المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌سورة الحجر

- ‌صلاةُ الكَرْبِ، وإذا حَزَبَ الأمرُ:

- ‌سورة النحل

- ‌الانتفاعُ مِن جُلُودِ المَيْتَةِ:

- ‌أنواعُ الانتفاعِ مِن الأنعامِ والدوابِّ:

- ‌لُحُومُ الخَيْلِ والحَمِرِ والبِغَالِ:

- ‌حُكْمُ الاستعاذةِ عندَ القِرَاءةِ:

- ‌صِيَغُ الاستعاذةِ:

- ‌سورة الإسراء

- ‌سورة الكهف

- ‌حُكْمُ اقتِناءِ الكَلْبِ للحِرَاسةِ وغيرِها:

- ‌مشروعيَّةُ الوَكَالةِ والنِّيَابةِ:

- ‌الصلاةُ على الجنازةِ في المَقْبَرةِ:

- ‌الاستثناءُ في اليمينِ:

- ‌سورة مريم

- ‌تسميةُ المولودِ ووقتُها:

- ‌أمرُ الأهلِ بالصلاةِ

- ‌سورة طه

- ‌العِلَّةُ مِن أمرِ موسى بخلعِ نعلَيْهِ:

- ‌الصلاةُ في النِّعَالِ، ودُخُولُ المساجدِ بها:

- ‌قضاءُ الفرائضِ الفائتةِ وترتيبُها:

- ‌هل للصَّلَاةِ الفائِتةِ أذانٌ وإقامةٌ

- ‌حُكْمُ قضاءِ النوافلِ:

- ‌استحبابُ اتِّخاذِ البِطَانةِ الصالحةِ والوزيرِ المُعِينِ:

- ‌سورة الأنبياء

- ‌الأحوالُ التي جاء الترخيصُ فيها بالكَذِبِ للمَصْلَحةِ:

- ‌سورة الحج

- ‌حُكْمُ بيعِ رِبَاعِ مَكَّةَ ودُورِها:

- ‌تفاضُلُ المَشْيِ والرُّكُوبِ في الحَجِّ:

- ‌الهَدْيُ والأُضْحِيَّةُ والأَكْلُ منها:

- ‌نقسيمُ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ:

- ‌مَرَاتِبُ التمكينِ وشروطُهُ:

- ‌سورة المؤمنون

- ‌معنى الخشوعِ:

- ‌حُكْمُ الخشوعِ في الصلاةِ:

- ‌حُكْمُ الاستمناءِ:

- ‌دعاءُ نزولِ المَنْزلِ:

- ‌سورة النور

- ‌حَدُّ الزاني والزَّانِيَةِ:

- ‌فأمَّا البِكْرُ:

- ‌وأمَّا المُحْصَنُ:

- ‌حُكْمُ الجَلْدِ مع الرجمِ للمُحْصَنِ:

- ‌حُكْمُ التغريبِ:

- ‌شهودُ الجَلْدِ والرَّجْمِ:

- ‌حُكْمُ نكاحِ الزانيةِ وإنكاحِ الزاني:

- ‌القذفُ الصَّرِيحُ والكنايةُ:

- ‌قذفُ الحُرَّةِ والأَمَةِ والكافِرةِ:

- ‌شهادةُ القاذفِ بعد توبتِهِ:

- ‌سببُ نزولِ لِعانِ الزَّوْجَيْنِ:

- ‌مَرَاحِلُ قَذْف الزَّوْجِ لزوجتِهِ:

- ‌نَفْيُ الوَلَدِ باللِّعَانِ:

- ‌قَذْفُ الزوجةِ لزوجِها:

- ‌إشاعةُ الفاحشةِ وسَبَبُ عَدَمِ جعلِ الشريعةِ لها حَدًّا:

- ‌حُكْمُ الاستئذانِ عندَ دخولِ البيوتِ وصِفَتُهُ وعددُهُ:

- ‌السلامُ عندَ دخولِ البيوتِ وصفَتُهُ وعددُهُ:

