الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 -
باب درجات المجاهدين في سبِيلِ اللهِ
يقَال: هَذِهِ سَبِيلِي، وهَذَا سَبِيلِي، قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ:{غُزًّى} [آل عمران: 156](1) وَاحِدهَا غازٍ: {هُمْ دَرَجَاتٌ} [آل عمران: 163](2) لَهمْ دَرَجَات.
[حديث من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة]
22 -
[2790] حدَّثَنَا يَحْيى بْن صَالِحٍ: حَدَّثَنا فلَيْح، عن هِلالِ بْنِ عليّ، عنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (3) رضي الله عنه قَالَ: قَال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ آمَنَ باللهِ وَبِرَسولهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقّا عَلَى اللهِ أَنْ يدْخِلَه الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبيلِ اللهِ أوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي ولِدَ فِيهَا ". فَقَالوا: يَا رَسولَ اللهِ، أفَلا نبَشِّر النَّاسَ؟ قَالَ: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ مائةَ دَرَجةٍ أَعدَّهَا الله لِلمجَاهِدينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَينِ كَمَا بينَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتم اللهَ فاسْأَلوه الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّه أَوْسَط الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ " أراه قَالَ: " وَفَوْقَه عَرْش الرَّحْمنِ ومنْه تَفَجَّر أَنْهَار الجَنَّةِ» . قَالَ محَمَّد بْن فلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ: «وَفَوقَه عَرْش الرَّحْمَنِ» (4).
وِفي رواية: ". . . «هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ». . " وفيها: «أَفَلَا ننَبِّئ النَّاسَ بِذَلِكَ» (5).
* شرح غريب الحديث: * " الفردوس ": وهو البستان الذي يجمع كل شيء من ثمار البساتين، وقيل: هو الذي فيه العنب والأشجار، والجمع فراديس؛ ومنه: جنة الفردوس (6).
(1) سورة آل عمران، الآية:156.
(2)
سورة آل عمران، الآية:163.
(3)
تقدمت ترجمته في الحديث رقم 7 [2753].
(4)
[الحديث 2790]، طرفه في كتاب التوحيد، باب وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاءِ، وَهوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 8/ 221، برقم 7423.
(5)
من الطرف رقم 7423.
(6)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع الراء، مادة " فردوس " 3/ 427، وفتح الباري، لابن حجر، 6/ 13.
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من موضوعات الدعوة: الحث على أصول الإِيمان.
2 -
من موضوعات الدعوة: الحث على العمل بأصول الإسلام.
3 -
من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين.
4 -
من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله عز وجل.
5 -
من أساليب الدعوة: الترغيب.
6 -
من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة.
7 -
من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء.
8 -
من صفات الداعية: جهاد النفس.
9 -
من أساليب الدعوة: الأسلوب الحكيم.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على أصول الإيمان: إن الحديث عن أصول الإيمان والحث عليها والتزامها من أهم الأمور التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية خاصة؛ لأن بالتزامها والعمل بمقتضاها تصلح أحوال الناس، وترسخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم.
ويؤخذ من مفهوم هذا الحديث الحث على هذه الأصول، وذلك بحث النبي صلى الله عليه وسلم على الإِيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال:«من آمن بالله وبرسوله» . . " ثم بين فضل ذلك ورغب فيه.
فينبغي للداعية أن يبين للناس أصول الإيمان، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى. قال عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136](1)
(1) سورة النساء، الآية:136.
وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49](1).
ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على العمل بأصول الإسلام: لا ريب أن تعليم الناس أصول الإسلام من أهم المهمات التي ينبغي للداعية إلى الله عز وجل أن يعتني بها، ويبيِّنها للناس حتى يعملوا بها، وقد تضمن هذا الحديث الحث على ذلك، حيث قال صلى الله عليه وسلم:«من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان» . . . " ثم بين فضل من عمل ذلك ورغب فيه وحث عليه، وهذا يبيِّن للداعية أهمية الدعوة إلى أركان الإسلام وبيانها للناس من: شهادة الحق " لا إِله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ومعناها ومقتضاها، وشروطها، وأركانها، ونواقضها، ومن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (2).
ثالثا: من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين: إن من أساليب الدعوة إلى الله عز وجل تطييب قلوب المدعوِّين المستجيبين وتأنيس نفوسهم إذا لم يستطيعوا القيام بالدعوة والجهاد؛ ولهذا قال ابن حجر رحمه الله في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «أو جلس في أرضه» : " فيه تأنيس لمن حرِمَ الجهاد، وأنه ليس محروما من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة، وإن قصر عن درجات المجاهدين "(3) وهذا يحث الداعية على أن يتصف بهذه الصفة، ويطيِّب نفوس المدعوِّين بما يشرح صدورهم،
(1) سورة القمر، الآية:49.
