الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل (في الصلح)
(1)
وَالصُّلْحُ فِي الأموال قِسْمَانِ:
أحدُهُما: على الإقرار
(2)
.
(1)
الصلح لغة: التوفيق والسِّلم، وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى موافقة بين مختلفين. والصلح جائز بالكتاب والسنة والإجماع، فالدليل من الكتاب قوله تعالى:{والصلح خير} [النساء، 128]، ومن السنة، قوله صلى الله عليه وسلم:«الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً» ، رواه أبو داود والترمذي، وحكي الإجماع على جواز الصلح. وأنواع الصلح كثيرة، لكن المؤلف اقتصر على الصلح في الأموال، وهو المقصود بباب الصلح في كتب الفقه.
(2)
وصورته: أن يدعي شخص على آخر ديناً أو عيناً في يده كقطعة أرض، فيقر المدعى عليه، ثم يتصالحان على جزء من الدين، أو جزء من العين لأحدهما والباقي للآخر.
وَهُوَ نَوْعَانِ: الصُّلْحُ على جنس الحقِّ
(1)
مثلُ أن يُقِر لَهُ بدين
(2)
أو عين فَيَضَعَ
(3)
أو يهبَ لَهُ البَعْض
(4)
وَيَأْخُذَ الْبَاقِي
(5)
، فَيصحُ مِمَّن يَصح تبرعُه
(6)
بِغَيْر لفظ صلحٍ
(7)
(1)
كأن يدعي عليه ألف ريال، فيصالحه على ثمان مئة ريال مثلاً يدفعها المدعى عليه للمدعي، أو يدعي عليه أرضاً مساحتها ألف متر مربع، فيصالحه على ثمان مئة متر مربع مثلاً.
(2)
أي: بدين معلوم كألف ريال.
(3)
أي: أو يضع المقَرُّ له عن المقِّرِّ بعضَ الدين، فلا يطالبه إلا ببعض الدين الذي أقر له به.
(4)
أي: أو يهب المقرُّ له للمقِرِّ بعضَ العين، فلا يطالبه إلا بنصف الأرض التي أقر بها مثلاً.
(5)
استعمل الماتن أسلوب اللف والنشر، وتقدير كلامه: أن يقر المدعى عليه للمدعي بدين أو عين، فيضع المُقَرُّ له بعضَ الدين، أو يهب المُقَرُّ له للمُقِرِّ بعضَ العين المقر بها، ويأخذ المُقَرُّ له الباقي؛ فيكون الوضع للدَّين، والهبة للعين.
(6)
شروط هذا النوع من الصلح على الإقرار ثلاثة: (الشرط الأول) أن يكون الصلح ممن يصح تبرعه، وهو: العاقل البالغ الحر الرشيد المالك لما يصالح به أو عنه، وهو شرط في المقِر والمقَر له.
(7)
(الشرط الثاني) أن لا يكون بلفظ الصلح، بل يقول له مثلاً: وهبتك بعض العين، ويعلل الحنابلة هذا: بأنه لا يجوز أن يصالح الإنسان نفسه، أي: بما هو حق له.
بِلَا شَرط
(1)
.
الثَّانِي: على غير جنسه
(2)
فإن كَانَ بأثمانٍ عَن أثمانٍ فصرفٌ
(3)
، وبعرْض عَن نقد
(4)
، وَعَكسُه فَبيعٌ
(5)
.
(1)
(الشرط الثالث) أن يكون الصلح بلا شرط من المُقَرِّ له المدعي، فلا يصح أن يقول له: تقر لي بديني وأعطيك مئة ريال مثلاً؛ لأنها هبة معلقة على شرط مستقبل فلم تصح كالبيع .. ويشترط أيضاً: ألا يكون بشرط من المقِر المدعى عليه بأن يقول للمدعِي: لا أقر لك بحقك إلا إذا أعفيتني منه قدر النصف؛ لأنه حينئذ من أكل أموال الناس بالباطل.
