الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
107 -
باب التوديع
[حديث إن النار لا يعذب بها إلا الله]
94 -
[2954] وقال ابن وهب أخبرني عمرو، عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة (1) رضي الله عنه أنه قال:«بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث وقال لنا: " إن لقيتم فلانا وفلانا- لرجلين من قريش سماهما- فحرقوهما بالنار ". قال: ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج فقال: " إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما» (2).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة.
2 -
من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله عز وجل.
3 -
من صفات الداعية: الرجوع عن الحكم والفتوى إذا ظهر الدليل.
4 -
من وظائف الإمام المسلم: قتل كل من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون استتابة.
5 -
من أدب المدعو: توديع العلماء والدعاة إذا أراد سفرا.
6 -
من أساليب الدعوة: الترهيب.
7 -
أهمية استنابة الإمام أو الداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة.
8 -
أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة: ظهر في هذا الحديث أن من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة للدعوة إلى الله عز وجل؛ لقول أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الحديث: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث. .» . فينبغي العناية بإرسال الدعاة إلى الله عز وجل لتبليغ الدعوة
(1) تقدمت ترجمته في حديث رقم 7.
(2)
[الحديث 2954] طرفه في كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله، 4/ 27، برقم 3016.
الإسلامية ونشر العلم بين الناس (1).
ثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله عز وجل: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة التحذير من التعذيب بعذاب الله عز وجل لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن النار لا يعذب بها إلا الله» ، «وقد ثبت أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق قوما فبلغ ابن عباس رضي الله عنهما فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تعذبوا بعذاب الله "، ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" من بدل دينه فاقتلوه» (2) وعلي رضي الله عنه فعل ما فعل غضبا لله عز وجل؛ لأن هؤلاء الذين أحرقهم بالنار جعلوه إلها من دون الله، فغضب لله وحرقهم؛ ولأنه رضي الله عنه لم يبلغه النهي عن التعذيب بالنار، وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " فعل علي رضي الله عنه؛ لأنه لم يبلغه الحديث، وفعل ذلك لأنهم فعلوا أمرا شنيعا حيث ألّهوه من دون الله، فغضب لله، وفعل ما فعل رضي الله عنه، وهذه قاعدة: أن العالم إذا خالف السنة حمل على أنه لم يبلغه الحديث " (3). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من التعذيب بالنار؛ لأنه لا يعذب بها إلا الله. قال الإمام ابن العربي رحمه الله: " والنار لا يعذب بها إلا الله سبحانه، إلا أن يحرق رجل رجلا بالنار فيحرق بها قصاصا " (4).
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عذب العرنيين الذين قتلوا راعي الإبل بشيء من النار، ففي حديث أنس رضي الله عنه:«. . فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا» (5). وفي رواية لمسلم: «إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين هؤلاء؛ لأنهم سملوا أعين
(1) انظر: الحديث رقم 66، الدرس الثالث، ورقم 90، الدرس الثاني.
(2)
البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله، 4/ 27، برقم 3017.
(3)
سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم 3016، ورقم 3017، من صحيح البخاري.
(4)
عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي 4/ 74.
(5)
متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب إذا أحرق المشرك المسلم هل يحرق، 4/ 27، برقم 3018، ومسلم، كتاب القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، 3/ 1296، برقم 1671.
الرعاء» (1). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " إنما كان ذلك على سبيل القصاص "(2). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن باز حفظه الله يقول: " والأقرب والله أعلم أنه يجوز تعذيب من قتل بالنار أن يقتل بالنار؛ لأنه من باب المقاصة، كما لو عذبه بقطع لسانه، أو قطع رجله، أو أنفه جاز أن يقتص منه بقطع ما قطع، فكذلك التحريق بالنار من باب المقاصة "(3). {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126](4){وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40](5) فاتضح من ذلك أنه لا يعذب بالنار في كل حيوان حتى النملة والبعوضة، إلا أن يكون قصاصا (6).
ثالثا: من صفات الداعية: الرجوع عن الحكم والفتوى إذا ظهر الدليل: إن من الصفات العظيمة التي ينبغي أن يتصف بها كل مسلم وخاصة الدعاة إلى الله عز وجل: الأخذ بالدليل من الكتاب والسنة، والرجوع إلى ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قال:«إن لقيتم فلانا وفلانا- لرجلين من قريش سماهما- فحرقوهما بالنار» ، ثم رجع عن ذلك تعظيما لله عز وجل؛ لئلا يعذب بعذابه فقال صلى الله عليه وسلم:«إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما» ، فدل ذلك على أن العالم أو الداعية إذا صدر منه فتوى ثم رأى أن الأفضل أو الأولى أو الواجب خلافها رجع عن قوله وأفتى بما يوافق الدليل، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:" وفي الحديث جواز الحكم بالشيء اجتهادا ثم الرجوع عنه "(7).
