المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وقد ذكر الله القيلولة في مواضع: - التفسير والبيان لأحكام القرآن - جـ ٤

[عبد العزيز الطريفي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الحجر

- ‌صلاةُ الكَرْبِ، وإذا حَزَبَ الأمرُ:

- ‌سورة النحل

- ‌الانتفاعُ مِن جُلُودِ المَيْتَةِ:

- ‌أنواعُ الانتفاعِ مِن الأنعامِ والدوابِّ:

- ‌لُحُومُ الخَيْلِ والحَمِرِ والبِغَالِ:

- ‌حُكْمُ الاستعاذةِ عندَ القِرَاءةِ:

- ‌صِيَغُ الاستعاذةِ:

- ‌سورة الإسراء

- ‌سورة الكهف

- ‌حُكْمُ اقتِناءِ الكَلْبِ للحِرَاسةِ وغيرِها:

- ‌مشروعيَّةُ الوَكَالةِ والنِّيَابةِ:

- ‌الصلاةُ على الجنازةِ في المَقْبَرةِ:

- ‌الاستثناءُ في اليمينِ:

- ‌سورة مريم

- ‌تسميةُ المولودِ ووقتُها:

- ‌أمرُ الأهلِ بالصلاةِ

- ‌سورة طه

- ‌العِلَّةُ مِن أمرِ موسى بخلعِ نعلَيْهِ:

- ‌الصلاةُ في النِّعَالِ، ودُخُولُ المساجدِ بها:

- ‌قضاءُ الفرائضِ الفائتةِ وترتيبُها:

- ‌هل للصَّلَاةِ الفائِتةِ أذانٌ وإقامةٌ

- ‌حُكْمُ قضاءِ النوافلِ:

- ‌استحبابُ اتِّخاذِ البِطَانةِ الصالحةِ والوزيرِ المُعِينِ:

- ‌سورة الأنبياء

- ‌الأحوالُ التي جاء الترخيصُ فيها بالكَذِبِ للمَصْلَحةِ:

- ‌سورة الحج

- ‌حُكْمُ بيعِ رِبَاعِ مَكَّةَ ودُورِها:

- ‌تفاضُلُ المَشْيِ والرُّكُوبِ في الحَجِّ:

- ‌الهَدْيُ والأُضْحِيَّةُ والأَكْلُ منها:

- ‌نقسيمُ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ:

- ‌مَرَاتِبُ التمكينِ وشروطُهُ:

- ‌سورة المؤمنون

- ‌معنى الخشوعِ:

- ‌حُكْمُ الخشوعِ في الصلاةِ:

- ‌حُكْمُ الاستمناءِ:

- ‌دعاءُ نزولِ المَنْزلِ:

- ‌سورة النور

- ‌حَدُّ الزاني والزَّانِيَةِ:

- ‌فأمَّا البِكْرُ:

- ‌وأمَّا المُحْصَنُ:

- ‌حُكْمُ الجَلْدِ مع الرجمِ للمُحْصَنِ:

- ‌حُكْمُ التغريبِ:

- ‌شهودُ الجَلْدِ والرَّجْمِ:

- ‌حُكْمُ نكاحِ الزانيةِ وإنكاحِ الزاني:

- ‌القذفُ الصَّرِيحُ والكنايةُ:

- ‌قذفُ الحُرَّةِ والأَمَةِ والكافِرةِ:

- ‌شهادةُ القاذفِ بعد توبتِهِ:

- ‌سببُ نزولِ لِعانِ الزَّوْجَيْنِ:

- ‌مَرَاحِلُ قَذْف الزَّوْجِ لزوجتِهِ:

- ‌نَفْيُ الوَلَدِ باللِّعَانِ:

- ‌قَذْفُ الزوجةِ لزوجِها:

- ‌إشاعةُ الفاحشةِ وسَبَبُ عَدَمِ جعلِ الشريعةِ لها حَدًّا:

- ‌حُكْمُ الاستئذانِ عندَ دخولِ البيوتِ وصِفَتُهُ وعددُهُ:

- ‌السلامُ عندَ دخولِ البيوتِ وصفَتُهُ وعددُهُ:

- ‌الحِكمةُ مِن تقديمِ أمرِ الرِّجالِ على أمرِ النِّساءِ بغضِّ البصرِ:

