الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستعانةُ بالجنِّ:
وفي قوله تعالى: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} تسخيرُ اللَّهِ الجِنَّ لسليمانَ يَأتَمِرُونَ بأمرِه، ويَنتهُونَ بنَهْيِه، وتوعَّدَهم اللَّه إنْ خالَفُوا أمرَ نبيِّه سليمانَ بالعذابِ، وهو الحَرْقُ.
والجِنُّ كالإنسِ خلَقَهُمُ اللَّهُ لعبادتِه، ولكنَّ اللَّهَ جعَلَهُمْ عالَمًا مجهولًا للإنسِ، وجعَلَ الإنسَ عالمًا معلومًا للجنِّ، والأصلُ في تعامُلِ الخَلْقِ فيما ببنَهم الإباحةُ؛ ولكنَّ تعامُلَ الجَانِّ مع الإنسانِ تعامُلُ معلوم مع مجهولٍ بالنسبةِ للإنسانِ، وتعامُلُ معلومٍ مع معلومٍ بالنسبةِ للجانِّ، وبالنظرِ إلى التعامُلِ بالنسبةِ للإنسانِ، وهو المقصودُ هنا، فإنَّ التعامُلَ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: تعامُلٌ عارِضٌ؛ مِن السؤالِ والجوابِ ، وردِّ القولِ والاستنطاقِ عندَ المَسِّ والضُّرِّ، والوعظِ والنُّصْحِ، والترهيبِ والترغيبِ؛ فذلك جائزٌ، وقد حادَثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الجانَّ، واسْمَعَهُمْ كلامَ اللَّهِ، ووعَظَهم وعلَّمَهم؛ لأنَّه رسولٌ إليهم أُرسِلَ إلى الثَّقَلَيْنِ، ولأنَّ النفعَ في ذلك للجانِّ، لا للإنسانِ، فالإنسانُ بادلٌ لا آخِذٌ.
النوعُ الثاني: التعامُلُ الدائمُ؛ كأنْ يَتخِذَ الإنسانُ جِنِّيًّا أو جِنًّا يُحادِثُهم، ويَستخبِرُهم ويُخبِرونَه، ويستعينُ لهم ويُعِينُونَه، ويَسألُهم ويُعطُونَه، فهذا لا يجوز؛ لأمورٍ:
أولًا: لأنَّ الجانَّ مجهولٌ لا يُعرَفُ كفرُهُ مِن إيمانِه، وصِدقُهُ مِن كذبِه، وعِلْمُهُ مِن جهلِه، ومِثلُ هذا التعامُلِ الدائمِ لا يصحُّ أنْ يكونَ مع إنسانٍ هذه حالُه؛ فكيف بجانٍّ؟ ! وإنْ أحازَهُ أحدٌ لنفسِهِ مرةً، فإنَّه لا يُجِيزُهُ لنفسِه مرَّاتٍ، حتى يكونَ تعامُلُهُ معه كتعامُلِ المعروفِ مع المعروفِ مِن الإنسِ.
ثانيًا: أنَّ خبرَ المجهولِ لا يصحُّ العملُ به، ونقلُهُ مذمومٌ، وكما جاء في الخبرِ:(كَفَى بِالمَرْء إثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ماَ سَمِعَ)(1)، وهذا في أحاديثِ الإنسِ، فكيف بأحاديثِ الجانِّ؟ ! وغالبُ ما يُحدِّثونَ به مَن يستعينُ بهم هو مِن الغيبيَّاتِ والظنيَّاتِ التي لا يتمكَّنُ الإنسانُ مِن رؤيةِ حقيقتِها بعَيْنَيْه؛ وإنَّما هي ظنونٌ، وقد يُخبرُ ببعضِ الحقِّ ليَخدَعَ الإنسانَ فيصدِّقَهُ، ثمَّ يَمزُحُهُ بباطلٍ كثيرٍ؛ فيَضِلُّ الإنسانُ بالباطلِ الكثيرِ؛ اغترارًا بالحقِّ القليلِ.
ثالثًا: أنَّ الجانَّ يُعادِي الإنسانَ، بخلافِ الإنسانِ فإنَّه لا يُعادِي الجانَّ، وكثيرٌ منهم شياطين مَرَدَةٌ، ومَن كانتْ هذه حالَهُ، كَثُرَتْ شرورُه، وعَظُمَتْ مَخَاطِرُه؛ قال تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: 128]؛ ولهذا كانت الإنسُ في الجاهليَّةِ تخافُ الجِنَّ وضَرَّها وشَرَّها؛ حتى عَبَدَتها دَفْعًا لِشَرِّها؛ كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} [الجن: 6]، وشياطنُ الجانِّ فيهم شرٌّ عظيمٌ على المُسلِمينَ؛ ولهذا ذكَرَ اللَّهُ وقوفَ الجانِّ وإعانتهُمْ للكافِرِينَ على المؤمِنِينَ، وتسليطَهُمْ عليهم، وتَلْقِينَهُمُ الحُجَجَ مِن حيثُ لا يَشعرُونَ؛ قال تعالى:{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221 - 222].