- ‌الحِكمةُ مِن تقديمِ أمرِ الرِّجالِ على أمرِ النِّساءِ بغضِّ البصرِ:

- ‌لا تلازُمَ بينَ غضِّ البصرِ وسُفُورِ النساءِ:

- ‌حُكْمُ نَظَرِ الرَّجُلِ الى المرأةِ:

- ‌أنواعُ زِينَةِ المَرْأةِ:

- ‌التدرُّجُ في فَرْضِ الحِجابِ:

- ‌حُكْمُ تزويجِ الأَيَامَى:

- ‌تركُ الأسواقِ والبَيْعِ وقتَ الصلاةِ:

- ‌أمْرُ الناسِ وأهلِ الأسواقِ بالصلاةِ:

- ‌حِجابُ القواعدِ مِن النِّساءِ:

- ‌فضلُ الاجتماعِ على الطعامِ:

- ‌سورة الفرقان

- ‌هَجَرُ القرآنِ وأنواعُه:

- ‌وهجرُ القرآنِ على مَراتِبَ وأنواعٍ ثلاثةٍ:

- ‌أَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ وأَعْلاه:

- ‌نِسْيانُ القرآنِ:

- ‌النوعُ الثاني من الهجرِ: هجرُ تدبُّرِ مَعانيهِ وأحكامِه:

- ‌النوعُ الثالثُ: هجرُ العملِ بما فيه مِن أوامرَ وأحكامِ:

- ‌سورة الشعراء

- ‌انتصارُ المظلومِ مِن ظالمِه وأحوالُه:

- ‌سورة النمل

- ‌حُكْمُ الضحكِ في الصلاةِ والتبسُّمِ:

- ‌حُكْمُ تأديبِ الحيوانِ وتعذيبِه:

- ‌وِلَايةُ المرأةِ:

- ‌البَداءةُ بالبَسْمَلَةِ والفَرْق بينَها وبينَ الحَمْدَلَةِ:

- ‌حُكْمُ قَبُولِ الهديَّةِ التي يُرادُ منها صَرْفٌ عن الحقِّ:

- ‌سورة القصص

- ‌حِفْظُ الأسرارِ وإفشاؤُها:

- ‌عَرْضُ البناتِ لتزويجِهِنَّ:

- ‌سورة العنكبوت

- ‌سورة الروم

- ‌فَرَحُ المؤمنينَ بهزيمةِ أحَدِ العَدُوَّيْنِ على الآخَرِ:

- ‌رِهانُ أبي بَكْرٍ بِمَكَّةَ، والرِّهَانُ في إظهارِ الحقِّ:

- ‌أحكامُ العِوَضِ (السَّبَقِ) واشتراطُ المحلِّلِ في الرِّهانِ:

- ‌القَيْلُولَةُ في نصفِ النهارِ:

- ‌وقد ذكَر اللَّهُ القيلولةَ في مواضعَ:

- ‌إهداءُ الهديَّةِ رجاءَ الثوابِ عليها:

- ‌سورة لقمان

- ‌الغِناءُ والمَعَازِفُ والفَرْقُ بينَهما:

- ‌سورة السجدة

- ‌حُكْمُ التسبيحِ في السُّجُودِ والرُّكُوعِ:

- ‌سورة الأحزاب

- ‌أُمَّهَاتُ المؤمنينَ ومَقامُهُنَّ:

- ‌أنواعُ أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌عمومُ أصلِ الخِطَابِ بالحِجَابِ وخَصُوصيَّةُ نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌الصلاةُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم: معناها، وحُكْمُها:

- ‌سورة سبأ

- ‌الاستعانةُ بالجنِّ:

- ‌حُكْمُ التماثيلِ وصُوَرِ ذواتِ الأرواحِ:

- ‌سورة فاطر

- ‌سورة يس

- ‌سورة الصافات

- ‌سورة ص

- ‌سورة غافر

- ‌سورة فصلت

- ‌سورة الشورى

- ‌الشُّورَى وفضلُها وشيءٌ مِن أحكامِها:

- ‌سورة الزخرف

- ‌لُبْسُ الصبيِّ والرجُلِ للحُلِيِّ:

- ‌سورة الأحقاف

- ‌أكثَرُ الحملِ والرَّضَاعِ وأقَلُّهُ:

- ‌سورة محمد

- ‌حُكْمُ أَسْرَى المشرِكِينَ:

- ‌سورة الفتح

- ‌حُكْمُ تترُّسِ المشرِكِينَ بالمُسلِمِينَ:

- ‌سورة الحجرات

- ‌تعظيمُ أقوالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه:

- ‌الفَرْقُ بينَ البُغَاةِ والخَوَارجِ:

- ‌الكِبْرُ واحتقارُ سببٌ للفِتَنِ بينَهم:

- ‌التعويضُ عن الضررِ المعنويِّ:

- ‌الأحوالُ التي تجوزُ فيها الغِيبَةُ:

- ‌غِيبةُ الكافرِ:

- ‌سورة ق

- ‌سورة الذاريات

- ‌سورة الطور

- ‌سورة النجم

- ‌سورة القمر

- ‌سورة الرحمن

- ‌سورة الواقعة

- ‌الطهارةُ عندَ القراءةِ ومَسِّ المُصْحَفِ:

- ‌سورة الحديد

- ‌سورة المجادلة

- ‌ألفاظُ الظِّهارِ المُتَّفَقُ والمُختلَفُ فيها:

- ‌كفارةُ الظِّهارِ:

- ‌أنواعُ النَّجوَى المنهيِّ عنها:

- ‌ما يُستحَبُّ للداخِلِ إلى المَجالِسِ:

- ‌سورة الحشر

- ‌سورة الممتحنة

- ‌الإحسانُ إلى الكافرِ بالهديَّةِ وقَبولُ شفاعتِه:

- ‌إسلامُ الزوجَيْنِ أو أحدِهما:

- ‌سورة الجمعة

- ‌مَن تجبُ عليه الجُمُعةُ:

- ‌حُكْمُ الجُمُعةِ للمسافرِ:

- ‌العَدَدُ الذي تَنعقِدُ به الجُمُعةُ:

- ‌قيامُ الخطيبِ في الخُطْبةِ:

- ‌سورة الطلاق

- ‌طلاقُ السُّنَّة وطلاقُ البِدْعةِ:

- ‌السُّكْنَى للمطلَّقةِ:

- ‌السُّكْنى للمُطلَّقةِ المَبْتُوتةِ:

- ‌الإشهادُ على إرجاعِ المطلَّقةِ:

- ‌عِدَّةُ الحاملِ مِن الطلاقِ والوفاةِ:

- ‌سورة التحريم

- ‌تحريمُ الحلالِ لا يجعلُهُ حرامًا:

- ‌تحريمُ الحلالِ يمينٌ وكَفَّارتُه:

- ‌سورة القلم

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة المزمل

- ‌سورة المدثر

- ‌سورة القيامة

- ‌حُكْمُ الرُّقْيَةِ:

- ‌حُكْمُ التداوي مِن المرضِ:

- ‌سورة الإنسان

- ‌سورة عبس

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطففين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة الماعون

- ‌التلازُمُ بينَ الرِّياءِ وتأخيرِ وقتِ الصلاةِ:

- ‌تاركُ الصلاةِ وحُكْمُهُ:

- ‌حُكْمُ العاريَّةِ وحَبْسٍ ما يُعِينُ المحتاجَ:

- ‌سورة الكوثر

- ‌حُكْمُ الأُضْحِيةِ ووقتُها:

- ‌سورة النصر

- ‌سورتا المعوِّذَتَيْنِ

الفصل: ‌حكم تزويج الأيامى:

وكثيرٌ ممَّن ينقُلُ أقوالَهُمُ السابقةَ في إبداءِ الزينةِ الظاهرةِ يُهمِلُ أقوالَهُمُ المُحْكمةَ في سورةِ الأحزابِ، التي نزَلَتْ بعدَ ذلك.

