الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الأحزاب
سورة الأحزابِ مدَنيَّةٌ (1)، ويَظهرُ ذلك في دَلَالةِ آياتِها على الأحكامِ والتشريعاتِ وأحكامِ النِّساءِ في الطلاقِ والعِدَدِ والمِيرَاثِ والحِجَابِ، وما تضمَّنتْهُ مِن أحكامِ النَّسَبِ، وخِطابِ أمَّهاتِ المؤمنينَ، وبعضِ أحكامِ بيتِ النبوَّةِ.
وفي سورةِ الأحزابِ نزَلَ حَدُّ الرجمِ للزَّاني المُحْصَنِ، وأحكامٌ كثيرةٌ تُعادِلُ أو تُقارِبُ سورةَ البقرةِ، ثمَّ نُسِخَ منها ما نُسِخَ لفظًا وحكمًا، وما نُسِخَ لفظًا وأُبقِىَ حُكْمًا كحدِّ الرجمِ؛ كما روى أحمدُ؛ مِن حديثِ زِرٍّ؛ قال:"قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأَيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأَحْزَابِ؟ أَوْ كَأَيِّنْ تَعُدُّهَا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً، فَقَالَ: قَطُّ! لَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُعادِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَقَد قَرَأْنَا فِيهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَهُ إِذَا زَنَيَا، فَارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"(2).
* * *
يزعُمُ المشرِكونَ أنَّهم يَفْهَمونَ ما لم يَفهَمْه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ للواحدِ
(1)"تفسير القرطبي"(17/ 48).
(2)
أخرجه أحمد (5/ 132).
منهم قَلْبَيْنِ يَفهَمُ بهما أعظَمَ مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومن أَشَدِّ صوارفِ أهلِ الضلالِ عن الحقِّ دَعْوَى الفَهْمِ بالوَهْمِ، فما يزالُ يَتوهَّمُ أنَّه يُدرِكُ ما لا يُدرِكُه غيرُه، وتَغُرُّه نفسُه؛ حتى يُختَمَ له بُسوءٍ، فإنَّ النَّفْسَ إنْ أرادتْ صَرْفَ الإنسانِ عن الحقِّ، وَهَّمَتْهُ أنَّ عقلَهُ خيرٌ مِن أتباعِ الحقِّ؛ لتُسَلِّيَهُ وتُبْقِيَهُ على الباطلِ، فالنَّفْسُ لا تَقْوى على العقلِ إلَّا بخداعِه.
وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} ، فيه: إبطالٌ لطلاقِ الجاهليةِ الذي كانوا يَضُرُّونَ به المرأةَ، فيُظاهِرُونَ منها ويُحرِّمونَها عليهم كأمَّهاتِهم، وسيأتي الكلامُ على الظِّهارِ وأحكامِهِ في سورةِ المجادَلَةِ بإذنِ اللَّهِ.
وقولُه تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} : كانتِ العربُ تتبنَّى الولدَ وتسمِّيهِ باسمِها، فينتسِبُ كأولادِهم من أصلابِهم، ويَرِثُونَ منهم كأبناءِ النَّسَبِ، ويُصبحُ مَحْرَمًا كمَحَارِمِ الأولادِ، فأبطَلَ اللَّهُ ذلك كلَّه، وبيَّن أنَّ تلك ألفاظٌ يُطلِقونَها عليهم (يا بُنَيَّ)، وليستْ مِن الحقِّ في شيءٍ، ولا أثَرَ لها في الأحكامِ.
وقد حرَّم اللَّهُ على الرجُلِ أنْ يَنسُبَ لِنَفسِهِ ولدًا ليس ولدًا له، وحرَّم على الولدِ أن ينتسبَ إلى أبٍ ليس أبًا له، وشدَّد في ذلك فجعَلَهُ كبيرةً؛ لاستحقاقِه اللعنَ، ولأنَّه مِن كُفْرِ النعمةِ ونُكْرانِ الفضلِ وجَحْدِه، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم:(مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ)(1)، وفيهما مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا:(لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، فَهُوَ كُفْرٌ)(2)، وفي مسلمٍ؛ مِن حديث عليٍّ مرفوعًا: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى
(1) أخرجه البخاري (6766)، ومسلم (63).
(2)
أخرجه البخاري (6768)، ومسلم (62).
غَيْرِ مَوَاليِهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ؛ لَا يقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (1).
وقد أمَر اللَّهُ بنداءِ الناسِ بأَنْسَابِهم الصحيحةِ، ومَنْ جُهِلَ نَسَبُهُ فيُدْعَى بالأُخوَّةِ الإيمانيَّةِ أو النداءِ بالمَوْلَى؛ كما قال تعالى:{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} .
وعفا اللَّهُ عمَّا جَرى على اللِّسَانِ مِن غيرِ قصدٍ للمعنى، ولكنَّ الإثمَ بالقصدِ؛ كما قال تعالى:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} .
* * *
في هذا: عِظَمُ حقِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على المؤمنينَ، وأنَّه أَوْلَى منهم بأنفُسِهم، فيجبُ طاعُتهُ وتعظيمُهُ فوقَ كلِّ طاعةٍ وإجلالٍ لكلِّ مخلوقٍ، وإنْ أمرَهم بشيءٍ يُخالِفُ أهواءَهم وما يَرْغَبونَ، فيجبُ عليهم طاعتُه؛ لأنَّه أَولى بهم مِن أنفُسِهم.
وذِكْرُ هذه الآيةِ بعدَ الآيةِ السابقةِ في تحريمِ أُبُوَّةِ غيرِ النَّسَبِ تنبيهٌ على أنَّ ما كان مِن أبوابِ الإجلالِ -كأنْ يقولَ الرجُلُ لأحدٍ: والدُنا؛ إجلالًا، والسامعُ يَعلَمُ قصدَ الإجلالِ- أنَّ ذلك جائزٌ؛ ولهذا قال في هذه
(1) أخرجه مسلم (1370).