الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِن حديثِ أبي هريرةَ، قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّه، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ)(1).
الاستثناءُ في اليمينِ:
وذِكْرُ الاستثناءِ في اليمينِ يَحُلُّ عَقْدَها؛ فإنَّ لليمينِ عَقْدًا لا بدَّ أن يَبقى، ويُحَلُّ بالاستثناءِ أو الكفَّارة، ومَن استثنَى عندَ حَلِفِه، لم يَلزَمْهُ الوفاءُ باليمينِ؛ لأنَّ الاستثناءَ يَحُلُّها ويجعلُ الحالفَ كأنَّه لم يَحلِفْ، ويُروى في الحديثِ مرفوعًا:(مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإنَّ لَهُ ثُنْيَاهُ)(2).
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ نحوُهُ مرفوعًا (3) وموقوفًا (4)، والأرجحُ وقفُه.
وبعضُ الفقهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ يَرَى أنَّ الاستثناءَ يَرْفَعُ الكفارةَ، ولكنَّه لا يَحُلُّ اليمينَ.
والأشهَرُ: أنه حَلٌّ لليمين، وعلى هذا عامَّةُ السلفِ.
وعامَّةُ العلماءِ: أنَّ الاستثناءَ إنْ كان متَّصِلًا باليمين، فإنَّه يَرفعُ وجوبَ وفائِهِ بها، ولكنَّهم اختلَفوا في حدِّ الاتِّصالِ المعتبَرِ تأثيرُهُ في الاستثناءِ، وفي الاستثناءِ المنفصلِ خلافٌ يسيرٌ.
أمَّا الاستثناءُ المتَّصِلُ: فيتَّفِقونَ على أنَّ ما كان اتصالُ الاستثناءِ
(1) أخرجه البخاري (6639)، ومسلم (1654).
(2)
أخرجه الحاكم في "المستدرك"(4/ 303).
(3)
أخرجه أحمد (2/ 10)، وأبو داود (3261)، والترمذي (1531)، والنسائي (3828).
(4)
"سنن الترمذي"(1531).
بالكلامِ مع كلمةِ الحَلِفِ والقَسَمِ: أنَّه معتبَرُ التأثيرِ في اليمينِ، وما لم يتَّصِلْ بالكلامِ اختُلِفَ فيه:
فمنهم مَن قال: يُعتبَرُ بالاستثناءِ ما دام في المَجْلِسِ؛ وبهذا قال طاوسٌ والحسنُ.
وقال عطاءٌ والشَّعْبيُّ والنخَعيُّ: إنَّه لا يصحُّ إلَّا موصولًا بالكلام، ولا يَضُرُّ فصلُ النَّفَس، وإذا انفصَلَ الحديثُ في أمرٍ آخَرَ ولو اتَّحَدَ المجلِسُ، فلا اعتبارَ بالاستثناءِ؛ وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ والأوزاعيِّ.
وعن أحمدَ: أنَّه ما دام في ذلك الأمر، ولم يتحوَّلْ إلى حديثٍ غيرِه، فإنَّ الاستثناءَ صحيحٌ، وظاهرُهُ: أنَّه إنِ انتقَلَ إلى حديثِ آخَرَ ولو اتَّحَدَ المجلسُ، فإنَّ الاستثناءَ لا يصحُّ.
وأمّا الاستثناء المنفصِلُ: فعامَّتُهم على عدمِ اعتبارِه.
وروى مجاهدٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ، في الرجُلِ يَحلِفُ؛ قال:"له أن يَستثنيَ ولو إلى سَنَةٍ، وكان يقولُ: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} "(1).
وبنحوِه قال أبو العاليةِ رُفَيعُ بن مِهْرانَ والحسنُ؛ فقد روى الربيِعُ عن أبي العاليةِ؛ في قولِه: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} الاستثناءَ، ثمَّ ذكَرْتَ فاستَثنِ (2).
ونحوُهُ عن الحسنِ؛ رواهُ الطبريُّ (3).