وسواءٌ قيل: إنَّ الحِجابَ نزَل متدرِّجًا أم نزَلَ مرةً واحدةً وتنوَّعتْ نصوصُ القرآنِ في الخِطَابِ، فالغايةُ واحدةٌ، وهو ما ظهَرَ في جميعِ الآياتِ وتجلَّى صريحًا في سورةِ الأحزابِ.

ومَن لم يَعرِفْ أزمِنةَ نزولِ آياتِ الحجابِ، ولم يَجمَعْ أقوالَ الصحابةِ في آياتِ الحجابِ والسَّترِ بعضَها إلى بعضٍ، ولم يَنظُرْ في مذاهبِهم فيما تعلَّقَ بباب لِباسِ المرأةِ وسترِها وحجابِها - أشكَلَ عليه ذلك، وضرَبَ بعضَها ببعضٍ على ما تقدَّمَ بيانُه؛ فآياتُ الححابِ في سورةِ النورِ والأحزابِ لم تَنزِلْ دَفْعةً واحدةً، وأقوالُ الصحابةِ في التفسيرِ تتنوَّعُ حسَبَ الحالاتِ والمواضعِ، ولا تتعارَضُ، ومِن بابِ أَولى أقوالُ الصحابيِّ في المسألةِ الواحدةِ؛ كما تقدَّم؛ وقد بَسَطنا أحكامَ لباسِ المرأةِ وحِجابِها في كتابِ "الحجاب في الشَّرْعِ والفِطرة؛ بين الدليل، والقولِ الدَّخِيل".

* * *

* قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32].

أمَرَ اللَّهُ الأولياءَ بتزويجِ الأَيَامَى؛ يعني: مَنْ لا زوجَ له مِن النِّساءِ والرِّجالِ، الأحرارِ والعبيدِ.

‌حُكْمُ تزويجِ الأَيَامَى:

والأمرُ في الآيةِ ظاهرُهُ الوجوبُ؛ أنَّه يجبُ على الوليِّ تزويجُ بنتِهِ إنْ جاءها مَن يَرضى دِيَنهُ وخُلُقَه، وإنْ منَعَها مِن ذلك بلا موجِبٍ شرعيٍّ، فمنعُهُ عَضْلٌ محرَّمٌ، وفتنةٌ له ولها ولِمَنْ خطَبَها مِن الصالِحِينَ ولم

ص: 1859

يُزوِّجْه، وفي التِّرمِذيِّ وغيرهِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَونَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ؛ إلَّا تَفْعَلُوا، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)(1).

وذِكرُ الفتنةِ والفسادِ العريضِ في تركِ ذلك دالٌّ على وجوبِ الفعلِ، والفتنةُ المذكورةُ خاصَّةٌ وعامَّةٌ:

أمَّا الفتنةُ الخاصَّةُ: ففتنةُ الخاطبِ والمخطوبِ في دِينِهِ عندَ تأخُّرِ تزويجِه، بأن يتعرَّضَ للحرام نظرًا أو قولًا أو لَمْسًا أو مُقارَفةً، وفتنةٌ للوليِّ بإلحاقِ إثمِ العَضْلِ به، أَو الدعاءِ عليه.

وأمَّا الفتنةُ العامَّةُ: فإنَّ الناسَ إنْ عطَّلوا إحصانَ نسائِهم ورجالِهم، فُتِحَت أبوابُ الحرامِ والتعدِّي على حدودِ اللَّهِ، وشاعَتِ الفاحشةُ، وتَبِعَتْها عقوبةُ اللَّهِ عليها بأنواعِها، فتَنشأُ المخالَفةُ لأوامرِ اللَّهِ خاصَّةً ثمَّ تكون عامَّةً، وأولُ أسبابِ فتحِ الحرامِ يكون بإغلاقِ أبوابِ الحلالِ، فاللَّهُ لم يخلُقْ في الناسِ مَيلًا إلى شيءٍ إلَّا وجعَلَ في الحلالِ منه كفايةً وسَعَةً بما يُغنِيهِم عن فتحِ أبوابِ الحرام، وفتَحَ أبوابَ الوَطْءِ وحَدَّها وجعَلَ الحرامَ منه فتنةً؛ اختبارًا وابتلاءً لعبادِه، وكلَّما أُغلِقَ بابٌ مِن الحلالِ، قابَلَهُ بابٌ مِن الحرامِ يُفتَحُ، فإذا وجَدتَّ الناسَ قد كثُروا على الحرامِ، فابحَثْ عن أبوابٍ مِن الحلالِ مغلَقةٍ.

