الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنَّما جعَلَ اللَّه العِزَّ في الإبلِ؛ لأنَّها أكثَرُ الأنعامِ منافعَ، فيُنتفَعُ منها باللِّباسِ والأكلِ واللبنِ والحَمْلِ والغزوِ، ولكنْ لا يُكَرُّ عليها ولا يُفَرُّ.
والبرَكَةَ في الغنمِ؛ لكثرةِ نمائِها، وما فيها مِن السَّكِينةِ في نفسِها وعلى أهلِها.
* * *
* قال تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 7، 8].
لمَّا ذكَرَ اللَّهُ تعالى بهيمةَ الأنعام، وذكَرَ منافعَها، وعَدَّها بأنَّها الانتفاعُ بجلودِها وشعَرِها وصوفِها وأكلِها وجَمَالِها-: ذكَرَ في هذه الآيةِ حَمْلَ الأثقالِ.
أنواعُ الانتفاعِ مِن الأنعامِ والدوابِّ:
وفرَّقَ سبحانَه بينَ حَمْلِ الأثقالِ: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} ، وبينَ الركوبِ بقولِه، {لِتَرْكَبُوهَا}؛ وذلك أنَّ حملَ الأثقالِ؛ يعني: المتاعَ والزادَ في الطريق، والركوبُ ركوبُ الناسِ عليها في الأسفارِ، وهذا يختلِفُ بحسَبِ بهائمِ الأنعامِ:
أمَّا الغنمُ: فلا تُركَبُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ ذلك تعذيبٌ لها؛ فهي لا تَحتمِلُ راكبَها، فإذا كانتِ البقرُ لا تُركَبُ، فالغنمُ مِن بابِ أَولى، ولكنْ قد يُوضَعُ على الكبيرِ منها خفيفُ الماءِ ونحوُهُ ممَّا تَحمِلُهُ عادةً.
وأمَّا البقرُ: فتَحمِلُ بسيرَ الأثقالِ، ولكنَّها لا تُركَبُ، لأنَّها لا تَقْوَى على حَمْلِ صاحبِها، ولم تُخلَق لذلك، ولكنْ يجوزُ حملُ بعضِ الأثقالِ
عليها ممَّا تَحمِلُهُ عادةً؛ كآلةِ الحَرْثِ التي تَجُرُّها وشِبْهِها، وقد ثبَتَ في "الصحيحَيْن"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال صلى الله عليه وسلم:(بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ، قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ، فَقَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا؛ وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ)، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ -تَعَجُّبًا وَفَزَعًا- أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)(1).
وأمَّا الإبلُ: فيجوزُ اتِّخاذُها لحملِ الأثقالِ والركوبِ بلا خلافٍ.
ويُكرَهُ البقاءُ على ظهورِ الدوابِّ بلا سَيْرِ وحاجةٍ، فإنَّ ذلك يُؤذِيها، والركوبُ مع الحركةِ يسيرٌ عليها، وقد روى أبو داودَ في "سُننِه"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ قال:(إِيَّاكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَتَكُمْ)(2).
ويُروى مِن حديثِ معاذٍ الجُهَنِيِّ: "لَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ"؛ رواهُ أحمدُ (3).
ولا يُشكِلُ على ذلك وقوفُهُ على ظَهْرِ دَابَّتِهِ في عَرَفةَ ويومَ النَّحْرِ؛ وذلك لأنَّه وقَفَ موقفًا يُرِيدُ أن يراهُ الناسُ فيَقتدُوا به، لا أن يَستتِرَ عنهم؛ وهذا مِن المَصالحِ التي تفوقُ ركوبَ الإبلِ بالسَّيْرِ بها والحَمْلِ عليها.
والمرادُ: كراهةُ إيذاءِ البهائِم وتكليفِها ما لا تُطِيقُ، وعدمُ استعمالِها بغيرِ حاجةٍ وضرورةٍ، وقد رَوَى أَحمدُ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرداءِ مرفوعًا:(لَوْ غُفِرَ لَكُمْ مَا تَأْتُونَ إِلَى الْبَهَائِمِ، لَغُفِرَ لَكُمْ كَثِيرًا)، ورُوِيَ موقوفًا (4)؛ والموقوفُ أصحُّ.
(1) أخرجه البخاري (3663)، ومسلم (2388).
(2)
أخرجه أبو داود (2567).
(3)
أخرجه أحمد (3/ 439).
(4)
أخرجه أحمد (6/ 441).