المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الكبر واحتقار سبب للفتن بينهم: - التفسير والبيان لأحكام القرآن - جـ ٤

[عبد العزيز الطريفي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الحجر

- ‌صلاةُ الكَرْبِ، وإذا حَزَبَ الأمرُ:

- ‌سورة النحل

- ‌الانتفاعُ مِن جُلُودِ المَيْتَةِ:

- ‌أنواعُ الانتفاعِ مِن الأنعامِ والدوابِّ:

- ‌لُحُومُ الخَيْلِ والحَمِرِ والبِغَالِ:

- ‌حُكْمُ الاستعاذةِ عندَ القِرَاءةِ:

- ‌صِيَغُ الاستعاذةِ:

- ‌سورة الإسراء

- ‌سورة الكهف

- ‌حُكْمُ اقتِناءِ الكَلْبِ للحِرَاسةِ وغيرِها:

- ‌مشروعيَّةُ الوَكَالةِ والنِّيَابةِ:

- ‌الصلاةُ على الجنازةِ في المَقْبَرةِ:

- ‌الاستثناءُ في اليمينِ:

- ‌سورة مريم

- ‌تسميةُ المولودِ ووقتُها:

- ‌أمرُ الأهلِ بالصلاةِ

- ‌سورة طه

- ‌العِلَّةُ مِن أمرِ موسى بخلعِ نعلَيْهِ:

- ‌الصلاةُ في النِّعَالِ، ودُخُولُ المساجدِ بها:

- ‌قضاءُ الفرائضِ الفائتةِ وترتيبُها:

- ‌هل للصَّلَاةِ الفائِتةِ أذانٌ وإقامةٌ

- ‌حُكْمُ قضاءِ النوافلِ:

- ‌استحبابُ اتِّخاذِ البِطَانةِ الصالحةِ والوزيرِ المُعِينِ:

- ‌سورة الأنبياء

- ‌الأحوالُ التي جاء الترخيصُ فيها بالكَذِبِ للمَصْلَحةِ:

- ‌سورة الحج

- ‌حُكْمُ بيعِ رِبَاعِ مَكَّةَ ودُورِها:

- ‌تفاضُلُ المَشْيِ والرُّكُوبِ في الحَجِّ:

- ‌الهَدْيُ والأُضْحِيَّةُ والأَكْلُ منها:

- ‌نقسيمُ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ:

- ‌مَرَاتِبُ التمكينِ وشروطُهُ:

- ‌سورة المؤمنون

- ‌معنى الخشوعِ:

- ‌حُكْمُ الخشوعِ في الصلاةِ:

- ‌حُكْمُ الاستمناءِ:

- ‌دعاءُ نزولِ المَنْزلِ:

- ‌سورة النور

- ‌حَدُّ الزاني والزَّانِيَةِ:

- ‌فأمَّا البِكْرُ:

- ‌وأمَّا المُحْصَنُ:

- ‌حُكْمُ الجَلْدِ مع الرجمِ للمُحْصَنِ:

- ‌حُكْمُ التغريبِ:

- ‌شهودُ الجَلْدِ والرَّجْمِ:

- ‌حُكْمُ نكاحِ الزانيةِ وإنكاحِ الزاني:

- ‌القذفُ الصَّرِيحُ والكنايةُ:

- ‌قذفُ الحُرَّةِ والأَمَةِ والكافِرةِ:

- ‌شهادةُ القاذفِ بعد توبتِهِ:

- ‌سببُ نزولِ لِعانِ الزَّوْجَيْنِ:

- ‌مَرَاحِلُ قَذْف الزَّوْجِ لزوجتِهِ:

- ‌نَفْيُ الوَلَدِ باللِّعَانِ:

- ‌قَذْفُ الزوجةِ لزوجِها:

- ‌إشاعةُ الفاحشةِ وسَبَبُ عَدَمِ جعلِ الشريعةِ لها حَدًّا:

- ‌حُكْمُ الاستئذانِ عندَ دخولِ البيوتِ وصِفَتُهُ وعددُهُ:

- ‌السلامُ عندَ دخولِ البيوتِ وصفَتُهُ وعددُهُ:

- ‌الحِكمةُ مِن تقديمِ أمرِ الرِّجالِ على أمرِ النِّساءِ بغضِّ البصرِ:

- ‌لا تلازُمَ بينَ غضِّ البصرِ وسُفُورِ النساءِ:

- ‌حُكْمُ نَظَرِ الرَّجُلِ الى المرأةِ:

- ‌أنواعُ زِينَةِ المَرْأةِ:

- ‌التدرُّجُ في فَرْضِ الحِجابِ:

- ‌حُكْمُ تزويجِ الأَيَامَى:

- ‌تركُ الأسواقِ والبَيْعِ وقتَ الصلاةِ:

- ‌أمْرُ الناسِ وأهلِ الأسواقِ بالصلاةِ:

- ‌حِجابُ القواعدِ مِن النِّساءِ:

- ‌فضلُ الاجتماعِ على الطعامِ:

- ‌سورة الفرقان

- ‌هَجَرُ القرآنِ وأنواعُه:

- ‌وهجرُ القرآنِ على مَراتِبَ وأنواعٍ ثلاثةٍ:

- ‌أَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ وأَعْلاه:

- ‌نِسْيانُ القرآنِ:

- ‌النوعُ الثاني من الهجرِ: هجرُ تدبُّرِ مَعانيهِ وأحكامِه:

- ‌النوعُ الثالثُ: هجرُ العملِ بما فيه مِن أوامرَ وأحكامِ:

- ‌سورة الشعراء

- ‌انتصارُ المظلومِ مِن ظالمِه وأحوالُه:

- ‌سورة النمل

- ‌حُكْمُ الضحكِ في الصلاةِ والتبسُّمِ:

- ‌حُكْمُ تأديبِ الحيوانِ وتعذيبِه:

- ‌وِلَايةُ المرأةِ:

- ‌البَداءةُ بالبَسْمَلَةِ والفَرْق بينَها وبينَ الحَمْدَلَةِ:

- ‌حُكْمُ قَبُولِ الهديَّةِ التي يُرادُ منها صَرْفٌ عن الحقِّ:

- ‌سورة القصص

- ‌حِفْظُ الأسرارِ وإفشاؤُها:

- ‌عَرْضُ البناتِ لتزويجِهِنَّ:

- ‌سورة العنكبوت

- ‌سورة الروم

- ‌فَرَحُ المؤمنينَ بهزيمةِ أحَدِ العَدُوَّيْنِ على الآخَرِ:

- ‌رِهانُ أبي بَكْرٍ بِمَكَّةَ، والرِّهَانُ في إظهارِ الحقِّ:

- ‌أحكامُ العِوَضِ (السَّبَقِ) واشتراطُ المحلِّلِ في الرِّهانِ:

- ‌القَيْلُولَةُ في نصفِ النهارِ:

- ‌وقد ذكَر اللَّهُ القيلولةَ في مواضعَ:

- ‌إهداءُ الهديَّةِ رجاءَ الثوابِ عليها:

- ‌سورة لقمان

- ‌الغِناءُ والمَعَازِفُ والفَرْقُ بينَهما:

- ‌سورة السجدة

- ‌حُكْمُ التسبيحِ في السُّجُودِ والرُّكُوعِ:

- ‌سورة الأحزاب

- ‌أُمَّهَاتُ المؤمنينَ ومَقامُهُنَّ:

- ‌أنواعُ أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌عمومُ أصلِ الخِطَابِ بالحِجَابِ وخَصُوصيَّةُ نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌الصلاةُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم: معناها، وحُكْمُها:

- ‌سورة سبأ

- ‌الاستعانةُ بالجنِّ:

- ‌حُكْمُ التماثيلِ وصُوَرِ ذواتِ الأرواحِ:

- ‌سورة فاطر

- ‌سورة يس

- ‌سورة الصافات

- ‌سورة ص

- ‌سورة غافر

- ‌سورة فصلت

- ‌سورة الشورى

- ‌الشُّورَى وفضلُها وشيءٌ مِن أحكامِها:

- ‌سورة الزخرف

- ‌لُبْسُ الصبيِّ والرجُلِ للحُلِيِّ:

- ‌سورة الأحقاف

- ‌أكثَرُ الحملِ والرَّضَاعِ وأقَلُّهُ:

- ‌سورة محمد

- ‌حُكْمُ أَسْرَى المشرِكِينَ:

- ‌سورة الفتح

- ‌حُكْمُ تترُّسِ المشرِكِينَ بالمُسلِمِينَ:

- ‌سورة الحجرات

- ‌تعظيمُ أقوالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه:

- ‌الفَرْقُ بينَ البُغَاةِ والخَوَارجِ:

- ‌الكِبْرُ واحتقارُ سببٌ للفِتَنِ بينَهم:

- ‌التعويضُ عن الضررِ المعنويِّ:

- ‌الأحوالُ التي تجوزُ فيها الغِيبَةُ:

- ‌غِيبةُ الكافرِ:

- ‌سورة ق

- ‌سورة الذاريات

- ‌سورة الطور

- ‌سورة النجم

- ‌سورة القمر

- ‌سورة الرحمن

- ‌سورة الواقعة

- ‌الطهارةُ عندَ القراءةِ ومَسِّ المُصْحَفِ:

- ‌سورة الحديد

- ‌سورة المجادلة

- ‌ألفاظُ الظِّهارِ المُتَّفَقُ والمُختلَفُ فيها:

- ‌كفارةُ الظِّهارِ:

- ‌أنواعُ النَّجوَى المنهيِّ عنها:

- ‌ما يُستحَبُّ للداخِلِ إلى المَجالِسِ:

- ‌سورة الحشر

- ‌سورة الممتحنة

- ‌الإحسانُ إلى الكافرِ بالهديَّةِ وقَبولُ شفاعتِه:

- ‌إسلامُ الزوجَيْنِ أو أحدِهما:

- ‌سورة الجمعة

- ‌مَن تجبُ عليه الجُمُعةُ:

- ‌حُكْمُ الجُمُعةِ للمسافرِ:

- ‌العَدَدُ الذي تَنعقِدُ به الجُمُعةُ:

- ‌قيامُ الخطيبِ في الخُطْبةِ:

- ‌سورة الطلاق

- ‌طلاقُ السُّنَّة وطلاقُ البِدْعةِ:

- ‌السُّكْنَى للمطلَّقةِ:

- ‌السُّكْنى للمُطلَّقةِ المَبْتُوتةِ:

- ‌الإشهادُ على إرجاعِ المطلَّقةِ:

- ‌عِدَّةُ الحاملِ مِن الطلاقِ والوفاةِ:

- ‌سورة التحريم

- ‌تحريمُ الحلالِ لا يجعلُهُ حرامًا:

- ‌تحريمُ الحلالِ يمينٌ وكَفَّارتُه:

- ‌سورة القلم

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة المزمل

- ‌سورة المدثر

- ‌سورة القيامة

- ‌حُكْمُ الرُّقْيَةِ:

- ‌حُكْمُ التداوي مِن المرضِ:

- ‌سورة الإنسان

- ‌سورة عبس

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطففين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة الماعون

- ‌التلازُمُ بينَ الرِّياءِ وتأخيرِ وقتِ الصلاةِ:

- ‌تاركُ الصلاةِ وحُكْمُهُ:

- ‌حُكْمُ العاريَّةِ وحَبْسٍ ما يُعِينُ المحتاجَ:

- ‌سورة الكوثر

- ‌حُكْمُ الأُضْحِيةِ ووقتُها:

- ‌سورة النصر

- ‌سورتا المعوِّذَتَيْنِ

الفصل: ‌الكبر واحتقار سبب للفتن بينهم:

واللَّهُ أمَرَ بقتالِ الباغي؛ سواءٌ كان الوصفُ في واحدةٍ أو في اثنتَيْنِ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا} .

* * *

* قال اللَّهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].

لمَّا ذكَرَ اللَّهُ فيما سبَقَ اقتتالَ المؤمنينَ فبما بينَهُمْ وبَغْيَ بعضِهم على بعضٍ، نَهَى هنا عن إطلاقِ اللِّسَانِ بسُخْرِيَّتِهم بعضِهم مِن بعضٍ، والسَّبِّ والتعييرِ والتنابُزِ بالألقابِ؛ وهذا فيه إشارةٌ أنَّ إطلاقَ اللِّسانِ بالباطلِ أعظَمُ أسبابِ الفِتَنِ الكُبْرَى التي يَقتتلُ فيها المؤمنونَ؛ فمَنْ لم يَحفَظْ لِسَانَهُ عن أخيه، لا يُؤمَنْ مِن إطلاقِ سِنَانِهِ عليه.