- ‌لا تلازُمَ بينَ غضِّ البصرِ وسُفُورِ النساءِ:

- ‌حُكْمُ نَظَرِ الرَّجُلِ الى المرأةِ:

- ‌أنواعُ زِينَةِ المَرْأةِ:

- ‌التدرُّجُ في فَرْضِ الحِجابِ:

- ‌حُكْمُ تزويجِ الأَيَامَى:

- ‌تركُ الأسواقِ والبَيْعِ وقتَ الصلاةِ:

- ‌أمْرُ الناسِ وأهلِ الأسواقِ بالصلاةِ:

- ‌حِجابُ القواعدِ مِن النِّساءِ:

- ‌فضلُ الاجتماعِ على الطعامِ:

- ‌سورة الفرقان

- ‌هَجَرُ القرآنِ وأنواعُه:

- ‌وهجرُ القرآنِ على مَراتِبَ وأنواعٍ ثلاثةٍ:

- ‌أَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ وأَعْلاه:

- ‌نِسْيانُ القرآنِ:

- ‌النوعُ الثاني من الهجرِ: هجرُ تدبُّرِ مَعانيهِ وأحكامِه:

- ‌النوعُ الثالثُ: هجرُ العملِ بما فيه مِن أوامرَ وأحكامِ:

- ‌سورة الشعراء

- ‌انتصارُ المظلومِ مِن ظالمِه وأحوالُه:

- ‌سورة النمل

- ‌حُكْمُ الضحكِ في الصلاةِ والتبسُّمِ:

- ‌حُكْمُ تأديبِ الحيوانِ وتعذيبِه:

- ‌وِلَايةُ المرأةِ:

- ‌البَداءةُ بالبَسْمَلَةِ والفَرْق بينَها وبينَ الحَمْدَلَةِ:

- ‌حُكْمُ قَبُولِ الهديَّةِ التي يُرادُ منها صَرْفٌ عن الحقِّ:

- ‌سورة القصص

- ‌حِفْظُ الأسرارِ وإفشاؤُها:

- ‌عَرْضُ البناتِ لتزويجِهِنَّ:

- ‌سورة العنكبوت

- ‌سورة الروم

- ‌فَرَحُ المؤمنينَ بهزيمةِ أحَدِ العَدُوَّيْنِ على الآخَرِ:

- ‌رِهانُ أبي بَكْرٍ بِمَكَّةَ، والرِّهَانُ في إظهارِ الحقِّ:

- ‌أحكامُ العِوَضِ (السَّبَقِ) واشتراطُ المحلِّلِ في الرِّهانِ:

- ‌القَيْلُولَةُ في نصفِ النهارِ:

- ‌وقد ذكَر اللَّهُ القيلولةَ في مواضعَ:

- ‌إهداءُ الهديَّةِ رجاءَ الثوابِ عليها:

- ‌سورة لقمان

- ‌الغِناءُ والمَعَازِفُ والفَرْقُ بينَهما:

- ‌سورة السجدة

- ‌حُكْمُ التسبيحِ في السُّجُودِ والرُّكُوعِ:

- ‌سورة الأحزاب

- ‌أُمَّهَاتُ المؤمنينَ ومَقامُهُنَّ:

- ‌أنواعُ أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌عمومُ أصلِ الخِطَابِ بالحِجَابِ وخَصُوصيَّةُ نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌الصلاةُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم: معناها، وحُكْمُها:

- ‌سورة سبأ

- ‌الاستعانةُ بالجنِّ:

- ‌حُكْمُ التماثيلِ وصُوَرِ ذواتِ الأرواحِ:

- ‌سورة فاطر

- ‌سورة يس

- ‌سورة الصافات

- ‌سورة ص

- ‌سورة غافر

- ‌سورة فصلت

- ‌سورة الشورى

- ‌الشُّورَى وفضلُها وشيءٌ مِن أحكامِها:

- ‌سورة الزخرف

- ‌لُبْسُ الصبيِّ والرجُلِ للحُلِيِّ:

- ‌سورة الأحقاف

- ‌أكثَرُ الحملِ والرَّضَاعِ وأقَلُّهُ:

- ‌سورة محمد

- ‌حُكْمُ أَسْرَى المشرِكِينَ:

