الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
* قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].
في هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ انتصارِ المظلومِ مِن ظالمِهِ بمقدارِ مَظْلِمَتِهِ مِن غيرِ بَغْيٍ، وقد جاء في القرآنِ حمدُ العفوِ عمَّن ظلَمَ في مواضع؛ منها قولُهُ تعالى:{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149]، وقولُهُ تعالى:{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22]، وقولُهُ تعالى:{وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن: 14].
انتصارُ المظلومِ مِن ظالمِه وأحوالُه:
وفي هذه الآيةِ حَمِدَ اللَّهُ المنتصِرَ بعدَ ظُلمِه: {وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} ؛ وذلك أنَّ الانتصارَ مِن الظالمِ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: انتصار خالص للنَّفس ممَّن ظلَم؛ فهذا الانتصارُ حقُّ، ولكن العفوَ عندَ القدرةِ والتحمُّلَ للأذى أفضَلُ؛ وهذا أكثَرُ حمدِ العفوِ عليه في الكتابِ والسُّنَّةِ.
النوعُ الثاني: انتصارٌ للَّهِ ولِدِينِه، ولو امتزَجَ بشيءٍ مِن حقِّ النَّفْسِ، فالانتصارُ للَّهِ متأكِّدٌ وواجب، ما لم تَقُم مَفسَدةٌ في الدِّينِ أعظَمُ مِن مَفْسَدةِ البَغْيِ الذي يُرادُ الانتصارُ منه، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يَنتصِرُ لنفسِه؛ وإنَّما ينتصرُ للَّهِ وحُرُماتِه إذا انتُهِكَت، وهذه الآيةُ انتصارٌ للَّهِ؛ وذلك أنَّ سببَ نزولِها كان بسببِ ظُلْمِ قريشٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بإنشادِ الشِّعْرِ فيه
وسبِّه وتشويهِ رسالتِه، فقام بعضُ الأنصارِ مِن الصحابةِ بالانتصارِ منهم بمِثْلِ ما قالوهُ مِن الشِّعْرِ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ:"يرُدُّونَ على الكفارِ الذين كانوا يَهجُونَ به المؤمنِينَ"(1).
وفي "الصحيحَيْنِ" أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال لحسَّانَ: (اهْجُهُمْ -أَوْ هَاجِهِمْ- وَجِبْرِيلُ مَعَكَ)(2).
* * *
(1)"تفسير الطبري"(17/ 681).
(2)
أخرجه البخاري (3213)، ومسلم (2486).