حمَلَ بعضُ الفقهاءِ ذلك: على أنَّ الاستثناءَ المنفصِلَ معَتبرٌ في إسقاطِ الكفَّارةِ ولو طال الزمنُ، ولعلَّ ما رُوِيَ في ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ الاستثناءَ -ولو انفصَلَ- يصحُّ إلحاقُهُ بالكلامِ الأولِ ولو طال الفصلُ
(1)"تفسير الطبري"(15/ 225).
(2)
"تفسير الطبري"(15/ 225).
(3)
"تفسير الطبري"(15/ 226).
تبرُّكًا، وليس هذا مَساقَ إبطالِ الأَيْمانِ وإسقاطِ الكفَّارات، والآيةُ آمِرةٌ بالاستثناءِ عندَ العَزْم على مستقبلٍ:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيت} .
وحمَل قِلَّةٌ الأمرَ على الوجوب، والمرادُ: أنَّ المؤاخَذةَ والمُخالَفةَ تسقُطُ باستدراكِ الاستثناءِ ولو بعدَ عامٍ، لا أنَّه يُسقِطُ الكفارةَ؛ فهذا لا يُناسِبُ فِقْهَ ابنِ عبَّاسٍ، ومَن استوعَبَ قولَهُ في أبوابِ كفَّاراتِ الأَيمان، عرَفَ أنَّه لا يستقيمُ معه حملُ تفسيرِه لهذه الآيةِ على إسقاطِ الكفارة؛ فإنَّ ابنَ عبَّاسٍ له أقوالٌ في أبوابِ الكفَّاراتِ، ولم يكن يُسقِطُها بالاستثناءِ، والآيةُ جاءتْ لبيانِ ذِكْرِ اللَّهِ عندَ النِّسْيان، والمشيئةِ عندَ العزمِ على ما يُستقبَلُ، وليست في مساقِ الأَيْمانِ والاستثناءِ بعدَها منفصِلًا.
ومَن نظَرَ في فقهِ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، وجَدَ أنَّهم لا يقولونَ بهذا القول، ولو كان قولُ ابنِ عبَّاسٍ كذلك، لَمَا تَرَكُوهُ جميعهم؛ لجلالةِ قَدْرِه، والمرويُّ عنهم خلافُه؛ كعطاءٍ وطاوُسٍ وغيرِهما.
والقولُ بصحَّةِ الاستثناءِ المنفصِلِ كلِّه ضعيفٌ يُبطِلُ أبوابَ الأَيْمانِ وتعظيمَها، وكَفَّاراتِها، ومَن نظَرَ في كلامِ أهلِ العربيَّة، وجَدَ أنَّهم لا يَعتبِرونَ الاستثناءَ المنفصِلَ كلامًا صحيحَ الاتِّساقِ، ولا معدودًا في كلامِ العرب، ولو صحَّ الاستثناءُ ولو بعدَ شهرٍ أو عامٍ، لم يكنْ للكفَّاراتِ قِيمةٌ، ولا لوجوبِ الوفاءِ بالأَيْمانِ قَدْرٌ في الشرع، ويكونُ مَن حلَفَ يَستثني ولو بعدَ عامٍ ولا يُكفِّرُ ولا يَفِي، فلم يكنْ للأمرِ بالكفَّارةِ معنًى، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يُرشِدُ إلى الوفاءِ والكفَّارةِ بعدَ لزومِ اليمينِ ولا يأمُرُ بالاستثناءِ؛ كما في "الصحيحِ"؛ قال صلى الله عليه وسلم:(مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)(1).
(1) أخرجه مسلم (1650).
واختُلِفَ في الاستثناءِ في غيرِ اليمِينِ؛ كالطلاقِ والعَتَاق، وعن أحمدَ ثلاثُ رواياتٍ:
إحداها: أنَّ الاستثناءَ يصحُّ فيها كاليمينِ؛ وبهذا قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ.
وثانيتها: أنَّ الاستثناءَ لا يصحُّ إلَّا في اليمينِ؛ وبهذا قال مالكٌ والأوزاعيُّ.
وفي ثالثةٍ: أنَّه توقَّفَ، وعلى هذا أكثرُ الرواياتِ عنه.
ولا يصحُّ الاسثناءُ بالقَلْب، بل لا بدَّ مِن النُّطْقِ به في قولِ العلماءِ كافَّةً، خلافًا لبعضِ الفقهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ، حيثُ جعَلُوا قياسَ قولِ مالكٍ صحةَ الاستثناءِ بالنِّيَّةِ.
ومَن عادتُهُ في يمينِهِ أنَّه يَستثنِي، وحلَفَ ونَسِيَ ماذا قال، وشَكَّ في استثنائِه، فيُحمَلُ على عادتِهِ ويُعتبَرُ مستثنيًا، وعكسُهُ بعكسِه.
* * *
* قال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)} [الكهف: 39].
في هذا: مشروعيَّةُ قولِ: {مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} عندَ رؤيةِ ما يَسُرُّ الإنسانَ ويُعجِبُهُ مِن النعيمِ والأشياءِ الحسَنةِ التي رُزِقَها العبدُ، وممَّا يُستحَبُّ كذلك الدُّعَاءُ بالبرَكةِ ممَّن يراها فيه مِن الناسِ.
الدُّعاءُ والذِّكْرُ المستحَبُّ عندَ رؤيةِ النعيمِ والفضلِ:
والواردُ عندَ رؤيةِ النعيمِ وما يَسُرُّ مِن الفضلِ قولانِ:
الأولُ لصاحبِ النعيمِ ومالكِهِ أنْ يقولَ: ما شاء اللَّه لا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ؛ ففي ذلك قال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا
بِاللَّهِ}، وفي ذلك نسبةُ الفضلِ إلى اللَّه، والبراءةُ مِن الحَوْلِ والقوةِ إلَّا به، ودفعٌ لكِبْرِ النَّفْسِ وبَطَرِها واغترارِها؛ وذلك ظاهرٌ في قولِ اللَّه بعدُ:{إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا} ؛ وفي هذا مِن كَسْرِ النَّفْسِ والكِبْر والعَيْن ما فيه.
ويُروى عندَ البيهقيِّ في "الأسماءِ والصفاتِ"، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ أنه كان إذا رأى مِن مالِه شيئًا يُعجِبُهُ، أو دخَلَ حائطًا مِن حيطانِه، قال:"ما شاءَ اللَّهُ لا قوةَ إلَّا باللَّهِ"(1)؛ يتأوَّلُ قولَ اللَّهِ: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} .
وكان يفعلُ ذلك جماعةٌ مِن السلفِ؛ كما رَوَى ابن أبي حاتمٍ، عن زيادِ بنِ سعدٍ؛ قال:"كان ابنُ شِهَابٍ الزُّهْريُّ إذا دخَلَ أموالَهُ، قال: (ما شاء اللَّهُ، لا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ)؛ يتأوَّلُ قولَ اللَّهِ: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} "(2).
ورَوَى عن مُطرِّفٍ؛ قال: "كان مالكٌ إذا دخَلَ بيتَهُ، قال: (ما شاءَ اللَّهُ)، قلتُ لمالكٍ: لِمَ تقولُ هذا؟ قال: ألَا تَسْمَعُ اللَّهُ يقولُ: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} الآية؟ ! "(3).
ورَوَى عن حفصِ بنِ مَيْسَرةَ؛ قال: "رأيتُ على بابِ وهبِ بنِ مُنبِّهٍ مكتوبًا: (ما شاء اللَّهُ لا قوةَ إلَّا باللَّهِ)، وذلك قولُ اللَّه، {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} الآية"(4).
الثاني لِمَنْ رأى نعيمَ غيرِه: أن يَدْعُوَ بالبَرَكة، وذلك لِما جاء عن أبي أمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيْفٍ؛ قال: "مَرَّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ
(1) أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات"(371).
(2)
"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2362).