- ‌سورة الفتح

- ‌حُكْمُ تترُّسِ المشرِكِينَ بالمُسلِمِينَ:

- ‌سورة الحجرات

- ‌تعظيمُ أقوالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه:

- ‌الفَرْقُ بينَ البُغَاةِ والخَوَارجِ:

- ‌الكِبْرُ واحتقارُ سببٌ للفِتَنِ بينَهم:

- ‌التعويضُ عن الضررِ المعنويِّ:

- ‌الأحوالُ التي تجوزُ فيها الغِيبَةُ:

- ‌غِيبةُ الكافرِ:

- ‌سورة ق

- ‌سورة الذاريات

- ‌سورة الطور

- ‌سورة النجم

- ‌سورة القمر

- ‌سورة الرحمن

- ‌سورة الواقعة

- ‌الطهارةُ عندَ القراءةِ ومَسِّ المُصْحَفِ:

- ‌سورة الحديد

- ‌سورة المجادلة

- ‌ألفاظُ الظِّهارِ المُتَّفَقُ والمُختلَفُ فيها:

- ‌كفارةُ الظِّهارِ:

- ‌أنواعُ النَّجوَى المنهيِّ عنها:

- ‌ما يُستحَبُّ للداخِلِ إلى المَجالِسِ:

- ‌سورة الحشر

- ‌سورة الممتحنة

- ‌الإحسانُ إلى الكافرِ بالهديَّةِ وقَبولُ شفاعتِه:

- ‌إسلامُ الزوجَيْنِ أو أحدِهما:

- ‌سورة الجمعة

- ‌مَن تجبُ عليه الجُمُعةُ:

- ‌حُكْمُ الجُمُعةِ للمسافرِ:

- ‌العَدَدُ الذي تَنعقِدُ به الجُمُعةُ:

- ‌قيامُ الخطيبِ في الخُطْبةِ:

- ‌سورة الطلاق

- ‌طلاقُ السُّنَّة وطلاقُ البِدْعةِ:

- ‌السُّكْنَى للمطلَّقةِ:

- ‌السُّكْنى للمُطلَّقةِ المَبْتُوتةِ:

- ‌الإشهادُ على إرجاعِ المطلَّقةِ:

- ‌عِدَّةُ الحاملِ مِن الطلاقِ والوفاةِ:

- ‌سورة التحريم

- ‌تحريمُ الحلالِ لا يجعلُهُ حرامًا:

- ‌تحريمُ الحلالِ يمينٌ وكَفَّارتُه:

- ‌سورة القلم

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة المزمل

- ‌سورة المدثر

- ‌سورة القيامة

- ‌حُكْمُ الرُّقْيَةِ:

- ‌حُكْمُ التداوي مِن المرضِ:

- ‌سورة الإنسان

- ‌سورة عبس

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطففين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة الماعون

- ‌التلازُمُ بينَ الرِّياءِ وتأخيرِ وقتِ الصلاةِ:

- ‌تاركُ الصلاةِ وحُكْمُهُ:

- ‌حُكْمُ العاريَّةِ وحَبْسٍ ما يُعِينُ المحتاجَ:

- ‌سورة الكوثر

- ‌حُكْمُ الأُضْحِيةِ ووقتُها:

- ‌سورة النصر

- ‌سورتا المعوِّذَتَيْنِ

الفصل: ‌وقد ذكر الله القيلولة في مواضع:

النِّكاحِ، وهو سكنُ النفوسِ، دَلَّ على أنَّ ما لا تتحقَّقُ تلك الغايةُ إلَّا به فهو مقصودٌ ومشروعٌ؛ ومِن هذا تُؤخَذُ قرينةٌ على وجوبِ السُّكْنَى للزَّوْجةِ، وهذه الآيةُ نظيرُ ما تقدَّم في قولِهِ تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]، وسيأتي الكلامُ على مسألةِ السُّكْنى بتمامِها في سورةِ الطلاقِ، عندَ قولِ اللَّهِ تعالى:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [6]؛ فإنَّها أصرَحُ في المسألةِ.

* * *

* قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [الروم: 23].