(2)
متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس " 1/ 9، برقم 8 ومسلم، في كتاب الإِيمان، باب أركان الإِسلام ودعائمه العظام، 1/ 45، برقم 16.
(3)
فتح الباري 6/ 12.
ويغني قلوبهم عما فاتهم بما شرع الله لهم من أعمال الخير: من القيام بالواجبات، واجتناب المحرمات، والنيَّة الصادقة الصالحة (1) قال صلى الله عليه وسلم:«من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (2).
رابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله عز وجل: لا شك أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وقبّته، ومنازل أهله أعلى المنازل في جنات النعيم، وقد ظهر من مفهوم هذا الحديث حث النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد، وذلك ببيان فضله ومنازل أهله، فينبغي للداعية أن يبين للناس منزلة الجهاد ويحثهم عليه، وعلى الإعداد له، والاستعداد (3).
خامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن أسلوب الترغيب له شأن عظيم في الحث على العمل والتشويق إليه؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فوائد هذا الحديث: " وفي الحديث فضيلة ظاهرة للمجاهدين، وفيه عظم الجنة وعظم الفردوس منها. . "(4).
ومما يظهر فيه الترغيب من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن ما لِمَنْ قام بهذه الأعمال: من الإيمان، والصلاة، والصيام بقوله:«كان حقا على الله أن يدخله الجنة» وهذا الحق بطريق الفضل والكرم منه تعالى وأن ذلك ثابت بوعده الصادق، ثم رغب صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله عز وجل وبين ما أعده الله للمجاهدين من الدرجات العلا، وأن أعلى الجنة وأوسطها (5) وأفضلها الفردوس الذي منه تفجّر أصول أنهار الجنة، من: الماء، واللبن، والخمر، والعسل، وأن سقف الفردوس عرش الرحمن سبحانه وتعالى (6).
(1) انظر: عمدة القاري، للعيني 14/ 90.
(2)
مسلم 3/ 1517، برقم 1909، وتقدم تخريجه، في الحديث رقم 21، الدرس السادس، ص 177.
(3)
انظر: الحديث رقم 18، الدرس الثاني.
(4)
فتح الباري 6/ 12، وانظر: عمدة القاري للعيني 14/ 90.
(5)
الأوسط: هو الأعلى والأفضل والأوسع والأرفع والأعدل، وفي ذلك دلالة على أن السماء كرويَّة؛ لأن الوسط لا يكون أعلى إلا إذا كان كذلك. والله أعلم. انظر: عمدة القاري للعيني، 14/ 90، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري 7/ 350.
(6)
انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري 12/ 132، وفتح الباري لابن حجر، 6/ 13، والمنهل العذب الفرات من الأحاديث الأمهات للدكتور / عبد العال محمد عبد العال 3/ 192.
فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب مع المدعوين، لما له من الأهمية البالغة في الحث على العمل والمواظبة عليه.
سادسا: من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة: النية الصادقة الصالحة من أعظم صفات الداعية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه» ، فدل ذلك على أن المهاجر في سبيل الله يحصل على فضل المجاهد في سبيل الله عز وجل بالنية الصالحة الصادقة، وأن من جلس في أرضه ولم يهاجر ولم يجاهد، ولكن عنده أعمال صالحة، ونية صادقة يتمنَّى الجهاد بها، فله فضل الجهاد.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " وفيه إشارة إلى أن درجة المجاهدين قد ينالها غير المجاهد، إما بالنية الصالحة، أو بما يوازيه من الأعمال الصالحة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر الجميع بالدعاء بالفردوس بعد أن أعلمهم أنه أعِدَّ للمجاهدين "(1).
فينبغي للداعية أن يتصف بالنية الصالحة الصادقة؛ فإنه يحصل بها على الثواب العظيم؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (2) وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم، إلا كتِبَ له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة» (3) وقد عظَّم الله أمر النية الصالحة فقال عز وجل: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114](4) وهذا يدل على أهمية النية الصالحة وأن الدعاة إلى الله بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أعطيَ العبد الثواب
(1) فتح الباري 6/ 13.
(2)
تقدم تخريجه في الدرس الثالث من هذا الحديث، ص 183.
(3)
أبو داود، كتاب الصلاة، باب من نوى القيام فنام 2/ 34 برقم 1314، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب من كان له صلاة بليل فغلبه عليها النوم، 3/ 275، برقم 1784، وصححه الألباني في إرواء الغليل 2/ 204، وصحيح النسائي 1/ 386.