رابعًا: أنَّ الغالبَ أنَّ الجانَّ لا يَنفَعُ الإنسانَ إلَّا بما يَستَمتِعُ به منه، فإنْ لم يكنْ له مطلوبٌ في أولِ مرةٍ، فسيكونُ له مطلوبٌ بعدَ ذلك، وقد يَستدرجُ الإنسانَ في نفعِهِ وإخبارِهِ بالغيبِ؛ حتى يعلِّقَهُ به ولا يستطيعَ معه الفَكَاكَ والاستغناءَ عنه، فيطلُبُ منه الجانُّ ما يُريدُ، ويصبحُ الإنسانُ
(1) أخرجه أبو داود (4992).
بينَ أمرَيْنِ عظيمَيْنِ في نفسِه: بينَ أنْ يقدِّمَ للجانِّ ما يُريدُ، أو أنْ يتخلَّى عن مُتْعتِهِ العظيمةِ التي أعطاهُ إيَّاها واعتادَها، وربَّما آتاهُ اللَّهُ جاهًا بها عندَ الناسِ؛ بإخبار عن غيبٍ، أو سيادةٍ، أو منافعَ دنيويَّةٍ كقضاءِ الحاجاتِ ونحوِ ذلك، وأكثَرُ هؤلاءِ يَقَعُونَ في شِرَاكِ التأويلِ؛ فيَبدؤونَ ببَذْلِ ما يُريدُهُ الجانُّ منهمْ تأويلًا ثمَّ كفرًا صريحًا؛ ويَتوهَّمونَ أنَّهم متأوِّلونَ؛ حيثُ أعْمَتْهُم مُتْعَتُهم مِن الجانِّ، ولو زالتْ تلك المتعةُ، لأبْصَروا ما هم ليه مِن كفرٍ وشِرْكٍ بيِّنٍ صريحٍ.
خامسًا: أنَّ الاستعانةَ الدائمةَ بالجانِّ فتنةٌ لا تَنتهي غالبًا إلى حَدٍّ، فمَن تشَرَّبَها قلَّما يُقلِعُ عنها، ولو رأى ضُرَّها عليه مرةً أو مرتَيْنِ، فإنَّه لا يَقدِرُ عليها؛ فلها فتنةٌ على أصحابِها أشَدُّ مِن فتنةِ إدمانِ الخمرِ والمُسْكِراتِ، وقد ذكَرَ بعضُ مَن أَنْجَاهُ اللَّهُ مِن هذا السبيلِ أنَّهم كانوا يظُنُّونَ أنفُسَهُمْ بَقدِرُونَ على الرجوعِ مِن أولِ طريقِهم، فاستُدرِجُوا حتى قيَّدَهم الشيطانُ بفتنتِه، ومَن دخَلَ في هذا البابِ بنيَّةٍ صالحةٍ، وأدرَكَ ما هو فيه مِن بلاءٍ، لا يُصوِّرُ نفسَه أنَّه يَتعاملُ معهم بالشِّرْكِ والكفرِ والمعاصي والشهواتِ، بل يُصوِّرُها للناسِ على أنَّها أبوابُ وَلَايةٍ وكرامةٍ، وعامَّتُهم ليس فيهم عبادةٌ ولا يَشتهِرونَ بديانةٍ بينَ الناسِ؛ فلا يَعرِفُهُمُ الناسُ بكثرةِ صلاةٍ ولا بكثرةِ صيامٍ ولا وَرَعٍ؛ بل منهم مَن يُذكَرُ بخلافِ ذلك، ممَّا يَقطَعُ معه العارف أنَّ الجانَّ لم يَخُصَّهُمْ بذلك كَرَامةً لهم ولا حبًّا لهم في دِينِ اللَّهِ.
سادسًا: أنَّ القولَ بتجويزِ التعامُلِ الدائمِ مع الجانِّ بابٌ يُفتَحُ للسَّحَرَةِ والكهَنةِ للدخولِ فيه بهذه الذريعةِ؛ فلا يُعرَفُ الساحرُ والكاهنُ مِن غيرِه، وهذه فتنةٌ عظيمةٌ، وشرٌّ كبيرٌ.
ولا يُنكَرُ أنَّ السلفَ يَعرِضُ لهم شيءٌ مِن الكَرَاماتِ في هذا