الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سطحِه، وتَلزَقُ القذاراتُ في البلاطِ أشدَّ مِن الترابِ، وتَظهرُ عليه أشَدَّ مِن ظهورِها على الترابِ.
* * *
* قال تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)} [طه: 14].
في هذا: وجوبُ إقامةِ الصلاةِ المكتوبةِ وأدائِها إذا نُسِيَتْ بعدَ تذكُّرِها، واللامُ في قولِه تعالى:{لِذِكْرِي} حُمِلَتْ على معنيَيْنِ:
فقيل: إنَّها لامُ سببٍ؛ يعني: أَقِمِ الصلاةَ لِتذكرَني بها.
وقيل: هي بمعنى (عندَ)، والمرادُ: أقِمِ الصلاةَ متى ذكَرْتَها؛ وهذا الأشهَرُ.
قضاءُ الفرائضِ الفائتةِ وترتيبُها:
وتُقضَى الفرائضُ في كلِّ وقتٍ متى ذكَرَها ناسِيها؛ وذلك لظاهرِ الآيةِ، سواءٌ كان ذلك في وقتِ نهيٍ أو غيرِه؛ لأنَّ الفرائضَ المنسيَّةَ آكَدُ ذواتِ الأسبابِ.
وعلى هذا عامَّةُ السلفِ وأكثرُ الفقهاءِ.
خلافًا لأبي حنيفةَ، فقد جعَل تقدُّمَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لمَّا نام عن صلاةِ الفجرِ وقام عندَ طلوعِ الشمسِ: أنَّ ذلك كان بسببِ أنَّها كانت بينَ قَرْنَيْ شيطانٍ، وهو وقتُ نهيٍ، فتقدَّمَ حتى ترتفِعَ.
وهذا غيرُ ظاهرٍ في الحديثِ، ولا فَهِمَهُ كذلك أحدٌ مِن الصحابةِ، وفي الحديثِ قال:(فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ)(1)، وحرُّ الشمسِ لا يَكونُ إلَّا بعْدَ ارتفاعِها، واللَّهُ أعلَمُ.
(1) أخرجه البخاري (344)، ومسلم (682).
وقد أمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ: (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا؛ لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي})(1).
وأمَّا ما يقولُهُ بعضُ الفقهاءِ: أنَّ الصلاة المنسيَّةَ لا تُقضى إلَّا مع مَثِيلَتِها مِن الغدِ، فهذا لا دليلَ عليه، ويُخالِفُ ظاهرَ القرآنِ، وصريحَ السُّنَّةِ، وعملَ الصحابةِ رضي الله عنهم.
وإذا اجتمَعَتْ صلاتانِ: حاضرةٌ ومنسيَّةٌ، والوقتُ متَّسِعٌ، فالواجبُ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ المذاهبِ الأربعةِ تقديمُ المنسيَّةِ؛ لأنَّها أسبَقُ، ولحقِّ الترتيبِ بينَهما؛ فهما في حُكْمِ الصلاتَيْنِ الحاضرتَيْنِ المجموعتَيْنِ؛ كالظُّهْرِ والعصْرِ، والمغرِبِ والعِشَاءِ، ولمَّا فاتتْ صلاةُ العصر النبيَّ صلى الله عليه وسلم حتى غابتِ الشمسُ، صلَّاها ثمَّ صلَّى المغرِبَ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ حابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ؛ أن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدتُّ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغرُبُ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:(وَاللَّهِ مَا صَلَّيتُهَا! )، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ (2).
ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى على غيرِ ترتيبٍ؛ لا صلواتٍ فائتةً، ولا صلواتٍ حاضرةً مجموعةً.
وإذا كان الوقتُ ضيِّقًا لا يتَّسعُ لتقديمِ الفائتةِ على الحاضرةِ، وإنَّما يَكفي للحاضرةِ فقطْ، فيُقدِّمُ الحاضرةَ على الفائتةِ، ويسقُطُ عنه الترتيبُ؛ حتى لا يكونَ في حقِّه فائتتانِ بدلًا مِن صلاةٍ فائتةٍ واحدةٍ.
(1) أخرجه البخاري (597)، ومسلم (684).
(2)
أخرجه البخاري (596)، ومسلم (631).
وعلى هذا أكثرُ الفقهاءِ مِن المذاهب؛ وبهذا قال ابن المسيَّبِ والحسنُ وربيعةُ.
وخالَفَ في ذلك المالكيَّةُ، فقالوا بوجوبِ الترتيبِ ليسيرِ الفوائتِ ولو فاتتِ الصلاةُ الحاضرةُ، وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارَها بعضُ أصحابِه؛ كالخلَّالِ وأبي بكرٍ.
والفقهاءُ يختلِفونَ في وجوبِ الترتيب وإنْ قالوا بمشروعيَّتِهِ جميعًا، على أقوالٍ ثلاثةٍ:
قالتْ طائفةٌ: بوجوب الترتيب بينَ فوائتِ الصلواتِ كثيرِها ويسيرِها؛ وهذا ظاهرُ مذهبِ أحمدَ، لأَنَّ القضاءَ يَحكِي الأداءَ.
وذهبت طائفةٌ: إلى وجوبِ الترتيب في يسيرِ الفوائتِ لا كثيرِها؛ وهذا ظاهرُ مذهب المالكيَّةِ والحنفيَّةِ، واختلَفُوا في الفَرْقِ بينَ الكثيرِ واليسيرِ، وعامَّتُهم على أنَّ اليومَ والليلةَ يسيرٌ يجبُ الترتيبُ فيه.
وذهبتْ طائفةٌ: إلى استحباب الترتيبِ عندَ قضاءِ الفوائتِ، وأنَّه لا يجبُ؛ وهذا مذهبُ الشافعيَّةِ؛ وذلَك أنَّ الفوائتَ كالدُّيونِ لا يضُره بأيِّها بدَأَ.
وظاهرُ الأقوالِ: أنَّ الصلواتِ الكثيرةَ لا يجبُ فيها الترتيبُ، وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ مِن الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والشافعيَّةِ، خلافًا لأحمدَ فلا يُفرِّقُ بينَ قليلٍ وكثيرٍ.
ومَن نَسِيَ صلاةً فائتةً، ثمَّ صلَّى حاضرةَ، فتذكَّرَ الفائتةَ في الوقتِ، فلا يجبُ عليه أن يُعِيدَ الحاضِرةَ عندَ أحمدَ؛ فإنَّه يُسقِطُ الترتيبَ بالنِّسْيانِ، وأمَّا ما رُوي عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: (مَن نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَلْيُعِدِ