الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولم يكن ذلك مُعلَنًا؛ حتى لا يَعلَمَ موسى، فيَهْرُبَ وينجوَ مِن ظُلْمِهم، فجاء رجلٌ فأخبَرَ موسى بأمرِهم.
وفي هذا: أنَّه لا حُرْمةَ للأسرارِ إنْ كانتْ تُضِر بمظلومٍ، فيجبُ إفشاؤُها لِمَنْ بُغِيَ عليه ومَن له حقُّ النُّصْرةِ؛ حتى يُدفَعَ الظُّلْمُ عن المظلومِ.
حِفْظُ الأسرارِ وإفشاؤُها:
وقصدُ فرعونَ ومَنْ معه قَتْلَ موسى كان سِرًّا؛ كما في ظاهرِ السياقِ وما يَقتضيهِ الحالُ.
وإفشاءُ الأسرارِ التي تَنطوي على ظُلْمٍ وبغيٍ وحربٍ للَّهِ ومُحَادَّهٍ للَّهِ - واجبٌ، ويدُلُّ على وجوبِه أمرانِ:
الأولُ أنَّ حِفظَ الأسرارِ واجبٌ، ولا يَنتفِضُ الوجوبُ إلَّا بما هو مِثلُهُ أو آكَدُ منه؛ وذلك أنَّ مَنِ اؤْتُمِنَ على شيءٍ، وجَبَ عليه حِفظُهُ وعدمُ الخيانةِ فيه؛ كما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، في حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:(آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)(1).
الثاني: أنَّ دفعَ الظُّلْمِ والبَغي واجبٌ على الكفايةِ، ويتعيَّنُ الدفعُ على مَنْ لا يَقدِرُ عليه إلَّا هو، فمَن عرَفَ سرًّا فيه بغيٌ وظُلْمٌ وعُدْوان على الناسِ في أنفُسهم أو أموالِهم أو أعراضِهم أو دِينِهم، تعيَّنَ عليه دفعُهُ بإفشاءِ ما يَعلَمُ إلى مَن يستطيعُ الاحترازَ مِن ظُلْمِ الظالم وبَغْي الباغي.
(1) أخرجه البخاري (33)، ومسلم (59).
وقولُه تعالى على لسانِ الرجُلِ: {إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} دليلٌ على أنَّ فِعلَه بِرٌّ واحسانٌ ونصحٌ، لا خيانةٌ للأمانةِ.
* * *
* قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23].
لمَّا جاء موسى إلى مَدْيَنَ، ورَدَ موضعَ ماءٍ يجتمعُ الناسُ عليه لِيَسْقُوا، وقد هيَّأَ اللَّهُ لموسى خروجَ المرأتينِ ليكونَ بدايةً لصلاحِ أمرِهِ وأمانِه.
قولُه تعالى: {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} : قال: {مِنْ دُونِهِمُ} ؛ أي: ليستَا معهم؛ للدَّلَالةِ على أنَّ المرأةَ لا تَختلِط بمَجامِعِ الرِّجالِ، بل تَعتزِلُهم، فقد كانتَا تَذُودَانِ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ:"يعني لذلك حابستَيْنِ غَنَهما"(1)، وقال أبو مالكٍ:"تَحبِسانِ غنَمَهما حتى يفرُغَ الناسُ وتَخْلُوَ لهما البئرُ"(2).
ويظهَرُ هذا في قولِهما: {لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} ، وفي هذا استحبابُ عَرضِ قضاءِ حاجةِ المرأةِ عندَ ظهورِ تعطيلِها؛ لأنَّهُنَّ غالبًا يَمنعُهُنَّ حياؤُهُنَّ عن طلبِ مُسَاعدةِ الرِّجالِ.
وقولُهما: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} دليلٌ على ما سبَقَ؛ ففيه بيانُ عُذرِهما بحضورِهما إلى هذا الموضعِ مِن مواضعِ الرجالِ، ويُرِدْنَ بذلك
(1)"تفسير الطبري"(18/ 208)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(9/ 3962).
(2)
"تفسير الطبري"(18/ 209)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(9/ 2963).
بيانَ أنَّ أباهُما كان يقومُ بذلك، ولكنْ لمَّا كَبِرَ، لم تَجِدَا بُدًّا مِن الإتيانِ إلى هذا الموضع، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ اختلاطِ المرأةِ بالرجالِ، وبيانِ أحوالِهِ وأَنواعِه، في مواضعَ مضَتْ؛ منها عندَ قولِ اللَّهِ تعالى:{فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]، وقولِه تعالى:{تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عمران: 61]، وقولِه:{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36]، وقولِه تعالى في هود:{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [71]، وقولِه في طه:{فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} [10]، ويأتي الإشارةُ إلى ذلك في قولِه:{لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} [الحجرات: 11]، وقد بَيَّنْتُ ذلك مفصَّلًا في كتابِ:"الاختلاطُ: تحريرٌ، وتقريرٌ، وتعقبٌ".
وفي قوله تعالى: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} وجوب قيامِ الرَّجُلِ بالكسب ومَؤُونَةِ أهلِه، زوجًا كان أو أبًا، أو أخًا أو ابنًا؛ وذلك لِما جعَلَ اللَّهُ فيهم مِن خَصِيصةٍ وقوَامةٍ؛ فاللَّهُ فَضَّلَهُمْ لأجلِ أشياءَ، منها كَسْبُهم ونفقتُهم على أهلِيهِم ومَنْ يَلُونَ مِن النساءِ ومَن لا يَملِكُ قوةً وكفايةً، فبناتُ صاحبِ مَدْيَنَ اعتذَرْنَ عن أبيهِنَّ، وذلك لأنَّ السؤالَ قام في ذهنِ موسى وغيرِه، فأَجَبْنَ مع أنَّه لم يَسْأَلهُنَّ، لأنَّ المَقامَ ليس مَقامَهُنَّ؛ بل مَقامُ وَليِّهِنَّ.
وقد بيَّنَّا ذلك عندَ قولِه تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، وقولِه تعالى:{وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5]، وقولِه تعالى لآدمَ وحَوَّاءَ:{فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117]؛ أي: تَخْرُجانِ جميعًا والشقاء لآدمَ؛ لأنَّه مكفيٌّ في الجنةِ مِن الضَّرْب في الأرضِ والعملِ والتكسُّبِ، وأمَّا في الدُّنيا، فسيَشْقَى وحدَه، ومَحَلُّ حَوَّاءَ في
قَرَارِها، واللَّهُ أمَر الرِّجالَ ولم يَنْهَ النِّسَاءَ عن التكسُّبِ إنِ احتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرِّجالِ الأجانبِ.
* * *
* قال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26].
فيه: جوازُ اتِّخاذِ الخادمِ، وعملُ الرفيعِ جمع مَنْ هو دُونَهُ أو مِثلُهُ في الفضلِ، ومشاورةُ البنتِ لأبيها، وقَبُولُ رأيِها.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على صحةِ الإجارةِ في الشريعةِ، وهذا محلُّ اتِّفاقِ عندَ الجميعِ، وقد تقدَّم الكلامُ على الفَرقِ ينَ الإِجَارةِ والجِعَالةِ عندَ قوله تعالى في سورةِ يُوسُفَ:{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} [72].
وفي قوله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} بيانٌ لأركانِ وشروطِ مَن يصلُحُ للأمانةِ والوِلَايةِ على الأموالِ، وقد تقدَّمَ هذا عندَ قولِه تعالى في سورةِ يوسُفَ:{اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [55].
وتتضمَّنُ الآيةُ ما تقدَّمَ مِن إيجابِ الكسبِ على الرجالِ، وأنَّ الرجُلَ إنْ عَجَزَ عن الكسب لبَناتِهِ وقدَرَ على استئجارِ مَن يَكْفِيهِنَّ المؤونةَ، وجَبَ عليه، ما لمَ يكن فقيرًا أو لم يَجِدْ مَن يأتمِنُهُ على أهلِه، فيُعذَرُ؛ لأنَّ استئجارَ صاحبِ مَدْيَنَ لموسى: يَكفي بناتِهِ مِن الخروجِ إلى مواضعَ يَلْزَمُ منها خِلْطَةٌ بالرِّجَالِ كوُرُودِ الماءِ وشِبْهِه، وطلبُ بناتِ صاحبِ مَدْيَنَ جَرى على الفِظرةِ الصحيحةِ التي فُطِرَ عليها البشرُ.
ولمَّا استأجَرَهُ صاحبُ مَدْيَنَ مع ما رأى فيه مِن ديانةٍ وأمانةٍ، عرَضَ عليه الزواجَ مِن إحدى بناتِهِ مقابِلَ عملِهِ معه ثمانيَ سنينَ مَهرًا لها؛ حتى