(3)
"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2362).
(4)
"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2362).
وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ! فَمَا لَبِثَ أَنْ لُبِطَ بِه، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ سَهْلًا صَرِيعًا، قَالَ:(مَنْ تَتَّهِمُونَ بِهِ؟ )، قَالُوا: عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، قَالَ:(عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ ! إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ)، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْن، وَرُكْبَتَيهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِه، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ" (1).
والجمعُ بينَهما لا بأسَ له للرَّائي والمالكِ؛ لأنَّه مِن المَعَانِي الحَسَة، وقد روَى البخاريُّ؛ مِن حديثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ؛ قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى صَلَاةً، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِه، فَقَالَ:(مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ )، فَإِنْ رَأَى أحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ:(ما شَاء اللَّهُ)(2)، ولكنَّه في روايةٍ في البخاريِّ؛ قال:"فَيُقَصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أنْ يُقَصَّ"(3)، وفي روايةٍ له أُخرى؛ قال:"فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أنْ يَقُصَّ"(4).
وإنَّما شُرعَ الدعاءُ بالبَرَكةِ عندَ ذلك؛ لأنَّ النَّفْسَ تجدُ عندَ استحسانِها لشيءٍ مِن نعيمٍ وفضلٍ لغيرِها شيئَيْنِ:
الأولُ: أنَّها تَفقِدُهُ، وليس لدَيْها مِثلُهُ ولا أحسَنُ منه.
الثاني: تجدُ أنَّ غيرَها اختَصَّ بذلك عنها.
والحَسَدُ يأتي مِن الثاني أكثَرَ مِن الأول، ومِن هذَيْنِ يتولَّدُ الحسدُ، وتقعُ العينُ، فشُرعَ الدعاءُ بالبَرَكةِ لسدِّ ما تجدُهُ النفسُ؛ فإنَّ الدعاءَ بالبرَكةِ يتضمَّنُ الزيادةَ في خيرِ مَن أُعْطِيَ، وفي ذلك دفعٌ لِما تجدُهُ مِن
(1) أخرجه أحمد (3/ 486)، والنسائي في "السنن الكبرى"(7571)، وابن ماجه (3509).
(2)
أخرجه البخاري (1386).
(3)
أخرجه البخاري (7047).
(4)
أخرجه البخاري (7047).
اختصاصِ غيرِها به؛ ويتضمَّنُ أنَّ اللَّهَ هو مَن وهَبَ ورزَقَ وليس مِن تدبيرِ الناسِ واختيارِهم، وهذا يَكْسِرُ ما تجدُهُ النفسُ مِن حسدِ الناسِ على حُسْنِ تدبيرِهم؛ فإنَّ اللَّهَ هو مَنْ وهَبَهم، وما تدبيرُهم إلَّا سببٌ.
وأمَّا ما يُذكَرُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ، فَلْيَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)(1)، وما جاء مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ:"مَنْ أنعَمَ اللَّهُ عليه بِنِعْمةٍ، فأرادَ بقاءَها، فلْيُكثِرْ مِن قولِ: لا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللَّهِ"، ثمَّ قرَأ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} (2)، فلا يَصِحَّانِ.
* * *
* قال تعالى: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64]
في هذه الآيةِ قام موسى وغلامُهُ بتتبُّعِ آثارِهما، ومَن يَعرِفُ الآثارَ ومواطئَ الأقدامِ والأصابعِ وشَبَهَ الرجُلِ بأخيهِ - يُسمَّى قَائِفًا، وسُمِّيَتْ قِيَافَةً؛ لأنَّ قافيةَ كلِّ شيءٍ تكونُ آخِرَه، ومنه قافيةُ الشِّعرِ؛ لأنَّها تَقْفُو البيتَ.
