المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أنواع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم - التفسير والبيان لأحكام القرآن - جـ ٤

[عبد العزيز الطريفي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الحجر

- ‌صلاةُ الكَرْبِ، وإذا حَزَبَ الأمرُ:

- ‌سورة النحل

- ‌الانتفاعُ مِن جُلُودِ المَيْتَةِ:

- ‌أنواعُ الانتفاعِ مِن الأنعامِ والدوابِّ:

- ‌لُحُومُ الخَيْلِ والحَمِرِ والبِغَالِ:

- ‌حُكْمُ الاستعاذةِ عندَ القِرَاءةِ:

- ‌صِيَغُ الاستعاذةِ:

- ‌سورة الإسراء

- ‌سورة الكهف

- ‌حُكْمُ اقتِناءِ الكَلْبِ للحِرَاسةِ وغيرِها:

- ‌مشروعيَّةُ الوَكَالةِ والنِّيَابةِ:

- ‌الصلاةُ على الجنازةِ في المَقْبَرةِ:

- ‌الاستثناءُ في اليمينِ:

- ‌سورة مريم

- ‌تسميةُ المولودِ ووقتُها:

- ‌أمرُ الأهلِ بالصلاةِ

- ‌سورة طه

- ‌العِلَّةُ مِن أمرِ موسى بخلعِ نعلَيْهِ:

- ‌الصلاةُ في النِّعَالِ، ودُخُولُ المساجدِ بها:

- ‌قضاءُ الفرائضِ الفائتةِ وترتيبُها:

- ‌هل للصَّلَاةِ الفائِتةِ أذانٌ وإقامةٌ

- ‌حُكْمُ قضاءِ النوافلِ:

- ‌استحبابُ اتِّخاذِ البِطَانةِ الصالحةِ والوزيرِ المُعِينِ:

- ‌سورة الأنبياء

- ‌الأحوالُ التي جاء الترخيصُ فيها بالكَذِبِ للمَصْلَحةِ:

- ‌سورة الحج

- ‌حُكْمُ بيعِ رِبَاعِ مَكَّةَ ودُورِها:

- ‌تفاضُلُ المَشْيِ والرُّكُوبِ في الحَجِّ:

- ‌الهَدْيُ والأُضْحِيَّةُ والأَكْلُ منها:

- ‌نقسيمُ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ:

- ‌مَرَاتِبُ التمكينِ وشروطُهُ:

- ‌سورة المؤمنون

- ‌معنى الخشوعِ:

- ‌حُكْمُ الخشوعِ في الصلاةِ:

- ‌حُكْمُ الاستمناءِ:

- ‌دعاءُ نزولِ المَنْزلِ:

- ‌سورة النور

- ‌حَدُّ الزاني والزَّانِيَةِ:

- ‌فأمَّا البِكْرُ:

- ‌وأمَّا المُحْصَنُ:

- ‌حُكْمُ الجَلْدِ مع الرجمِ للمُحْصَنِ:

- ‌حُكْمُ التغريبِ:

- ‌شهودُ الجَلْدِ والرَّجْمِ:

- ‌حُكْمُ نكاحِ الزانيةِ وإنكاحِ الزاني:

- ‌القذفُ الصَّرِيحُ والكنايةُ:

- ‌قذفُ الحُرَّةِ والأَمَةِ والكافِرةِ:

- ‌شهادةُ القاذفِ بعد توبتِهِ:

- ‌سببُ نزولِ لِعانِ الزَّوْجَيْنِ:

- ‌مَرَاحِلُ قَذْف الزَّوْجِ لزوجتِهِ:

- ‌نَفْيُ الوَلَدِ باللِّعَانِ:

- ‌قَذْفُ الزوجةِ لزوجِها:

- ‌إشاعةُ الفاحشةِ وسَبَبُ عَدَمِ جعلِ الشريعةِ لها حَدًّا:

- ‌حُكْمُ الاستئذانِ عندَ دخولِ البيوتِ وصِفَتُهُ وعددُهُ:

