعة إلى الخير فهي محمودة، وقد قيل لبعض السلف: لا تعجل فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان ذلك كذلك لما قال موسى (4){وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84](5).
فعلم بأنه يستثنى من العجلة ما لا شبهة في خيريته، بشرط مراعاة الضوابط والشروط التي أمر الله بها حتى تكون المسارعة مما يحبه الله ويرضاه؛ ولهذا مدح الله المسارعين في الخيرات فقال عز وجل:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90](6).
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال الأعمش ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «التؤدة (7). في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة» (8). وعن عبد الله بن سرجس
(1) انظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، للمباركفوري 6/ 153، والأخلاق الإسلامية وأسسها، لعبد الرحمن الميداني، 2/ 367.
(2)
أخرجه أبو يعلى في مسنده، 3/ 1054، والبيهقي في السنن الكبرى، 10/ 1040، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 4/ 404:" هذا إسناد حسن رجاله ثقات ".
(3)
انظر: شرح السنة، للبغوي 13/ 176، وفيض القدير، شرح الجامع الصغير، للمناوي 3/ 184.
(4)
انظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، 6/ 153.
(5)
سورة طه، الآية:84.
(6)
سورة الأنبياء، الآية:90.
(7)
التؤدة: التأني: انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، 3/ 277.
(8)
أبو داود، كتاب الأدب، باب الرفق، 4/ 255، برقم 4810، والحاكم بلفظه 1/ 64، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 3/ 913.
المزني رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمت الحسن (1). والتؤدة، والاقتصاد (2). جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة» (3).
ومعلوم أن الأناة محبوبة عند الله عز وجل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم للأشج:«فإن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة» (4).
ثالثا: من صفات الداعية: رحمة المدعو والشفقة عليه: دل هذا الحديث على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وشفقته على المدعوين؛ ولهذا لم يدع على قبيلة دوس عندما طلب منه الدعاء عليهم، ولكن دعا لهم فقال:«اللهم اهد دوسا وائت بهم» ؛ قال الكرماني رحمه الله: " فإن قلت هم طلبوا الدعاء عليهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لهم، قلت: هذا من كمال خلقه العظيم ورحمته بالعالمين "(5). وقد قال الله عز وجل في حقه {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107](6). وهذا من كمال رحمته، ورأفته بأمته صلى الله عليه وسلم (7).
رابعا: من صفات الداعية: الحرص على هداية الناس: ظهر في هذا الحديث حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس، ولهذا دعا لدوس ولم يدع عليهم حينما طلب منه ذلك؛ لحرصه على هدايتهم ودخولهم في الإسلام؛ قال العلامة العيني رحمه الله:" وفيه حرص النبي صلى الله عليه وسلم على من يسلم على يديه "(8).
(1) السمت الحسن: حسن الهيئة والمنظر. انظر: فيض القدير للمناوي 3/ 277.
(2)
الاقتصاد: التوسط في الأمور، والتحرز عن طرفي: الإفراط والتفريط. انظر: المرجع السابق 3/ 277.
(3)
الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التأني والعجلة، وحسنه، 4/ 366، برقم 2010، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، 2/ 195.
(4)
أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله، 1/ 18، برقم 17.
(5)
شرح الكرماني على صحيح البخاري 12/ 184، 22/ 179.
(6)
سورة الأنبياء: 107.
(7)
انظر: الحديث رقم 5، الدرس الأول، ورقم 50، الدرس الرابع، وعمدة القاري للعيني 14/ 2080، وإرشاد الساري للقسطلاني، 5/ 110.
(8)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 18/ 34.
فينبغي للداعية أن يحرص على هداية المدعوين إلى دين الله عز وجل (1).
خامسا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: إن مراعاة أحوال المدعوين من صفات الداعية المسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع على دوس؛ لرغبته في دخولهم الإسلام، ودعا على بعض المشركين من غيرهم فدل ذلك على مراعاته صلى الله عليه وسلم لأحوال المدعوين، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله بتراجم تدل على مراعاة أحوال المدعوين فقال:" باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة "(2). وقال في موضع آخر: " باب الدعاء على المشركين "(3). وقال في موضع ثالث: " باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم "(4). قال ابن حجر رحمه الله: " كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم "(5).
وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " الدعاء على الكفار على حسب الأحوال، فكل مقام له مقال، فيراعى ما هو الأنسب: تارة يدعى عليهم بالهلاك والدمار، وتارة يدعى لهم بالهداية، وتارة يعلمون "(6). فينبغي للداعية أن يراعي أحوال المدعوين على ما يكون فيه الصلاح (7).
سادسا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: من أساليب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى التأليف بالدعاء الطيب الذي يجذب قلوب المدعوين، ومن أعظم ذلك الدعاء بالهداية، ولهذا استنبط
(1) انظر: الحديث رقم 90، الدرس السادس.
