الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
222 - " بَابٌ يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْه
"
263 -
عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه:
أنَّهُ كَانَ يُصَلِّي في يَوْمِ جُمُعَةٍ إلى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ من النَّاسِ، فَأرادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أبي مُعَيْطٍ أنْ يَجْتَازَ بيْنَ يَدَيه، فَدَفَعَ أبو سَعِيدٍ في صَدْرِهِ، فَنَظَرَ
ــ
إلى بعيره ماذا يصنع؟ " قال: كان يأخذ الرحل " وهو الشداد الذي يوضع على ظهر البعير ليكون فراشاً لراكبه، أي إذا هبَّ بعيره ولم يتمكن من الصلاة إليه اتخذ الرحل سترة له بدلاً عن الراحلة، وصلّى إلى مؤخرته. الحديث:
أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " كان يعرض راحلته (1) " الخ.
ويستفاد منه: جواز السترة بما يثبت من الحيوان وهو مذهب الحنفية والحنابلة في الحيوان غير الآدمي، وكره المالكية الاستتار في الصلاة بغير مأكول اللحم. ويؤخذ من الحديث أيضاً جواز الصلاة إلى الرحل كما ترجم له البخاري، ولا خلاف في ذلك عند أهل العلم.
222 -
" باب يرد المصلي من مر بين يديه "
263 -
معنى الحديث: إن أبا سعيد الخدري " كان يصلي في يوم جمعة إلى شيء يستره من الناس " أي كان يصلي إلى شيء يحول بينه وبين المارّة ويصلح أن يكون سترة له في الصلاة " فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه " أي فحاول هذا الشاب أن يمر أمامه بينه وبين سترته في الصلاة، وهذا الشاب هو داود بن مروان بن الحكم أمير المدينة في ذلك الوقت، هكذا قالوا، واستشكل بأنّ داود ليس من بني أبي مُعَيْطٍ، وإنما
(1) من قوله كان يُعرِّض راحلته فيصلّي إليها.
الشَّابُّ فلَمْ يجِدْ مَسَاغَاً إلَّا بَيْنَ يَدَيْه، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أبو سَعِيدٍ أشَدَّ مِنَ الأوْلى فَنَالَ مِنْ أبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلى مَرْوَانَ فشكَا إِلَيْهِ مَا لَقِي مِنْ أبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أبو سَعِيدٍ رضي الله عنه خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ: مَالكَ ولابنِ أخِيْكَ يَا أبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " إِذَا صَلَّى أحدُكم إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاس فأرَادَ أحَدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْه فَلْيَدْفَعْهُ، فإنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإنَّمَا هُوَ شَيْطَان ".
ــ
هم أبناء عمه، قال الحافظ: ويحتمل أنه نسب إليهم من جهة الرضاعة، أو أنه نسب إلى أقربائه وأبناء عمومته من باب التوسع في الكلام وقد جرت عادة العرب على نسبة المرء إلى أقاربه أو أصحابه توسعاً، ومنه قول ضمام ابن ثعلبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر " أي صاحبهم " فدفع أبو سعيد في صدره " أي فدفعه أبو سعيد، بيده في صدره ليرده، عن المرور بين يديه " فلم يجد مساغاً " أي فلم يجد له طريقاً آخر يمر منه " فعاد ليجتاز فدفعه " مرة أخرى " فنال من أبي سعيد " أي فغضب ذلك الشاب من أبي سعيد وسبه وشتمه انتقاماً منه " ثم دخل على مروان فشكا إليه " أي فشكا داود إلى أبيه مروان ما فعله معه أبو سعيد، وكيف أنه دفعه في صدره، وأوجعه بتلك الدفعة الأليمة " ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال: مالك ولابن أخيك " أي ما الذي جرى بينك وبين ابن أخيك مروان، ولماذا عاملته بهذه المعاملة الشديدة القاسية فوكزته في صدره، وهو من دمك وجنسك. وكان من حقك أن تتلطف معه بدلاً من أن تعامله بهذا، الشدة والعنف، واستعمال الأخ هنا من باب المجاز، والعرب تتوسع أحياناً في هذه الكلمة، فيطلقون الأخ على مجرد القريب أو الصاحب والصديق لِإثارة عاطفة الحب في نفس المخاطب، ألا ترى إلى قول خديجة
رضي الله عنها لورقة بن نوفل: " اسمع من ابن أخيك " مع أنه ليس بعمه، وإنما نسبته إليه إمّا لإثارة العطف والحب عليه قي نفس ورقة، أو لتوقير ورقة واحترامه لكبر سنه. وما كان من ورقة إلاّ أن قال للنبي صلى الله عليه وسلم:" يا ابن أخي ماذا ترى؟ " تعبيراً عما يكنه له من عطف ومحبة، حتى أنه ينزله من نفسه منزلة ابن أخيه، وهذا ما أراد مروان من قوله " مالك ولابن أخيك "؟ أي ماذا فعلت مع ابن صديقك الذي هو بمنزلة أخيك " قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره " من جدار أو أسطوانة أو نحوها " فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه " أي فإنه مأمور شرعاً بدفعه ومنعه " فإن أبي فليقاتله " أي أنه يمنعه أولاً بالإشارة، ثم يرده رداً لطيفاً فإن لم يمتنع فإنه يدفعه دفعاً شديداً. إذ ليس معناه المقاتلة الحقيقية " فإنّما هو شيطان " من شياطين الإنس. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " فليدفعه ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية أن يرد المصلي من يمر بين يديه وأنه مأمور بذلك بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم " فليدفعه " حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم بدفعه، والأمر هنا للندب عند الجمهور، حيث قالوا: يستحب له دفعه، وحمل أهل الظاهر الأمر على أصله وهو الوجوب، فقالوا: يجب على المصلى مدافعة المار، قال القرطبي: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح. اهـ. وذلك لما تقتضيه الصلاة من الخشوع والإقبال على الله. اهـ. كما أفاده في سبل السلام (1). ثانياً: مشروعية اتخاذ السترة وهي سنة عند أحمد ومستحبة عند الجمهور لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب: " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره " ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر " لا تصل إلاّ إلى سترة، ولا تدع أحداً يمر بين يديه " صححه الحاكم. ثالثاً: تحريم المرور بين يدى المصلي إذا كان
(1) سبل السلام شرح بلوغ المرام ج 1.