وفي هذا: دليلٌ على اعتبارِ القافةِ قرينةٌ توصِّلُ إلى المقصودِ؛ لاعتبارِ نبيِّ اللَّهِ موسى لها، وقد ثبَتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم اعتبَرَها واستأنَسَ بها، وقد جاء أنَّه بعَثَ في أثرِ العُرَنِيِّينَ الذين سرَقُوا إبلَ الصدقةِ مَن يتتبَّعُ آثارَهم (3)، وكذلك حينَما اتُّهم زيدُ بن حارثةَ في ابنِه أسامةَ؛ لأنَّ أسامةَ أَسْوَدُ، ووالدُهُ زيدٌ أبيضُ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّهما ويسُوءُهُ ما يسُوءُهما،
(1) أخرجه الديلمي في "الفردوس بمأثور الخطاب"(5697).
(2)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(859)، و"الأوسط"(155).
(3)
أخرجه البخاري (233)، ومسلم (1671).
كما في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخَلَ على عائشةَ ذاتَ يومٍ تبرُقُ أساريرُ وجهِه، فقال:"يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ؟ ! "(1).
وقد عَمِلَ بالقَافَةِ عمرُ وعمَّارٌ وأنسُ بنُ مالكٍ.
وإنَّما تُعتبَرُ القيافةُ عندَ غيابِ الأدلَّةِ والبيِّنات، ولا تُعتبَرُ عندَ وجودِ البيِّناتِ ولا النقلِ عن الأصلِ الثابتِ؛ كَوَلَدِ الفِرَاشِ وغيرِ ذلك.
* * *
* قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79].
في هذه الآيةِ: أنَّ الخَضِرَ خرَقَ السفينةَ؛ ليجعَلَ فيها عَيْبًا؛ لأنَّها تمُرُّ على مَلِكٍ ظالمٍ يأخُذُ الصالحَ مِن السُّفُنِ له، وكان في خَرْقِ الخَضِرِ لها دفعٌ لمفسدةٍ أعظَمَ، وهي سلْبُ سفينتِهم كاملةً، وعِلمُ الخَضِرِ بالغايةِ -وهي المَفسدة الكُبرى- جعَلَهُ يَرتكبُ المَفسَدةَ الصُّغرى.
وفي هذه الآيةِ: جوازُ ارتكابِ أَدنى المَفسدتَيْنِ لدفعِ أعلاهُما، وكلَّما كان الإنسانُ بالمَفاسِدِ أبصَرَ، كان في بابِ السلامةِ أدَقَّ نظرًا وأكثَرَ توفيقًا، ومَن عرَفَ مَفسَدةً واحدةً، فإنَّه يعملُ على ما يَعلمُ، ولو كان معذورًا عندَ نفسِه، إلَّا أنَّه فد يُفسِدُها، وإنْ كان حاكمًا، أفسَدَ الناسَ معه، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعلَمَ الناسِ بالمَفاسِدِ المجتمِعة، وأحكَمَهم بتخطِّي أعلاها بأدناها، وتركُهُ لهدمِ الكعبةِ مِن هذا البابِ، وتركُهُ للأعرابيِّ الذي بال في المسجدِ منه كذلك.
(1) أخرجه البخاري (6771)، ومسلم (1459).
وكلَّما كان العالِمُ أو الحاكمُ بالمَفاسِدِ أعلَمَ، وبتعدُّدِها أبصَرَ، كان الاعتراضُ عليه ممَّن دونَه أشَدَّ؛ لأنَّه يَرى ما لا يرَوْنَ، ويختارُ ما لا يختارُون، ويَنقُدونَ على ما يَعلَمونَ، ويجبُ عليه أن يَصبِرَ على ما يَعلَمُ، مع بيانِ حقيقةِ ما يَعلَمُ إنْ كان له قدرةٌ على البيانِ، وإنَّما تُؤتى الأممُ وتسقُطُ الدولُ؛ لأنَّها عرَفَتْ جهةً مِن المَفاسِدِ ولم تَعرِفْ جهاتٍ، وضررُها فيما تجهلُ أشَدُّ ممَّا تعلَمُ، فتتجنَّبُ ما تَعلَمُ، وتقعُ فيما تَجهَلُ، تظُنُّها السلامةَ، وهو الهلاكُ.