وفي هده الآيةِ: مِنَّةُ اللَّهِ على عِبادِه بتقليب الأوقاتِ وتغيُّرِها؛ لِتُناسِبَ تقسيمَ أعمالِ الإنسانِ بينَ عملٍ وراحةٍ، فجعَلَ الليلَ للمَبِيتِ والمَنامِ، وجعَلَ النهارَ للكَسْبِ والمعاشِ وطلبِ الفضلِ، وكان ذلك مِن اللَّهِ آيةً لعبادِه.

‌القَيْلُولَةُ في نصفِ النهارِ:

وحمَلَ بعضُهم قولَه تعالى: {مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} على القَيْلُولَةِ، وهي نَوْمَةُ نصفِ النهارِ واستراحتُه، وأنَّها مِن الفِطْرةِ التي يحتاجُ إليها الإنسانُ في يومِه، ولا يَلْزَمُ في القيلولةِ أن يكونَ معها نَوْمٌ؛ ولكنَّها تكونُ للرَّاحةِ.

‌وقد ذكَر اللَّهُ القيلولةَ في مواضعَ:

منها: في أصحاب الجنةِ؛ ولكنَّها ليستْ عن نَصَبٍ ووَصَبٍ وتَعَبٍ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24]، والمَقِيلُ والقَيْلُولَةُ: استراحةُ الإنسانِ نصفَ النهارِ وإنْ لم يكنْ معها نومٌ.

ص: 1946

ومِن ذلك: قولُهُ تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4].

وفي القيلولةِ نفعٌ لنشاطِ البدنِ لِما بَقِيَ مِن عملِ النهارِ، ومعونةٌ على قيامِ الليلِ، وقد ذكَرَها اللَّهُ تعالى في قولِه:{وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} [النور: 58].

والقيلولةُ فِطْرةٌ ومستحَبَّةٌ عندَ أكثرِ العلماءِ، ويُروى في الأمرِ بالقيلولةِ أحاديثُ؛ منها قولُه:(قِيلُوا؛ فَإنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ)؛ كما رواهُ الطبرانيُّ في "الأوسطِ"، وأبو نُعيمٍ في "الطبِّ"(1)، ومنها قولُه:(اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهارِ، وَبِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ)؛ كما رواهُ ابنُ ماجَهْ (2)؛ وفيها كلامٌ.

وقد ثبتَتِ القيلولةُ مِن فعلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في أحاديثَ كثيرةٍ مِن حديثِ أُمِّ حَرَامٍ (3)، وابنِ عمرَ (4)، وأنسٍ (5)؛ وكلُّها في الصحيحِ.

وجاءتْ مِن فعلِ الصحابةِ عامَّةً في البخاريِّ مِن حديثِ أنسٍ (6)، وفي "الصحيحَيْنِ" عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ مِن حديثِ سهلٍ (7)، وفيها مِن فعلِ ابنِ عمرَ (8).

وجاء عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: "كنَّا ونحن شبابٌ نَبِيتُ في عهدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في المسجدِ ونَقِيلُ"(9).

* * *

(1) أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(28)، وأبو نعيم في "الطب النبوي"(151).

(2)

أخرجه ابن ماجه (1693).

(3)

أخرجه البخاري (2788)، ومسلم (1912).

(4)

أخرجه البخاري (3916).

(5)

أخرجه البخاري (6281)، ومسلم (2331).

(6)

أخرجه البخاري (905) و (940).

(7)

أخرجه البخاري (441)، ومسلم (2409).

(8)

أخرجه البخاري (1121)، ومسلم (2479).

(9)

أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(4914)، وأحمد (2/ 12).

ص: 1947

* قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 30 - 32].

أمَر اللَّهُ نبيَّه بتوجيهِ وَجْهِهِ إلى اللَّهِ وتسليمِهِ له، وبيَّن أنَّ التوحيدَ هو الفِطْرةُ التىِ خُلِقَ الناسُ مَفطورِينَ عليها، وفي "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنْصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ! )(1).

يعني: أنَّ الإنسانَ يُولَدُ مفطورًا على الإيمانِ بخالقٍ واحدٍ، ومفطورًا على عبادتِهِ والخضوعِ له، وجعَلَ اللَّهُ فِطْرةَ الإنسانِ مُوافِقةً لشرائعِه، فلا يوجدُ شيءٌ منها خلافَ الآخر، ولكنَّ الإنسانَ ينحرفُ بتسويلِ الشيطانِ والنَّفسِ؛ كما في "صحيحِ مسلم"، عن عِيَاضِ بن حِمَارٍ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يقولُ اللَّهُ: (إنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ)(2).