‌الكِبْرُ واحتقارُ سببٌ للفِتَنِ بينَهم:

قال تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} ، والسُّخْرِيَّةُ هي استصغارُ الناسِ واحتقارُهم، ولا يكونُ ذلك إلَّا مِن متكبِّرٍ، وبمقدارِ كِبْرِهِ ينطلِقُ لسانُه في الناسِ تحقيرًا وتصغيرًا، وقد ثبَتَ في الصحيحِ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّه قال:(الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)(1)، وفي لفظٍ:(وَغَمَصَ النَّاسَ)(2)، ومَن تكبَّرَ احتقَر؛ لأنَّه لا يُحبُّ أنْ يَعلُوَهُ أحدٌ.

(1) أخرجه مسلم (91)؛ من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه.

(2)

أخرجه الترمذي (1999).

ص: 2069

وأعظَمُ السُّخْريةِ والاحتقارِ هي التي تُطلَقُ على جماعةٍ؛ كسُخْريةِ قبيلةٍ مِن قبيلةٍ، وأهلِ بلدٍ مِن أهلِ بلدٍ؛ حتى تكونَ الفتنةُ بينَهم أشَدَّ ممَّا يقعُ مِن واحدٍ لواحدٍ، فيتباغَضُونَ ويتنازَعُونَ وتَذهَبُ بينَهم حرارةُ الأُخُوَّةِ الإيمانيَّةِ، وطعنُ القبائلِ والشعوبِ بعضِهم في بعضٍ مِن الكبائرِ، ويتساهلُ الناسُ بذلك، فتطعُنُ أمَّةٌ في أمَّةٍ لأجلِ رجلٍ واحدٍ منهم أساءَ، ويَسخَرُ شعبٌ مِن شعبٍ لأجلِ واحدٍ منهم، وقد رَوَى ابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ عائشةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ قال:(إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً لَرَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا، فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا، وَرَجُلٌ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ وَزَنَّى أُمَّهُ)(1).

وقولُه تعالى: {عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} بيَّن اللَّهُ أنَّ الخيريَّةَ لا تُوزَنُ بالظواهرِ التي يُزْدَرَى فيها الناسُ غالبًا، وذلك لأشكالِهم أو ألوانِهم أو لِباسِهم أو بُلْدانِهم، فاللَّهُ ذكَّر بأمرٍ لا يَراهُ الناسُ، وهو أمرُ البواطنِ، وفيه تنبيهٌ أنَّه يجبُ على مَنْ وقَعَ في نفسِهِ ازدراءٌ لأحدٍ أو تنقُّصٌ له، أنْ يتذكَّرَ أمرَ البواطنِ التي لا يراها إلَّا اللَّهُ، وقد يكونُ في سريرتِهِ خيرًا مِن الساخرِ به، وقد نبَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم على هذا؛ فقد ثبَتَ في الصحيحِ؛ مِن حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ؛ أنَّه قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ:(مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ )، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا -وَاللَّهِ- حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آحَرُ، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ )، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَلَّا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَلَّا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَلَّا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا)(2).

(1) أخرجه ابن ماجه (3761).

(2)

أخرجه البخاري (6447).

ص: 2070

وقولُه تعالى: {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} خَصَّ اللَّهُ النساءَ بالذِّكْرِ مع دخولِهِنَّ في عمومِ قولِه تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} فهُنَّ مِن القومِ؛ وذلك لأنَّ النساءَ عادةً لا يُطلِقْنَ ألسِنَتَهُنَّ إلَّا في بعضِهِنَّ؛ لِمَا فيهنَّ مِن الغَيْرةِ أكثَرَ مِن غَيْرةِ الرجالِ بعضِهم مِن بعضٍ، فكلامُ النساءِ في النساءِ وسُخْرِيَّتُهُنَّ بهنَّ أكثَرُ مِن كلامِ الرجالِ في الرجالِ وسُخريتِهم بعضِهم ببعضٍ، وكذلك: فإنَّ النساءَ لا يُخالِطْنَ الرجالَ ولا يَعرِفْنَ عيوبَهم وأحوالَهم؛ وإنَّما يتخالَطْنَ بينَهُنَّ، والإنسانُ يُطلِقُ لِسانَهُ فيما يراهُ ويُبصِرُه؛ فغلَبَ إطلاقُ النساءِ بالنساءِ، وذلك غالبُ ما يقعُ مِن النساءِ، ولا يتكلَّمْنَ في الأقوامِ والشعوبِ والقبائلِ والأُممِ بالسُّخْرِيَّةِ كحالِ الرجالِ.