والعِلْمُ بالمَفاسِدِ عظيمٌ، وهو دقيقٌ لا يُدرِكُهُ كلُّ أحدٍ، وهو خلافُ العلمِ بالمَصالِح، فالنفوسُ تتشوَّفُ إليه وتُقبِلُ عليه.
قولُه تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} إنَّما ذكَرَ اللَّهُ المساكينَ ولم يَذْكُرْ غيرَهم؛ لأنَّ الظالمينَ يتسلَّطونَ على الضُّعَفاءِ ويترُكونَ الأقوياءَ، ولأنَّ الأقوياءَ ينصُرونَ أنفُسَهُمْ ولا يحتاجونَ غالبًا إلى ناصرٍ، ونُصْرةُ الضعيفِ أعظَمُ ثوابًا مِن نُصْرةِ القويِّ.
وفي هذا: أنَّ المسكينَ قد يَملِكُ مَركَبًا وسفينةً؛ لكنَّها لا تسُدُّ حاجتَهُ ولا تَكفِيه، والفقيرُ أشَدُّ منه حاجةً وأضعَفُ منه قدرةً ويدًا.
ومَن فعَلَ ما فعَلَ الخَضِرُ فهو مُحسِنٌ، وليس بضامنٍ ما أفسَدَ على الصحيح؛ وذلك لِما تقدَّمَ في قولِهِ تعالى:{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91].
* * *
* قال تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف: 80 - 81].
ذكَرَ اللَّهُ إيمانَ الوالدَيْنِ وكُفْرَ الوَلَدِ، وذكَرَ أنَّ الولدَ لم يكنْ كفرُهُ على نفسِه؛ بل يُريدُ إرهاقَ والدَيْهِ به وبتَبِعَاتِه، وقد جاء مِن حديثِ أُبيِّ بنِ
كعبٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (وَأَمَّا الْغُلَامُ، فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا)(1).
وقولُه تعالى: {يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} جاء في معناهُ ما في "المسنَدِ"؛ مِن حديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ: "فَيَحْمِلُهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى دِينِهِ"(2).
وقد جاء عن غيرِ واحدٍ مِن المفسِّرينَ مِن السلفِ: أنَّ اللَّهَ أبدَلَهما به وَلَدًا مسلِمًا، كان حَمْلًا في بطنِ أمِّه عندَ قتلِ أخيه.
وفي هذه الآيةِ: أنَّ الغلامَ لم يُقتَلْ إلَّا لِعِلَّةِ إرهاقِهِ والدَيْهِ بطُغْيانٍ وكفرٍ، ومفهومُ الآيةِ: أنه لو كان كفرُ الغلامِ على نفسِه، وكان بارًّا بوالدَيْهِ: أنه لم يَقتُلْهُ الخَضِرُ.
وحياةُ الوالدَيْنِ أَولى مِن حياةِ ولدِهما ولو كان مسلِمًا، فضلًا عن كونِهِ كافرًا، ومَن ألحَقَ بوالدَيْهِ ضررًا وشرًّا باختيارِهِ لعقوقِهِ حتى خِيفَ على حياتِهما، فإنَّه يجوزُ للحاكمِ قتلُهُ تعزيرًا.
وأمَّا مجرَّدُ العقوقِ، فلا يثبُتُ ما ورَدَ في قتلِ العاقِّ لوالدَيْهِ؛ فقد رواهُ أبو حازمٍ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا:(مَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ، فاقْتُلُوهُ)(3)، ولا يصحُّ، والصوابُ إرسالُهُ عن أبي حازمٍ عن المسيَّبِ؛ هكذا رواهُ هشامُ بن عُرْوةَ، عن أبي حازمٍ، به (4).
ويقعُ العقوقُ الذي ليس فيه رهَقٌ بطُغْيانٍ وكفرٍ في القرونِ الأُولى، ولم يثبُتْ عن أحدٍ مِن الصحابةِ قتلُ مِثْلِ هذا العاقِّ تعزيرًا.
