الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل (في أحكام قبض المبيع)
وَمن اشْترى مَكِيلًا وَنَحْوه
(1)
لزم بِالعقدِ، وَلم يَصح تصرفُه فِيهِ قبل قَبضه
(2)
.
(1)
أي: نحو المكيل، وهي: الموزون والمعدود والمذروع، فهي أربعة أنواع يسميها الفقهاء: ما يتعلق بها حق توفية. ومثال المكيل: البر والعدس والأرز وجميع المائعات، ومثال الموزون: الذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد، والمعدود: كالرمان والبرتقال، والمذروع: كالقماش.
(2)
إذا اشترى شخص أحد الأربعة المتقدم ذِكرها، ترتب عليه عِدة أحكام منها:
1 -
ملك المشتري له - ولم يذكره المؤلف -، فنماؤه أمانة بيد بائع، كما في شرح المنتهى.
2 -
لزوم البيع بمجرد العقد.
3 -
عدم صحة تصرفه فيه قبل قبضه ببيع، أو هبة، أو رهن ونحوها - ويصح جعلها مهراً، والخلع عليها، والوصية بها -. وعدمُ صحة التصرف فيها قبل قبضها مقيدٌ باشتراء مكيل بالكيل، وموزون بالوزن، ومعدود بالعد، ومذروع بالذرع، فإن اشتُرِيَ المكيلُ ونحوُه بغير معياره الشرعي، أي: بغير الكيل ونحوه - وهو الذي يسميه الفقهاء: جزافاً -، جاز التصرفُ فيه قبل القبض. والدليل على اشتراط القبض فيما يتعلق به حق توفية حديث:«من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه» ، متفق عليه، وهو في البيع وقيس عليه ما ذكر بعده.
(تتمة) يلحق بهذه الأربعة - في عدم صحة التصرف قبل القبض -: 5 - المبيع بصفة، 6 - والمبيع برؤية متقدمة، فتشترك الستة في الحكم الثالث، وما عدا هذه الستة يصح التصرف فيه قبل قبضه.
وَيحصل قبضُ مَا بيعَ بكيلٍ وَنَحْوِه بذلك
(1)
مَعَ حُضُور مُشْتَرٍ أو نَائِبه
(2)
،
ووعاؤُه
(1)
أي: قبض المكيل يكون بكيله، والموزون بوزنه، والمعدود بعده، والمذروع بذرعه، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم:«إذا بعت فكِل، وإذا ابتعت فاكتل» ، رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الحافظ في الفتح والهيثمي في مجمع الزوائد. فلو كال البائعُ المكيلَ أمامَ المشتري وهو في دكانه كَفَى، ولا يشترط نقله من المحل، فعند الحنابلة يحصل قبض المكيل بالكيل فقط، لكن المفتى به الآن - وهو قول الشافعية - اشتراطُ النقل، وذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما:(ابتعت زيتاً في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحاً حسناً، فأردت أن أضرب على يد الرجل، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت فإذا هو زيد بن ثابت رضي الله عنهم، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)، رواه الإمام أحمد وأبو داود، واللفظ له، وصححه ابن حبان والحاكم، وفي الصحيحين:(من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يستوفيه)، وفي رواية لهما:(حتى يقبضه)، فالقبض أمر زائد على الاستيفاء كما ذكره ابن حجر رحمه الله، أما الحنابلة فلا يشترطون في قبض المكيل إلا الكيل.
(2)
هذا شرط لصحة القبض، والأَولى من قوله:(حضور مشتر) عبارةُ المنتهى والإقناع، وهي:(حضور مستحق)؛ ليشمل كل مستحق سواء كان المستحق - لمكيل ونحوه - بائعاً أو مشترياً أو غيرهما. وبعضُ المصارف تجعل المشتري يوكلها في قبض السلع التي اشتراها منها وفيه مشكلة التصرف في المبيع قبل قبضه، وهناك إشكال آخر وهو: كون نفس السلعة المعينة تُباع وتُشترى من طرف كثير من العملاء في وقت واحد، وبعضهم يبيعها مؤجلة، والآخر حالة، وهكذا؛ فيجب على المسلم أن يتحرى في التعامل بماله، وينتبه؛ لأنه قد يقع في الربا الصريح وهو لا يشعر.
(تتمة) أجرة كيال ووزان وعداد وذراع على باذلٍ من بائع وغيره.
كَيدِه
(1)
، وصبرةٍ ومنقولٍ بِنَقْل
(2)
،
وَمَا يُتَنَاوَلُ
(1)
أي: لو أتى المشتري بوعاء، وأمر البائعَ أن يضع فيه المبيع بأن قال له: كِلْهُ، حصل به القبض كحضوره، كما قال الشيخ منصور.
(2)
أي: ويحصل قبض الصبرة، والمنقول -كالسيارة الواحدة - بنقله من المكان الذي اشتري منه، والصبرة: الكومة أو المجموعة من الطعام، وليست مكيلة ولا موزونة، بل تعرف بالنظر.