وقد جعَلَ اللَّهُ الفِطْرة هي الدِّينَ؛ كما في هذه الآيةِ: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} ؛ ولهذا لا يجوز تغييرُ الفِطْرةِ وتبديلُها على ما تستنكِرُهُ الشريعة والأوامر الربانية، وقد تقدَّم الكلامُ على الفِطرةِ وحُكْمِ تغييرِها عندَ قولِهِ تعالى:{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]،

(1) أخرجه البخاري (1358)، ومسلم (2658).

(2)

أخرجه مسلم (2865).

ص: 1948

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168]، ونبَّهنا على ذلك في صدرِ كتاب "العقليَّةِ الليبراليةِ".

وفي قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} : قرينة على كفرِ تاركِ الصلاةِ في مُشابهتِهِ لهم بتركِه لها، وتقدَّمَت الإشارةُ إلى ذلك في قولِه:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]، ويأتي الكلامُ على كفرِ تاركِها في سورة الماعونِ بإذنِ اللَّه.

وفي قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} : أنَّ الفِرَقَ والأحزاب في المُسلِمينَ ليس مِن أمرِ الفِطْرةِ التي فُطِرَ الناسُ عليها؛ فاللَّه جعَلَهم أُمَّةً واحدةً: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: 92]؛ فالفِطرةً تُحِبُّ الجماعةَ والوَحْدةَ، والواجبُ نفيُ وجوهِ التمايزِ والتفرقِ؛ للاجتماعِ على الحقِّ على الصِّراطِ الذي خَطَّهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأمَّتِهِ بقولِهِ وفعلِه.

وأمَّا تمايُزُ أهلِ الحقِّ عن أهلِ الضلالِ والبدعِ والكفرِ، فهذا حقٌّ، ويدُلُّ على ذلك حديثُ الافتراقِ، فقد مَدَحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الفِرقةَ المُتَّبِعَةَ ولو تمايَزتْ عن فرَقِ الضَّلَالِ، في قولِهِ صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْن وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ، إِلا وَاحِدَةً)(1)، ومِن وجوهِ الحِرْمانِ والضلالِ: أنْ تتعدَّدَ الفِرَقُ في الأمَّةِ والأحزابُ بدَعْوَى أنَّ كلَّ واحدةٍ تَرى أنَّها هي تلك الفِرْقةُ الناجية وليستْ هي إلَّا ما كان عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه.

(1) أخرجه أحمد (3/ 120)، وابن ماجه (3993).

ص: 1949

والمُسلِمونَ في بَلَدِ الكفرِ يجبُ عليهم أن يتمايزُوا عن المشرِكِين، ولو بأحزابٍ وجماعاتٍ ومنظَّماتٍ، ولكنَّه تمايُزٌ بينَ إسلامٍ وكفرٍ، لا تمايُزٌ بينَ مُسلِمينَ ومُسلِمينَ.

* * *

* قال تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 38 - 39].

فيه: فضلُ الإحسانِ، وأنَّه على ذوي القُرْبَى أفضلُ مِن غيرِهم، والصدقةُ على الأقاربِ أفضلُ مِن الصدقَة على الأَبْعَدِينَ؛ لأنَّها صَدَقةٌ وصِلَةٌ، والهديَّةُ للأَقْرَبِينَ أفضلُ مِن الصدقة على الأَبْعَدِين؛ لأثرِ هديَّةِ القريب عليه في جلبِ فضائلَ عظيمةٍ؛ كصِلَةِ الرحمِ، وشدِّ الأزرِ به عندَ الحاجةِ إليه في حقٍّ، وأثرُ الهديةِ في القريبِ أَدْوَمُ مِن أثرِ الصَّدَقةِ في البعيدِ؛ لِمَا في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ ميمونةَ بنتَ الحارث رضي الله عنها أعْتَقَتْ وَليدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قالَ: (أَوَ فَعَلْتِ؟ )، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ:(أمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ)(1).

وقد تقدم بيانُ فضلِ الصدقةِ والإحسانِ على الأَقْرَبِينَ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِه تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ

(1) أخرجه البخاري (2592)، ومسلم (999).

ص: 1950