وقد تُغلَقُ أبوابُ الحلالِ في النكاحِ بعَضْلِ الفتياتِ، أو غلاءِ المَهرِ، أو منعِ التعدُّدِ، وثَمَّةَ دوافعُ للحرامِ كالتعرِّي والسُّفُورِ وإطلاقِ البصرِ وغيرِ ذلك، فتلك دوافعُ للحرامِ، كما للحلالِ دوافعُه؛ كالعفافِ والحِجَابِ وحِفْظِ البصرِ، وكلُّ دافعٍ حرامٍ يُقابِلُهُ مِثلُهُ في الحلالِ.

وقد جاء الأمرُ في السُّنَّةِ للشَّبَابِ، كما جاء الأمرُ في القرآنِ للأولياءِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛

(1) أخرجه الترمذي (1084)، وابن ماجه (1967).

ص: 1860

أنَّه قال: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)(1).

ومَنْ لم يَقدِرْ على حِفْظِ نفسِهِ مِنْ الحرامِ ولا يَدفَعُهُ عنه إلَّا النكاحُ، فإنَّ النكاحَ واجبٌ عليه بلا خلافٍ.

والخِطابُ في الآيةِ توجَّهَ إلى الأولياءِ؛ لأنَّهم يَلُونَ أمرَ البناتِ، والنفعُ مُتبادَلٌ بينَ الزوجَيْنِ، وكأن الوليَّ وهو يُزوِّجُ ابنتَه لمسلمٍ فهو يُعِينُ الاثنَيْنِ في التزويجِ والإحصانِ.

وفي قولِه تعالى: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} أنَّ نكاحَ العبدِ والأَمَةِ لا يصحُّ إلَّا بإذنِ سيِّدِه، وقد روى ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:(إِذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيرِ إذنِ مَوْلاهُ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ)(2)، وعن جابرٍ بنحوِه (3)؛ رواهُما أبو داودَ، وقد حكى الإجماعَ على هذا غيرُ واحدٍ، كابنِ المُنذِرِ (4) وغيرِه.

وقد تقدَّم الكلامُ على شرطِ الوليِّ للحُرَّةِ في النكاحِ عندَ قولِهِ تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221].

وفي قولِه تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} : أنَّ مِن أسبابِ الغِنى والكفايةِ الزواجَ، فلا يَمنَعُ الفقيرَ فقرُهُ أن يتزوَّجَ؛ فاللَّهُ لم يأمُرْ بشيءٍ إلَّا وقد تكفَّلَ برِزقِ أهلِهِ فيه، ولكنَّ الناسَ يُبتلَوْنَ بضَعْفِ اليقينِ، فيُوكَلُونَ إلى ظنِّهم بربِّهم، واللَّهُ عندَ ظنِّ عبدِهِ به.

* * *

(1) أخرجه البخاري (5065)، ومسلم (1400).

(2)

أخرجه أبو داود (2079).

(3)

أخرجه أحمد (3/ 301)، وأبو داود (2078)، والترمذي (1111).

(4)

"الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (5/ 141).

ص: 1861

* قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)} [النور: 33].

أمَر اللَّهُ مَن لم يَجِدْ قدرةً على النكاحِ؛ كمَنْ لا يَجِدُ مهرًا يُنفقُهُ، ولا دارًا تُؤوِيهِ: أن يَسْتَعِفَّ بسَعْيِهِ في طلبِ الرِّزقِ بالكسبِ حتى يُغنيَهُ اللَّهُ مِن فضلِه، وفي هذا أمرٌ بالأخذِ بالأسبابِ حتى لا يتواكَلَ الناسُ.