(2)
أي: على غير جنس المدعى به، كأن يدعي على شخص ألف ريال فيقر، ويعرض المدعى عليه على المدعي أن يعطيه بدل ذلك سيارة أو منفعة داره سنة، ومثله لو أقر له بسيارة ثم صالحه عنها بأرض مثلاً.
(3)
أي: إن كان الصلح بين المدعي والمدعى عليه بأثمان عن أثمان مدعى بها فهو صرف، كأن يدعي زيد على عمرو عشرة دنانير، فيقر بها عمرو، ثم يصالحه على أن يعطيه بدلها مئة درهم، فهو صرف، تترتب عليه أحكامه.
(4)
كأن يدعي عليه مئة ألف ريال، فيقر ثم يصالحه عنها بعَرض كسيارة، فيصح، وهو بيع، فيعتبر له ما يعتبر للبيع.
(5)
كأن يدعي عليه عرضاً ككتاب، فيقر، ثم يصالحه عنه بثلاثين ريالاً، فيصح وهو بيع كالسابق.
(تتمة) بقي ما لو كان الصلح بمنفعة عن نقد، فهو إجارة.
القسم الثَّانِي: على الإنكار
(1)
، بِأَن يَدعِيَ عَلَيْهِ فينكرَ أو يسكتَ
(2)
ثمَّ يصالحُه
(3)
فَيصحُّ، وَيكونُ إبراءً فِي حَقه
(4)
، وبيعاً فِي حق مُدَّع
(5)
.
وَمن علِم كذِبَ نَفسِه فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقه
(6)
.
(1)
الصلحُ على الإنكارِ يشبه الصلحَ على الإقرارِ إلا أن المدعَى عليه يُنْكِر ما يدعيه خصمُه أو يسكت، لكنه يصالحه إبراءً لذمته، وتنزهاً عن مجالس القضاء.
(2)
فلا يتلفظ بإقرار ولا إنكار حال كونه يجهل ما ادُّعي به عليه.
(3)
بجنس ما يدعيه أو غير جنسه.
(4)
أي: المدعى عليه؛ لكونه دفع العوضَ لدفع الخصومةِ عن نفسِهِ، لا في مقابلةِ حق ثبت عليه.
(5)
ويترتب على ذلك مسائل كثيرة نكتفي منها بواحدة، وهي: الرد بالعيب، ومثال ذلك: أن يدعي زيدٌ على عمرو سيارةً، فينكر عمرو أن السيارة لزيد، أو يسكت، ثم يصالحه على أن يعطيه خمسين ألف ريال مثلاً، فإذا وجد عمرو بعد ذلك عيباً في السيارة لم يكن له أن يردها به؛ لأن الصلح في حقه إبراء لا بيع، ولو وجد زيدٌ المالَ الذي أخذه معيباً فله رده؛ لأن الصلح في حقه بيع.
(6)
والمراد: عند الله عز وجل، لكنه صحيح في الظاهر؛ فيشترط لصحة الصلح على الإنكار أن يعتقد كل من المدعي والمدعى عليه صدق نفسه.
(تتمة) الصلح عن دين مجهول بشيء معلوم: يصح - في المذهب - الصلح عن دين مجهول بمعلوم نقدا أو نسيئة، كمن بينهما معاملة أو حساب، ومضى عليه زمن طويل، ولا علم لكل منهما بما عليه لصاحبه، أو كان الجهلُ ممن هو عليه فقط، وسواء تعذر علمُ المجهول - وهذا بالاتفاق بين المنتهى والإقناع - أو لم يتعذر علم المجهول على ما في المنتهى والغاية كالتنقيح، وخالف في هذا الإقناع، فلم يصحح الصلح على الدين المجهول الذي لا يتعذر علمه؛ لعدم الحاجة. (مخالفة)
(تتمة): ما يصح الصلح فيه وما لا يصح: وَضَعَ الإقناعُ ضابطاً لذلك فقال: (ويصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أم لا)، ومما يجوز أخذ العوض فيه القود ولو بأكثر من الدية، وسكنى دار، وعيب مبيع. وأما ما لا يجوز أخذ العوض عنه فلا يصح الصلح فيه: كالصلح عن خيار أو شفعة أو حد قذف، وتسقط جميعها بالصلح.