- ‌السلامُ عندَ دخولِ البيوتِ وصفَتُهُ وعددُهُ:

- ‌الحِكمةُ مِن تقديمِ أمرِ الرِّجالِ على أمرِ النِّساءِ بغضِّ البصرِ:

- ‌لا تلازُمَ بينَ غضِّ البصرِ وسُفُورِ النساءِ:

- ‌حُكْمُ نَظَرِ الرَّجُلِ الى المرأةِ:

- ‌أنواعُ زِينَةِ المَرْأةِ:

- ‌التدرُّجُ في فَرْضِ الحِجابِ:

- ‌حُكْمُ تزويجِ الأَيَامَى:

- ‌تركُ الأسواقِ والبَيْعِ وقتَ الصلاةِ:

- ‌أمْرُ الناسِ وأهلِ الأسواقِ بالصلاةِ:

- ‌حِجابُ القواعدِ مِن النِّساءِ:

- ‌فضلُ الاجتماعِ على الطعامِ:

- ‌سورة الفرقان

- ‌هَجَرُ القرآنِ وأنواعُه:

- ‌وهجرُ القرآنِ على مَراتِبَ وأنواعٍ ثلاثةٍ:

- ‌أَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ وأَعْلاه:

- ‌نِسْيانُ القرآنِ:

- ‌النوعُ الثاني من الهجرِ: هجرُ تدبُّرِ مَعانيهِ وأحكامِه:

- ‌النوعُ الثالثُ: هجرُ العملِ بما فيه مِن أوامرَ وأحكامِ:

- ‌سورة الشعراء

- ‌انتصارُ المظلومِ مِن ظالمِه وأحوالُه:

- ‌سورة النمل

- ‌حُكْمُ الضحكِ في الصلاةِ والتبسُّمِ:

- ‌حُكْمُ تأديبِ الحيوانِ وتعذيبِه:

- ‌وِلَايةُ المرأةِ:

- ‌البَداءةُ بالبَسْمَلَةِ والفَرْق بينَها وبينَ الحَمْدَلَةِ:

- ‌حُكْمُ قَبُولِ الهديَّةِ التي يُرادُ منها صَرْفٌ عن الحقِّ:

- ‌سورة القصص

- ‌حِفْظُ الأسرارِ وإفشاؤُها:

- ‌عَرْضُ البناتِ لتزويجِهِنَّ:

- ‌سورة العنكبوت

- ‌سورة الروم

- ‌فَرَحُ المؤمنينَ بهزيمةِ أحَدِ العَدُوَّيْنِ على الآخَرِ:

- ‌رِهانُ أبي بَكْرٍ بِمَكَّةَ، والرِّهَانُ في إظهارِ الحقِّ:

- ‌أحكامُ العِوَضِ (السَّبَقِ) واشتراطُ المحلِّلِ في الرِّهانِ:

- ‌القَيْلُولَةُ في نصفِ النهارِ:

- ‌وقد ذكَر اللَّهُ القيلولةَ في مواضعَ:

- ‌إهداءُ الهديَّةِ رجاءَ الثوابِ عليها:

- ‌سورة لقمان

- ‌الغِناءُ والمَعَازِفُ والفَرْقُ بينَهما:

- ‌سورة السجدة

- ‌حُكْمُ التسبيحِ في السُّجُودِ والرُّكُوعِ:

- ‌سورة الأحزاب

- ‌أُمَّهَاتُ المؤمنينَ ومَقامُهُنَّ:

- ‌أنواعُ أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌عمومُ أصلِ الخِطَابِ بالحِجَابِ وخَصُوصيَّةُ نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌الصلاةُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم: معناها، وحُكْمُها:

- ‌سورة سبأ

- ‌الاستعانةُ بالجنِّ:

- ‌حُكْمُ التماثيلِ وصُوَرِ ذواتِ الأرواحِ:

- ‌سورة فاطر

- ‌سورة يس

- ‌سورة الصافات

- ‌سورة ص

- ‌سورة غافر

- ‌سورة فصلت

- ‌سورة الشورى

- ‌الشُّورَى وفضلُها وشيءٌ مِن أحكامِها:

- ‌سورة الزخرف

- ‌لُبْسُ الصبيِّ والرجُلِ للحُلِيِّ:

- ‌سورة الأحقاف

- ‌أكثَرُ الحملِ والرَّضَاعِ وأقَلُّهُ:

- ‌سورة محمد

- ‌حُكْمُ أَسْرَى المشرِكِينَ:

- ‌سورة الفتح

- ‌حُكْمُ تترُّسِ المشرِكِينَ بالمُسلِمِينَ:

- ‌سورة الحجرات

- ‌تعظيمُ أقوالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه:

- ‌الفَرْقُ بينَ البُغَاةِ والخَوَارجِ:

- ‌الكِبْرُ واحتقارُ سببٌ للفِتَنِ بينَهم:

- ‌التعويضُ عن الضررِ المعنويِّ:

- ‌الأحوالُ التي تجوزُ فيها الغِيبَةُ:

- ‌غِيبةُ الكافرِ:

- ‌سورة ق

- ‌سورة الذاريات

- ‌سورة الطور

- ‌سورة النجم

- ‌سورة القمر

- ‌سورة الرحمن

- ‌سورة الواقعة

- ‌الطهارةُ عندَ القراءةِ ومَسِّ المُصْحَفِ:

- ‌سورة الحديد

- ‌سورة المجادلة

- ‌ألفاظُ الظِّهارِ المُتَّفَقُ والمُختلَفُ فيها:

- ‌كفارةُ الظِّهارِ:

- ‌أنواعُ النَّجوَى المنهيِّ عنها:

- ‌ما يُستحَبُّ للداخِلِ إلى المَجالِسِ:

- ‌سورة الحشر

- ‌سورة الممتحنة

- ‌الإحسانُ إلى الكافرِ بالهديَّةِ وقَبولُ شفاعتِه:

- ‌إسلامُ الزوجَيْنِ أو أحدِهما:

- ‌سورة الجمعة

- ‌مَن تجبُ عليه الجُمُعةُ:

- ‌حُكْمُ الجُمُعةِ للمسافرِ:

- ‌العَدَدُ الذي تَنعقِدُ به الجُمُعةُ:

- ‌قيامُ الخطيبِ في الخُطْبةِ:

- ‌سورة الطلاق

- ‌طلاقُ السُّنَّة وطلاقُ البِدْعةِ:

- ‌السُّكْنَى للمطلَّقةِ:

- ‌السُّكْنى للمُطلَّقةِ المَبْتُوتةِ:

- ‌الإشهادُ على إرجاعِ المطلَّقةِ:

- ‌عِدَّةُ الحاملِ مِن الطلاقِ والوفاةِ:

- ‌سورة التحريم

- ‌تحريمُ الحلالِ لا يجعلُهُ حرامًا:

- ‌تحريمُ الحلالِ يمينٌ وكَفَّارتُه:

- ‌سورة القلم

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة المزمل

- ‌سورة المدثر

- ‌سورة القيامة

- ‌حُكْمُ الرُّقْيَةِ:

- ‌حُكْمُ التداوي مِن المرضِ:

- ‌سورة الإنسان

- ‌سورة عبس

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطففين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة الماعون

- ‌التلازُمُ بينَ الرِّياءِ وتأخيرِ وقتِ الصلاةِ:

- ‌تاركُ الصلاةِ وحُكْمُهُ:

- ‌حُكْمُ العاريَّةِ وحَبْسٍ ما يُعِينُ المحتاجَ:

- ‌سورة الكوثر

- ‌حُكْمُ الأُضْحِيةِ ووقتُها:

- ‌سورة النصر

- ‌سورتا المعوِّذَتَيْنِ

الفصل: ‌أنواع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم

[الممتحنة: 4]، وكلُّ ما استَثْنَتْهُ نبوَّةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن أفعالِ الأنبياءِ، فهو دلِيلٌ على نسخِه، وأعظَمُ التأسِّي يكونُ بالاقتداءِ بفعلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

‌أنواعُ أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

-:

وأفعالُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على أنواعٍ:

النوعُ الأولُ: أفعالُ عبادةٍ؛ وهي الأصلُ في أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فالأصلُ فيما ورَدَ عنه مِن ذلك أنَّه تشريعٌ ويُتأسَّى به فيه، وما لم يكنْ تشريعًا تعبديًّا، فهو مِن الأفعالِ الحسنةِ التي لا تكونُ مذمومةً بحالٍ؛ فقد اختار اللَّهُ لنبيِّه أحسَنَ الأفعالِ، كما اختار له أحسَنَ الحديثِ.

وما كان مشتبِهًا مِن فعلِهِ وتردَّدَ: هل هو عبادةٌ أو عادةٌ؟ ولا مرجِّحَ بينهما، فيُلحَقُ بأصلِه، وهو التعبُّدُ.

النوعُ الثاني: أفعالُ عادةٍ؛ وهي ما يفعلُها النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ما اعتادَهُ الناسُ مؤمِنُهم وكافِرُهم، ولم يَخُصَّ ذلك الفعلَ بتأكيدٍ وحثٍّ عليه بالقولِ؛ وذلك مِثلُ لُبْسِهِ العِمَامةَ والإزارَ والرِّداءَ والقميصَ، ورُكُوبِهِ الدوابَّ، فهذا الأصلُ فيه الاشتراكُ مع الناسِ المؤمِنِ والكافِرِ، ولم يَختَصَّ به المؤمنونَ عن غيرِهم؛ فحينئذٍ يُقالُ بأنَّه عادةُ الناسِ، لا سُنَّةٌ وعبادةٌ.

وأمَّا ما فعَلَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ممَّا كان الناسُ يفعلونَهُ مؤمِنُهم ومشرِكُهم، ولكنَّه حَثَّ عليه بالقولِ، فهذا تشريعٌ وعبادةٌ، وذلك كتشميرِ الإزارِ ورفعِهِ فوقَ الكعبَيْنِ؛ وذلك أنَّه مِن عادةِ العربِ تشميرُ الأُزُرِ؛ وذلك أنَّهم يرَوْنَهُ علامةً على القوةِ وتركِ النعومةِ والدَّعَةِ، وكانوا يَمْدَحونَ فاعِلَ ذلك؛ كما قال الشاعرُ:

ص: 1971

كَمِيش الإِزَارِ خَارجٌ نِصْفُ سَاقِهِ

صَبُورٌ عَلَى الضَّرَّاءِ طَلَّاعُ أَنْجُدِ (1)

ويقولُ الآخَرُ:

وَكُنْتُ إِذَا جَارِي دَعَا لِمَضُوفَةٍ

أُشَمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي (2)

ولكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فعَلَ ذلك ورفَعَ إزارَه، وأمَرَ بذلك بقولِه؛ فخرَجَ عن كونِه عادةً إلى كونِه عبادةً؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:(مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ)؛ رواه البخاريُّ (3).

وعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِمْ وَلَا يُزَكيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا! مَن هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفَّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)؛ رواهُ مسلمٌ) (4).

وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضي الله عنهما؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ، إِذْ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ بَتَجَلَّلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)؛ رواهُ البخاريُّ (5).

النوعُ الثالثُ: أفعالُ الجِبِلَّةِ: وهي ما يُجبَلُ عليها الانسانُ ويُطبَعُ؛ مِن لَوْنِه وخِلْقَتِه، وطُولِه وضخامتِه، ويَلحَقُ بذلك ما لا يَتكلَّفُهُ الإنسانُ

(1) البيت لدُرَيْد بن الصِّمَّة؛ كما في "الأصمعيَّات"(ص 108)، و"الشعر والشعراء"(ص 751).