(4)
سورة النساء، الآية:114.
العظيم والأجر الكبير، ولو لم يعمل وإنما نوى نية صادقة مع الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:«من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل» (1).
وقال صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئا» (2) والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (3) وهذا من فضل الله على عباده أن يكتب لهم ما نووا من الخير وإن لم يعملوه، وأنهم يثابون على نياتهم الصادقة إذا حال بينهم وبين العمل نوم، أو نسيان، أو مرض (4).
فينبغي للداعية أن يتصف بالإخلاص والنية الصالحة، وبهذا يحصل على الثواب المضاعف والأجر الكبير، وبالنية الصالحة يبارك له في الأعمال المباحة، ويثاب عليها؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:«إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» (5) وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك» (6).
سابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء: إن هذا الحديث دل على أن الحث على الدعاء والحض عليه من موضوعات
(1) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عن حزبه أو مرض، 1/ 515 برقم 747.
(2)
أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها 1/ 154 برقم 564، والنسائي، كتاب الإمامة، باب حد إدراك الجماعة، 2/ 111، برقم 855، وقال ابن حجر في فتح الباري: إسناده قوي 6/ 137.
(3)
متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، 1/ 9 برقم 1، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنية " وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال 3/ 1515، برقم 1907.
(4)
انظر: المنهل العذب المورود، شرح سنن أبي داود، لمحمود بن محمد خطاب السبكي، 7/ 239.
(5)
متفق عليه من حديث أبي مسعود رضي الله عنه: البخاري: كتاب الإِيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى 1/ 24 برقم 55 ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين 2/ 625، برقم 1002.
(6)
متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية، 1/ 24 برقم 56، ومسلم كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، 3/ 1250 برقم 1628.
الدعوة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ". . «فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة». . "، وهذا يدل على أهمية الدعاء، وأنه يحصل به أعظم المطالب، ولهذا قال الله عز وجل:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60](1) وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186](2) وقال صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا» (3).
فينبغي للداعية أن يحث الناس على الدعاء، ويبين لهم شروطه، وموانعه، وآدابه، وفضله، وأوقات إجابته، ويرغبهم في ذلك، ويبين لهم أن أعظم ما يسأله العبد ربَّه: الفردوس الأعلى؛ لأن ذلك أعظم المطالب (4).
ثامنا: من صفات الداعية: جهاد النفس: دل هذا الحديث على أن جهاد النفس من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ قال الكرماني رحمه الله: " وفيه الحث على ما يحصل به أقصى درجات الجنان من المجاهدة مع النفس "(5) قال الله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78](6) وقال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69](7).
فينبغي للداعية أن يجاهد نفسه على طلب العلم، والعمل بما علم، والدعوة
(1) سورة غافر، الآية:60.
(2)
سورة البقرة، الآية:186.
(3)
أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، 2/ 78، برقم 1488، والترمذي، كتاب الدعاء، باب حدثنا محمد بن بشار، 5/ 556، برقم 3556، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء، 2/ 1271، برقم 3865، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 3/ 179.
(4)
انظر: فتح الباري لابن حجر 6/ 13. وانظر أيضا: الترغيب في الدعاء، لأبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، ص 31 - 69، والدعاء بالمأثور وآدابه، لأبي بكر الطرطوشي، ص 31 - 306.
(5)
شرح الكرماني على صحيح البخاري 12/ 99.
(6)
سورة الحج، الآية:78.
(7)
سورة العنكبوت، الآية:69.
إلى العلم والعمل، وتعليم من لا يعلم، ويجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله للِّه، فإذا عَلِمَ الداعية، وعَمِلَ، وعَلّمَ دعيَ عظيما في ملكوت السماوات والأرض (1).
تاسعا: من أساليب الدعوة: الأسلوب الحكيم: من أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية أن يسلكها في دعوته: الأسلوب الحكيم؛ ولهذا استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وفي غيره؛ وقد ذكر الطيبي والحافظ ابن حجر رحمهما الله: على قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن في الجنة مائة درجة» أن هذا الجواب من الأسلوب الحكيم: أي بشرهم بدخول الجنة بما ذكر من الأعمال " (2).
فينبغي للداعية أن يستخدم الأساليب الحكيمة في دعوته إلى الله تعالى. والله المستعان.
(1) انظر: زاد المعاد لابن القيم، 3/ 10.
(2)
انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح 8/ 2623، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، 12/ 99، وفتح الباري لابن حجر، 6/ 12.