وقد أمَرَ اللَّهُ مَن لم يجدْ مالًا يتزوَّجُ به أن يتكسَّبَ، ولم يأمُرْهُ بالترهُّبِ والتخلِّي للعبادةِ والانقطاعِ لها؛ لأنَّ النكاحَ سُنَّةُ الإنسانِ وفطْرةُ الحيوانِ.

وقولُه تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} : فيه مشروعيَّةُ مُكاتَبةِ المَوَالي إنْ أرادُوها وفيهم قدرةٌ على الوفاءِ، فمَنْ رَغِبَ مِن العبيدِ في المُكاتَبةِ لإعتاقِ نفسِه، فيُكاتَبُ إنْ ظهَرَتْ قُدرَتُهُ على الوفاءِ وحُسْنُ قصدِه.

والجمهورُ على أنَّ المكاتَبةَ للاستحبابِ لا للوجوبِ، وهو الأظهَرُ، ومنهم مَن جعَلَ المكاتبةَ واجبةً، وهذا رُوِيَ عن عطاءٍ وأبي حنيفةَ؛ وبه يقولُ أهلُ الظاهرِ.

والذي عليه الجمهورُ: أنَّ الخيرَ في الآيةِ هو المالُ، وصحَّ هذا عن عطاءٍ (1) ومجاهدٍ.

قال مجاهدٌ: "إنْ علِمتُم لهم مالًا، كائنةً أخلاقُهُمْ وأديانُهُمْ ما كانتْ"(2).

(1)"تفسير الطبري"(17/ 282).

(2)

"تفسير الطبري"(17/ 281).

ص: 1862

وفي هذا أنَّ مَن لا حِرْفةَ له ولا كسْبَ يُحسِنُهُ: أنَّ الأفضلَ عدمُ مكاتبتِه؛ حتى لا يَعِدَ ولا يَفِيَ، وربَّما أصابَ المالَ بحرام؛ ليتخلَّصَ مِن مُطالبتِه؛ ولو كاتَبَ مَن لا كَسْبَ له، جازَ، كما كاتَبَ أَهلُ بَرِيرَةَ بَرِيرَةَ ولا كَسْبَ لها، وقد جاءتْ إلى عائشةَ تطلُبُ العونَ (1).

والمرادُ بقولِه تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} إعانتُهُم بالتخفيفِ عنهم بإسقاطِ بعضِ المكاتَبَةِ، وقد كاتَبَ عمرُ وابنُهُ وابنُ عبَّاسٍ عَبِيدًا، ووضَعُوا عنهم شيئًا مِن مُكاتَبَتِهم.

* * *

* قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور: 36].

في هذه الآيةِ: فضلُ بناءِ المساجدِ وتشييدِها، ورفعِها وإبرازِها؛ لِيَراها الناسُ؛ فيَقصِدُوها للعبادةِ مِن صلاةٍ واعتكافٍ وذِكرٍ.

وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُه: "هي المساجدُ يكرِمونَهُنَّ، ونَهى عن اللَّغْوِ فيها"(2).

وصحَّ هذا عن مجاهدٍ وقتادةَ وغيرِهما (3).

ومِن السلفِ: مَن حمَلَ البيوتَ على مساكنِ الناسِ عامَّةً؛ كعِكْرِمةَ (4)، وجعلَ في ذلك مشروعيَّةَ ذِكْرِ اللَّهِ فيها وعمارتها بطاعتِه.

ومنهم: مَن خصَّها ببيوتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (5).

(1) أخرجه البخاري (2561)، ومسلم (1504).

(2)

"تفسير الطبري"(17/ 316)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(8/ 2604).

(3)

"تفسير ابن أبي حاتم"(8/ 2605).

(4)

"تفسير الطبري"(17/ 317)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(8/ 3605).

(5)

"تفسير ابن أبي حاتم"(8/ 2604).

ص: 1863