(تتمة) لو اشترى شخص سيارة واحدة من معرض فيجوز له بيعها قبل قبضها ما لم يشترها بالصفة، فإن اشتراها بالصفة فلا يجوز التصرف فيها قبل قبضها، ويكون قبضها بنقلها، أما لو اشترى أكثر من سيارة، فتصبح من المعدودات، فلا يجوز بيعها قبل قبضها، ويكون قبضها إذن بعدِّها: هذه السيارة الأولى، وهذه الثانية وهكذا، ولو لم تنقل، وكيفية القبض من أهم المسائل المعاصرة، وتتعلق بها أحكام كثيرة، فبعضهم يقول: إنَّ قَبْض السيارات يكون باستلام المفتاح، وبعضهم يقول: بل بالبطاقة الجمركية، ولا يشترط إصدار الاستمارة للسيارة، وهذا فيه كلام طويل.
بتناوله
(1)
، وَغَيرُه بتخليةٍ
(2)
.
(1)
أي: ويحصل قبض ما يُتناول ويؤخذ باليد بتناوله.
(2)
أي: يحصل بالتخلية قبض غير ما تقدم كالعقارات والثمار على الأشجار، والتخلية: الترك والإعراض - كما في المطلع -، فيخلي البائعُ بين المبيع والمشتري.
(تتمة) ما حكم شراء الأرض في مخطط كبير؟ هل يصح الشراء على الخريطة؟ وكيف يتم قبضها؟ فيه تردد، وهو مبني على مسألة:(حكم بيع العقار بالصفة)، والعقار - كما في المطلع -:(قال الجوهري: العقار - بالفتح -: الأرض، والضياع، والنخل). والمذهب أنه لا يصح بيع شيء بالصفة إلا فيما يصح السلم فيه، والسلم في العقار لا يصح، قال في الإقناع وشرحه - في باب السلم -:(ولا يصح السَّلم في عين من عقار)، وأيضاً لأن العقار لا تتأتى فيه الصفة، أي: لا يمكن معرفته ولا ضبطه بالصفة، فلا بد من رؤية له، قال في الإقناع في الإجارة في شروط صحة تأجير العين:(الثاني: معرفة العين برؤية أو صفة يحصل بها معرفته: كمبيع، فإن لم تحصل بها أو كانت لا تتأتى فيها كالدار والعقار، فتشترط مشاهدته وتحديده. انتهى.)، والبيع كالإجارة، فلا يصح بيع العقار بالصفة، وبناء على ذلك فلا يصح البيع على الخريطة؛ لأنه بيع بالصفة. ولعل سبب عدم صحة بيع وإجارة العقار بالصفة: اختلافُ أحجام الأراضي في زمنهم؛ لأنها بالأذرع، وأما الآن فالحال تغيرت، فالأرض تضبط بأمتار محددة طولاً وعرضاً، ويحدد فيها الجهة التي تفتح عليها، والشارع وأمتاره، وأرقام الأراضي التي حولها بحيث تتبين وتتضح للمشتري بياناً لا لَبس فيه، ويعطى صكاً بذلك. وعليه فالذي يظهر صحة البيع على الخريطة مذهباً فليحرر، وأما البيوت، فلا يصح بيعها ولا إجارتها بالصفة؛ لكونها لا تتأتى فيها الصفة، فقد يكون فيها عيوب وتشققات وتصدعات لا تعلم إلا بالرؤية والمعاينة، والله أعلم. (بحث)
والإقالةُ فسخٌ تسن للنادم
(1)
.
(1)
بائعاً كان أو مشترياً. والإقالة لغة: الرفع والفسخ، واصطلاحاً: فسخ عقد بتراضي العاقدين. ومثالها: أن يشتري شخصٌ سلعةً ثم يندم، فيرجع إلى البائع فيقول له: أريد أن أرد لك السلعة وأفسخ العقد، فيقبل البائع ويأخذها ويرد له الثمن. والإقالة مستحبة لمن طُلبت منه؛ للحديث:«من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» ، رواه الإمام أحمد ابن ماجه، وأبوداود وليس فيه (يوم القيامة).
والإقالة على المذهب فسخ، ويترتب على ذلك فروع كثيرة جداً - كما ذكر المرداوي وابن رجب -، منها: جوازها بعد النداء الثاني يوم الجمعة، ومنها: أنه لا يحنث بها من حلف لا يبيع، وغير ذلك.
(تتمة) شروط صحة الإقالة:
1 -
أن تكون بمثل الثمن، فلا تصح بأقل أو أكثر منه؛ فإن باعه بمئة، ثم قال له: لا أقيلك إلا بثمانين لم تصح الإقالة، وإنما يكون ذلك بيعاً جديداً.
2 -
ألا يكون المثمن - أي: السلعة - تالفاً، وتصح مع تلف الثَّمن.
3 -
أن تكون بنفس جنس الثمن الذي وقع عليه العقد، فلا تصح بغير جنسه.
4 -
حضور العاقدين، فلا تصح مع غيبة أحدهما.