الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الروم
سورةُ الرُّومِ مكيَّةٌ، وقد حكَى بعضُهم الإجماعَ على ذلك (1)، وسُمِّيَتْ بسورةِ الرُّومِ؛ لأنَّهم لم يُسَمَّوْا في القرآنِ بذلك إلَّا فيها، ومِن وجُوهِ تسميةِ السُّوَرِ تفرُّدُها بذِكْرِ شيءٍ؛ كآلِ عِمْرانَ ولُقْمانَ وقريشٍ والمائدةِ والنحلِ والعنكبوتِ وغيرِ ذلك.
* * *
كانتْ فارسُ والرومُ في سِجَالٍ وقتالٍ وعَدَاءٍ، وقد قاتَلَ الفرسُ الرومَ في الشامِ وطرَدُوهم حتى ألجَؤُوهُمْ إلى القُسْطَنْطِينيَّةِ، وكانتْ فارسُ مجوسًا تعبُدُ النارَ ونقولُ بإلهَيْنِ، وكانتِ الرومُ كتابيَّةً نصرانيَّةً، وليس للمجوسِ كتابٌ باقٍ، وليس في شرائعِهم قُرْبٌ مِن شرائعِ الإسلامِ كالنَّصَارى، وليس في كُتُبِهم إشارةٌ إلى نُبُوَّةٍ قادمةٍ ولا تبشيرٌ بها كما هي لدى أهلِ الكتابِ.
وقد قيل: إنَّ لهم كتابًا، وبدَّلُوه تبديلًا أشَدَّ وأبشَعَ مِن تبديلِ
(1) ينظر: "تفسير ابن عطية"(4/ 327)، و"زاد المسير"(3/ 415)، و"تفسير القرطبي"(16/ 392).
النصارى واليهودِ، حتى أَحَلُّوا نكاحَ المَحَارمِ، فرُفِعَ ما بَقِيَ مِن كتابِهم ولم يبقَ لدَيْهِمْ منه شيءٌ، وكان حُكْمُهم كحُكْمِ سائرِ الوثنيِّينَ، إلَّا ما دلَّ عليه الدليلُ كالجِزْيةِ فساوَوْا أهلَ الكتابِ، وقد روَى عبدُ الرزَّاقِ والشافعيُّ، عن عليٍّ رضي الله عنه؛ قال:"كان المجوسُ أهلَ كتابٍ يَقْرَؤُونَهُ، وعِلْمٍ يَدْرُسونَه، فشَرِبَ أميرُهم الخمرَ، فوقعَ على أختِه، فلمَّا أصبَحَ، دعا أهلَ الطمعِ فأعطاهُم، وقال: إنَّ آدَمَ كان يُنكِحُ أولادَهُ بناتِه، فأطاعُوه، وقتَلَ مَن خالَفَهُ، فأُسْرِيَ على كتابِهم وعلى ما في قلوبِهم منه، فلم يَبْقَ عندَهم منه شيءٌ"(1).
وأخرَجَهُ عبدُ بنُ حُمَيْدٍ في "التفسيرِ" بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابنِ أَبْزَى، عن عليٍّ؛ بنحوِه (2).
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه يَرَوْنَ أنَّ أهلَ الكتابِ أقلُّ شرًّا مِن المجوسِ، والرومَ أقرَبُ مِن فارسَ لهذا الأمرِ؛ فكانوا يُحِبُّونَ الغَلَبةَ للرُّومِ على فارسَ، وإنْ كان الصحابةُ قاتَلُوهُمْ جميعًا.
وقد روَى أحمدُ والترمذيُّ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ في قولِه تعالى:{الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} ؛ قال: "غُلِبَتْ وَغَلَبَتْ، قَالَ: كَانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأَبِي بَكْرٍ، فذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ)، قَالَ: فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا؛ فَإِنْ ظَهَرْنَا، كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ ظَهَرْتُمْ، كَانَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَجَعَلَ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمْ
(1) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(19262)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 188).
(2)
ينظر: "فتح الباري" لابن حجر (6/ 261)، و"الدر المنثور"(15/ 337).