(1) مسلم، كتاب القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، 3/ 1296، برقم 1671.
(2)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6/ 153.
(3)
سمعته من سماحته، أثناء شرحه لحديث رقم 3018 من صحيح البخاري، بالجامع الكبير بالرياض.
(4)
سورة النحل، الآية:126.
(5)
سورة الشورى، الآية:40.
(6)
انظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 151.
(7)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6/ 150، وانظر: عمدة القاري للعيني 14/ 221.
رابعا: من وظائف الإمام المسلم: قتل كل من آذى الله ورسوله بدون استتابة: دل هذا الحديث على أن من صدر منه أذى لله أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، فإن إمام المسلمين يأمر بقتله نصرة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هذين الرجلين بدون استتابة؛ لما صدر منهما من الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة رحمه الله:" إن من سب الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب؛ لأن فلانا وفلانا المذكورين في الحديث قد سميا في حديث غير هذا، وقيل: سبب ذلك أنهما كانا يؤذيان الله ورسوله "(1). ولا شك أنه يفرق بين الكافر الأصلي والمسلم المرتد بذلك، وقد سبق التفصيل (2).
خامسا: من أدب المدعو: توديع العلماء والدعاة إذا أراد سفرا: ظهر في هذا الحديث أن من الأدب توديع العلماء والدعاة قبل السفر؛ ولهذا قال أبو هريرة رضي الله عنه في هذا الحديث في شأن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج» .
فينبغي أن يعتني المدعو وكذلك الداعية بتوديع العلماء في بلده؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " وفيه مشروعية توديع المسافر لأكابر أهل بلده، وتوديع أصحابه له أيضا "(3).
سادسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من آذى الله ورسوله، بقوله:" فاقتلوهما "؛ قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة رحمه الله: " إن إطالة الزمان لا تمنع رفع العقاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما، وقيل ذلك حين كانت الأذية منهما صادرة ولو لم ترج القدرة للمسلمين عليهما لم يأمر فيهما بشيء "(4).
(1) بهجة النفوس، شرح مختصر صحيح البخاري 3/ 154.
(2)
انظر: الحديث رقم 89، الدرس الثامن، ص 516.
(3)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 151، وانظر: عمدة القاري للعيني 14/ 221.
(4)
بهجة النفوس، شرح مختصر البخاري 3/ 154، وانظر: فتح الباري لابن حجر 6/ 150.
فينبغي للداعية أن يبين للناس أن من وقع في شيء يوجب العقاب ثم ستر الله عليه عز وجل وأسبغ عليه نعمه وأمهله، فلا يغتر بذلك بل عليه أن يبادر بالتوبة قبل مفاجأة المنايا أو النقم؛ لأن الله عز وجل يقول:{أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ - ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ - مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 205 - 207](1) وقال عز وجل: {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33](2) وهو الشيطان (3). ولا شك أن الله عز وجل يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته (4). والله المستعان.
سابعا: أهمية استنابة الإمام أو الداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة: دل هذا الحديث على أهمية استنابة الإمام أو العالم أو الداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة؛ ولهذا استناب النبي صلى الله عليه وسلم على قتل هذين الرجلين؛ قال الإمام ابن أبي جمرة رحمه الله في فوائد هذا الحديث: " جواز النيابة في الأحكام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن يؤتى إليه بهما "(5).
ثامنا: أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس: دل هذا الحديث على أهمية ذكر الدليل عند الفتوى أو الحكم؛ لرفع الإلباس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما» ، فقد استدل سيد الخلق عليه الصلاة والسلام بكون النار لا يعذب بها إلا الله؛ قال ابن حجر رحمه الله إن من فوائد هذا الحديث:" استحباب ذكر الدليل عند الحكم؛ لرفع الإلباس "(6). فينبغي للداعية العناية بذكر الأدلة من الكتاب والسنة أو من أحدهما على ما يقول ويفتي به؛ ليكون لذلك الأثر في نفوس المدعوين، والله عز وجل الموفق (7).
(1) سورة الشعراء، الآيات: 205 - 207.
(2)
سورة لقمان، الآية:33.
(3)
الغرور هو الشيطان، والغرور بضم الغين هو ما يلقيه من تسويلاته وتخيلاته من ترك الخوف والطمأنينة بما أظهر الله عز وجل من إمهاله وإدراره نعمه. انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة. 3/ 154.
(4)
انظر: الحديث رقم 7، الدرس الثالث عشر.
(5)
بهجة النفوس، شرح مختصر البخاري، 3/ 153، وانظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 150.
(6)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 150، وانظر: عمدة القاري للعيني، 14/ 221.
(7)
انظر: الحديث رقم 77، الدرس الحادي عشر.