ومِن أسبابِ تخصيصِهِنَّ بالذِّكْرِ: أنَّ جرأةَ المرأةِ: في لسانِها، وجرأةَ الرجلِ: في جوارحِه؛ ولهذا جاء نهيُ النساءِ عن إطلاقِ اللَّسَانِ أكثَرَ مِن الرجالِ، وجاء نهيُ الرجالِ عن إطلاقِ الجوارحِ أكثَرَ مِن النساءِ، واللَّهُ أعلَمُ.

ومِن المفسِّرينَ: مَن جعَل الخِطابَ الأولَ في قولِه: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} خاصًّا بالرجالِ، ولفظُ (القومِ) مِن الألفاظِ العامَّةِ التي قد يُرادُ بها الخصوصُ، وقد جاء استعمالُها في القرآنِ للرِّجَالِ، وجاء استعمالُها للرجالِ والنساءِ.

وقد تقدَّم الكلامُ على اختلاطِ الرجالِ بالنساءِ في المَجالِسِ الدائمةِ وبيانِ تحريمِهِ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282]، وقولِهِ:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران: 96]، وقولِهِ تعالى:{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36]، وقولِ اللَّهِ تعالى: {تَعَالَوْا

ص: 2071

نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عمران: 61]، وقولِه تعالى في قصةِ موسى في القَصَصِ:{وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} [23]، وفي قولِه في طه والقَصَصِ:{فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} [طه: 10]، {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} [القصص: 29]، وقد بيَّنتُ أحكامَ هذه المسألةِ في رسالةٍ مستقلَّةٍ.

قولُه تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} ، نَهَى اللَّهُ عن التنابُزِ ولَمْزِ المؤمنِ لأخيهِ، وجعَلَ ذلك كلَمْزِهِ لنفسِه، وفي هذا تنبيهٌ إلى الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ ووجوبِ أنْ يشعُرَ المؤمنُ بأخيهِ، وأنَّ وقوعَهُ فيه كوقوعِ غيرِهِ فيه، وأنَّه يجبُ أنْ يُحِسَّ بأَخِيهِ كإحساسِهِ بنفسِه، وكثيرًا ما يذكُرُ اللَّهُ ذلك تذكيرًا للمؤمنِ يما ينساهُ مِن حقِّ الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ؛ كما قال في تحريمِ الأموالِ:{لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ} [النساء: 29]؛ أي: فأنتَ تأكُلُ مالَ نفسِكَ، وكقولِهِ في القتلِ:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29].

وقد روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قولَهُ:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} [البقرة: 84]؛ أي: لا يقتُلْ بعضُكم بعضًا، {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84]، ونفسُك يا بنَ آدمَ أهلُ مِلَّتِك (1).

وقولُه: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} ؛ يعني: لا يطعُنْ بعضُكم في بعضٍ، والتنابُزُ يالألقابِ إطلاقُ أوصافِ السُّوءِ وأسمائِها، وأشَدُّها ما يكونُ في دِينِه؛ كقولِه: يا كافرُ، أو يا يهوديُّ، أو يا مجوسيُّ، أو في عِرْضِه؛ كقولِه: يا زاني، أو يا عاهرُ، وغيرَ ذلك، ويأتي بعدَ ذلك ألقابُ التعبيرِ والتنقُّصِ، وكلامُ الناسِ بعضِهم في بعضٍ له مواضعُ ومقاصدُ، ولمزُ الناسِ بعضِهم بعضًا وتنابُزُهم على موضعَيْنِ:

(1)"تفسير الطبري"(2/ 202).

ص: 2072