وإذا تعارَضَتْ حياةُ الولدِ في بطنِ أُمِّه وحياةُ أمِّه، فحياةُ أمِّه مقدَّمةٌ عليه، كمَنْ تَحمِلُ ولدًا يتَّفقُ الأطباءُ على أنه إنْ تُرِكَ حتى تَلِدَهُ ماتتْ بسببه، فيجوزُ إسقاطُهُ لتبقَى حيَّةً ولو مات جنينُها.
* * *
(1) أخرجه مسلم (2380).
(2)
أخرجه أحمد (5/ 120).
(3)
أخرجه ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال"(2/ 38).
(4)
أخرجه أبو داود في "المراسيل"(485).
كان للغلامَيْنِ حائطٌ، وتحتَهُ كَنزٌ لهما، وقد اختُلِفَ في الكَنْزِ: هل هو كَنْزُ عِلْمٍ وكتُبٍ، أو كَنْزُ مالٍ؟ فقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ: أَنَّه كَنْزُ عِلْمٍ (1)، وجاء عن الحسَنِ أنَّه لَوْحٌ مِن ذهبٍ مكتوبٌ فيه (2)، وجاء عن عِكْرِمةَ وقتادةَ: أنَّه كَنْزُ مالٍ (3).
وقد حَفِظَ اللَّهُ الغلامَينِ بصلاحِ والدِهما، وإنَّما ذكَرَ صلاحَ الوالدِ؛ لأنَّ الولدَيْنِ على خلافِ ذلك؛ فحفظُ الولدِ بصلاحِ نفسِهِ أَولى مِن حفظِه بصلاحِ غيرِه.
وفي هذه الآيةِ: حفظُ مالِ اليتيم وفضلُ رعايتِه، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى:{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء: 2] وما بعدَها، وعندَ قولِهِ:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]، وتقدَّم الكلامُ على الاتِّجارِ به واستصلاحِهِ عندَ قولِهِ:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220]، وتقدَّم الكلامُ في حفظِهِ حتى يبلُغَ ومقدارِ الأخذِ منه بالمعروفِ في قولِهِ تعالى:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6].
وتقدَّم الكلامُ في حفظِ مالِ الصغيرِ وعدمِ وَضْعِ المالِ في يدِه حتى
(1)"تفسير الطبري"(15/ 362 - 363).
(2)
"تفسير الطبري"(15/ 364).
(3)
"تفسير الطبري"(15/ 365).
يَكْبَرَ عندَ قولِهِ تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5].
* * *
* قال تعالى: {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف: 94].
في هذه الآيةِ: وجوبُ تحصينِ البُلْدانِ والمُدُنِ والناسِ ممَّن يُفسِدُ عليهم أمرَهم، وفيها: وضعُ الحصونِ عندَ المَخاطرِ.
وقولُه تعالى: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} ، {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: 95]، قولُهُ:{خَرْجًا} ؛ يعني: أَجْرًا، وذلك كقولِه تعالى:{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} .
عرَضُوا على ذي القَرْنَيْنِ جمعَ المالِ لبناءِ السدِّ، فامتنَعَ لكِفَايتِه، وفي هذا: جوازُ جمعِ الحاكمِ والسُّلْطانِ المالَ مِن الناسِ عندَ الشدائدِ والحروبِ لدفعِ العدوِّ، وإنْ كان في بيتِ المالِ كفايةٌ، فالأَوْلى أن يستغنيَ به عن مالِ الناسِ؛ كما استغنى ذو القرنَيْنِ عن ذلك؛ فقال:{مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} ؛ أي: إنَّ الذي أَعطاني اللَّهُ مِن القُدْرةِ والقُوَّةِ خيرٌ لي مِن الذي تَجمَعونَه، واستعانَ بما يَقدِرونَ عليه ولا يَقدِرُ عليه، وهو عملُ أبدانِهم؛ فقال:{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 95 - 96].