(2)

البيت لأبي جُنْدَبٍ الهُذَلِيِّ؛ كما في "لسان العرب"(9/ 331)، و"تاج العروس"(24/ 58).

(3)

البخاري (5787).

(4)

مسلم (106).

(5)

البخاري (5790).

ص: 1972

مِن صفةِ مشْيَتِه؛ فإنَّ الإنسانَ يُطبَعُ على ذلك ويُجبَلُ ولا يَتكلَّفُهُ ولا يكتسِبُهُ؛ فهذا لا يُمدَحُ الإنسانُ بفعلِهِ وتكلُّفِهِ لو قدَرَ عليه.

ومِن ذلك: مِشْية النبيِّ صلى الله عليه وسلم ففي مسلم؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ قال: "كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَفَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى، تَكَفَّأَ"(1).

وفي الحديثِ الآخَرِ: "أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا مَشى، تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ"؛ رواهُ أحمدُ والتِّرمذيُّ، مِن حديثِ عليٍّ (2).

ومَن نظَرَ في فقهِ الصحابةِ رضي الله عنهم، وجَدَ أنَّهم يُكثِرونَ مِن ذِكْرِ أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم التعبُّديَّةِ، ويذكُرونَها في سياقِ الاقتداءِ، وأمَّا بقيةُ أفعالِهِ كأفعالِ العادةِ والأفعالِ الجِبليَّةِ، فلا يذكُرونَها إلَّا اعتراضًا وفي سياقِ الوصفِ.

* * *

* قال تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26)} [الأحزاب: 26].

لمَّا اجتمَعَتِ الأحزابُ ضدَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لقتالِه، قام اليهودُ مِن بني قُرَيْظَةَ بمظاهَرةِ أولئك وإعانتِهم على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فنقَضُوا عَهْدَهم الذي كان مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكَرَ اللَّهُ إنزالَ بني قُرَيظَة {مِنْ صَيَاصِيهِمْ} ، وهي حصونُهُمْ، لإعانةِ المشركينَ؛ مِنَّةً منه؛ ليَكشِفَ شدةَ ما تُكِنُّهُ صدورُهم مِن حقدٍ وبغضاءَ وتربُّصٍ وتحيُّنٍ للفُرَصِ لقتلِ المؤمنين؛ وفي هذا أنَّ اللَّه يُنزِلُ الشدائدَ في الأمَّةِ، وفي رَحِمِها مِنَنٌ وخيرٌ لهم.

(1) أخرجه مسلم (2330).

(2)

أخرجه أحمد (1/ 96)، والترمذي (3637).

ص: 1973

وقولُه: {ظَاهَرُوهُمْ} ؛ يعني: صارُوا لهم ظهيِرًا؛ كالظَّهْرِ مِن خَلْفِ الإنسانِ يقومُ به ويُسنِدُه.

وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ مِن ظاهَرَ العدوَّ على المُسلِمينَ، أخَذَ حُكْمَهم؛ كما قال تعالى:{فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} ، فقتَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجالَ بني قُرَيْظَةَ لأجلِ ذلك، وسَبَى نساءَهم وذَرَارِيَّهم.

وبنو قُرَيْظةَ لم يُقاتِلوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ وإنَّما كانوا ظهرًا لقريشٍ، فأخَذُوا حُكْمَهم؛ فإنَّ مَن قاتَلَ مواجَهةً، أو كان ظهيرًا لِمَنْ قاتَلَ المُسلِمينَ، فإنَّه يأخُذُ حُكْمَهم في جوازِ قتالِه، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ المظاهِرينَ والحُلَفاءِ للأعداءِ مِن نَقَضَةِ العهودِ مِن المعاهَدينَ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى:{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)} [البقرة: 100]، وقولِ اللَّهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208]، وقولِهِ تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ (4)} [التوبة: 4].

* * *

* قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)} [الأحزاب: 28 - 29].