(2)
البخاري، كتاب الجهاد والسير، 3/ 307، ترجمة على الحديث رقم 2931.
(3)
المرجع السابق، كتاب المغازي، 7/ 212، ترجمة على الحديث رقم 6392.
(4)
المرجع السابق، كتاب الجهاد والسير، 3/ 308، ترجمة على الحديث رقم 2937، وكتاب الدعوات، 7/ 313، ترجمة على الحديث رقم 6397.
(5)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 108، وانظر: 11/ 196، عمدة القاري للعيني 14/ 207.
(6)
سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم 2937 من صحيح البخاري، بالجامع الكبير بالرياض.
(7)
انظر: الحديث رقم 19، الدرس الثالث.
الإمام البخاري رحمه الله من هذا الحديث أن الدعاء من أنواع التأليف، فقال:" باب الدعاء للمشركين بالهدى؛ ليتألفهم "(1) قال ابن حجر رحمه الله: " وقوله ليتألفهم من تفقه المصنف رحمه الله إشارة إلى التفريق بين المقامين "(2). أي الدعاء لهم والدعاء عليهم. ولا شك أن الدعاء للمدعو مما يشرح صدره، ويجذب قلبه للدين الإسلامي. فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب (3).
سابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل الحديث بمفهومه على أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما طلب منه الدعاء على دوس بالهلاك دعا لهم بالهداية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قدوة الدعاة إلى الله عز وجل، فهو قد تأنى، وصبر، وحلم، وعفا، ودعا بالهداية للمدعوين. فينبغي للداعية أن يقتدي به صلى الله عليه وسلم (4).
ثامنا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن المشركين من أصناف المدعوين؛ لأن قبيلة دوس من المشركين، وقد دعاهم الطفيل إلى الله عز وجل ودعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فينبغي للداعية إلى الله عز وجل أن يعتني بدعوة المشركين إلى الله عز وجل ويسلك معهم في دعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى تسعة مسالك:
1 -
إثبات ألوهية الله تعالى بالأدلة العقلية والنقلية، وأنه عز وجل المستحق للعبادة وحده.
2 -
ضعف جميع ما عبد من دون الله عز وجل من جميع الوجوه.
3 -
ضرب الأمثال التي تثبت العبادة لله عز وجل وحده وتقرر التوحيد.
4 -
الكمال المطلق من جميع الوجوه لله عز وجل.
(1) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء للمشركين ليتألفهم، 3/ 308، ترجمة للحديث رقم 2937.
(2)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6/ 108.
(3)
انظر: الحديث رقم 21، الدرس الخامس، ورقم 45، الدرس الثامن.
(4)
انظر: الحديث رقم 3، الدرس الثالث، ورقم 8، الدرس الخامس، ورقم 9، الدرس الثالث عشر.
5 -
التوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.
6 -
الغلو في الصالحين سبب كفر بني آدم.
7 -
بيان الشفاعة المثبتة والمنفية.
8 -
الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده، فهو عز وجل المستحق للعبادة وحده.
9 -
الأدلة العقلية والنقلية على إثبات البعث والنشور.
فإذا سلك الداعية إلى الله عز وجل هذه المسالك مع هؤلاء تفصيلا وتوضيحا وإبلاغا برفق، ولين، وحلم، وحكمة نجح بإذن الله عز وجل (1).
تاسعا: من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم: إجابة دعواته: دل هذا الحديث على أن من المعجزات ودلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إجابة دعواته، ومن ذلك دعوته لدوس حينما قال:«اللهم اهد دوسا وائت بهم» فهدى الله عز وجل هذه القبيلة وجاء الطفيل منهم في غزوة خيبر بتسعين أو ثمانين أسرة كلهم قد دخل الإسلام (2). وقد دعا صلى الله عليه وسلم أدعية كثيرة استجاب الله له فيها، وكانت من الدلائل القاطعة على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا، وأن الله عز وجل أرسله صلى الله عليه وسلم (3).
(1) انظر: تفسير البغوي، 3/ 241، 316، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 9/ 337 - 382، 1/ 35 - 37، وتفسير ابن كثير 3/ 255، والتفسير القيم لابن القيم ص 368، وأمثال القرآن لابن القيم ص 47، وفتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب 2/ 553 - 855، وأضواء البيان للشنقيطي، 2/ 482، 3/ 101، 322، 598، 5/ 44، 6/ 268، ومناهج الجدل في القرآن الكريم، للدكتور، زاهر عواض الألمعي ص 158 - 161.
(2)
انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، 1/ 346.
(3)
انظر: أمثلة كثيرة جدا على أن إجابة دعواته صلى الله عليه وسلم من أعلام نبوته. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية، 6/ 296 - 322.