أمَر اللَّهُ نبيَّه أَنْ يُخيِّرَ أزواجَهُ بين اختيارِه وبين اختيارِ الحياةِ الدُّنيا والنعيمِ فيها والتلذُّذِ بلَذَّاتِها؛ وذلك لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَبعَثْهُ اللَّهُ ليتنعَّمَ في

ص: 1974

الدُّنيا ويَرْكَنَ اليها، وأراد اللَّهُ تشريفَ مَقَامِهِ وتنزيهَهُ عن لُوثَاتِ الدُّنيا وطمعِها عن لَذَّةِ الآخِرةِ ونعيمِها المقيمِ.

وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ؛ أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أخبَرَتْهُ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنَّ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:(إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبوَيْكِ)، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثَمَّ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ)، فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيَّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ ! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ (1).

* * *

* قال تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)} [الأحزاب: 32 - 33].

خَصَّ اللَّه نساءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالخِطابِ، وقال:{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} ؛ وذلك لمَقَامِ النبوَّةِ، فهنَّ قدوةٌ لنساءِ العالَمِينَ جميعًا، بخلافِ غيرِهِنَّ، ولأنَّ أثرَ خَطَئِهِنَّ يتعدَّى إلى الزوجِ؛ وهو رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ تُهمَةَ المرأةِ في عِرْضِها تتعدَّى إلى زوجِها في إقرارِه لها على ذلك، والأمرُ يتَّصلُ بعِرْضِه ونَسَبِه، بخلاف الكفرِ؛ لهذا قدَّر اللَّهُ في نساءِ بعضِ

(1) أخرجه البخاري (4785)، ومسلم (1475).

ص: 1975

الأنبياءِ الكفرَ كنُوحٍ ولُوطٍ، ولكنَّه سبحانَهُ لم يقدِّرِ العَهْرَ على امرأةِ نبيٍّ؛ لأنَّ الشرفَ والعَهْرَ يتعدَّى إلى النَّسَبِ.

وفي هذا: عِظَمُ منزلةِ القدوةِ على غيرِهِ في وجوبِ احتياطِهِ واحتياطِ أهلِ بيتِه؛ وذلك كلَّما كان قدوةً في قومِهِ وبلدِه، كان أَولى بالاحتياطِ مِن غيرِه.

وقولُه تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} ؛ يعني: لا تُرَفِّقْنَهُ ولو كان ذلك عن حُسْنِ قصدٍ؛ فإنَّ النهيَ ليس لأَجْلِهِنَّ فقطْ، بل لأجلِ السامعينَ، فيَمِيلُ مَن في قلبِهِ طمعٌ ومرضٌ إِليْهِنَّ؛ فيَتَسَبَّبْنَ في إهلاكِه.

وقولُه: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} ؛ يعني: مِن الخيرِ الذي لو سَمِعَهُ الناسُ، ما استنكَرُوهُ، فيكونُ كلامُهُنَّ مع الواحدِ ككلامِهِنَّ مع الجماعةِ في خيرِهِ وعفافِه.

ومِن علامةِ الكلامِ المباحِ الذي يجوزُ للمرأةِ أنَّ تتكلَّمَهُ مع الرجلِ الأجنبيِّ: أن تتكلَّمَ بكلامٍ لو سَمِعَهُ الناسُ منها معه، ما استنكَرُوهُ وهُ ولم تَسْتَحْي هي منه، فيَعرِفُهُ الناسُ ولا يستنكرونَه، وهكذا ينبغي أنَّ تكونَ العفيَفةُ في خِطَابِها إنِ احتاجتْ إلى رجلٍ لا يسمعُها أحدٌ: أن تُخاطِبَة بحديثٍ لو سَمِعَهُ زوجها وولدُها والناسُ، لم يستنكِروه، ولَعَدُّوهُ معروفًا.

وفي قولِ اللَّهِ: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} جعَلَ الطمعَ في الرجلِ، مع احتمالِ ورودهٍ مِن جنسِ المرأةِ عامَّةً؛ وذلك تعظيمًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وتطهيرًا لنسائِه مِن أنْ يُظَنَّ بهنَّ ظَنُّ السَّوْءِ، ولبيانِ خَصوصيَّةِ الرجالِ بالجَسَارةِ والميلِ أكثَرَ مِن النساءِ.

وقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} ، أمَرَهنَّ بالقَرَارِ في البيوتِ وعدمِ الخروجِ إلَّا لحاجةٍ، ونَهاهُنَّ عن تبرُّجِ

ص: 1976

الجاهليَّةِ مِن الاختلاطِ بالرجالِ، وإظهارِ المَفاتِنِ بالسُّفُورِ، ووصَفَ ذلك بأنَّه جاهليَّةٌ لا عن عِلْمٍ وصلاحٍ.

وقد ذكَرَ بعضُ المفسِّرينَ كمُقاتلِ بنِ حَيَّانَ (1): أنَّ تبرُّجَ الجاهليَّةِ الأُولى -قَبلَ وجودِ العربِ- الذي نَهى اللَّهُ عنه في قولِه: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} : أنَّهنَّ كُنَّ يُلقِينَ الخِمارَ على رُؤُوسِهنَّ ولا يَشْدُدْنَهُ، ومع ذلك نَهى اللَّهُ عنه، وشَدَّدَ عليه، وذكَرَهُ مثالًا لفعلٍ سَوْءٍ، وقد جاء عن بعضِ السلفِ كابنِ عبَّاسٍ (2) وغيرِه: أنَّ تبرُّجَ الجاهليَّةِ الأُولى كان بينَ نوحٍ وإدريسَ، ولو كان هناك تبُّرجٌ عامٌّ في التاريخِ بعدَهُ أسوأُ منه، لذكَرَه اللَّهُ مثالًا.

قال تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : أمَرَ اللَّهُ أمَّهاتِ المؤمنينَ بإقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، وطاعةِ اللَّهِ ورسولهِ؛ لبيانِ أنَّ العفافَ لا يكمُلُ إلَّا بعبادةٍ وطاعةٍ للَّهِ ورسولِه.

وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الحِجابَ والعفافَ فِطْرةٌ، وما لم يُقرَنْ بعبادةٍ مِن صلاةٍ وزكاةٍ وغيرِ ذلك، فإنَّه يكونُ عادةً يسهُلُ تحوُّلُها؛ ولهذا أمَرَ اللَّهُ أمَّهاتِ المؤمنينَ ونساءَهم بالعبادةِ مع العفافِ، وكثيرٌ مِن البُلْدانِ التي طَرَأت عليها عاداتٌ فاسدةٌ مِن تبرُّجٍ وسفورٍ تَرى أنَّه ينسلِخُ مِن الحِجَابِ فيها نِسَاءُ العاداتِ، ويثبُتُ نِسَاءُ العبادات، وهذا نظيرُ إعفاءِ اللِّحَى؛ فقَد كانَتِ الرِّجالُ تَراهُ فِطرَةً، وجاءَ الإسلامُ العَرَبَ وهو يُعْفُونَ لِحَاهُم عادةً لا عبادةً، ولم تَكُنِ اللِّحَى علامَةً على دِيَانَةٍ؛ لأنَّها أصلٌ للمؤمِنِ والكافِرِ والصالِحِ والفاسِقِ، حتى اختَلَطَ العَرَبُ بالعَجَمِ؛ فتأَثَّرُوا بِهِم، فزالَتْ لِحَى العُرُوبَةِ؛ لأنَّها (عادةٌ)، وبَقِيَتْ لِحَى الإسلامِ لأنَّها (عِبادةٌ)، فأصبَحَتْ عندَ المتأَخِّرِينَ علامَةً على الدِّيانةِ، بخلافِ السابِقِينَ؛

(1)"تفسير ابن كثير"(6/ 410).

(2)

"تفسير الطبري"(19/ 98)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(9/ 3130).

ص: 1977