الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأنصار، وفيهم العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من المثل العليا في الهداية والانقياد لله ورسوله، وشهرتهم في صفاء القلوب وخلوص العقيدة عن الضغائن والأحقاد مما لا يمكن أن يكون موضعًا لجدال، وعلى هذا فإنه يجب أن نقول: إنه لم يوجد أصلًا نصّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على إمامة عليّ بن أبي طالب ولا على إمامة غيره، ولو وجد مثل هذا النص لبلغوه رضي الله عنهم.
بهذا نكون قد انتهينا من الطريق الذي قال به الإمامية من الشيعة في تقليد الإمامة أو في انعقاد الإمامة وهو النص، وقد رأينا ردود الجمهور عليهم، ونكتفي بهذا القدر من طرق انعقاد الإمامة.
واجبات الإمام
واجبات الإمام وحقوقه:
الإمامة العظمى أو الخلافة من أخطر المناصب في الدولة الإسلامية وفي كل دولة، وهي من وجهة نظر الإسلام كما ذكرنا غير مرة تعتبر من الأمانات التي يجب إيصال مقتضياتها هي أهلها، فهي في المقام الأول تكليف وليست تشريفًا، فمن هنا كان على الخليفة للأمة واجبات يتعين عليه آدائها على أكمل وجه، وله عليها في مقابل ذلك حقوق وهذا ما سوف نتعرض لبيانه بالتفصيل فيما يأتي:
أولًا: واجبات الخليفة أو وظائف الخليفة:
لقد تكلم في هذه المسألة غير واحد من فقهاء المسلمين وعلمائهم، ولعل من أبرز الكتابات في هذه المسألة ما ذكره الماوردي في هذا الشأن يقول الماوردي في هذا الصدد: والذي يلزمه -أي: يلزم الإمام- والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء:
أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نَجَمَ مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبيّن له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خلل والإمامة ممنوعة من زلل.
وكلام الماوردي هذا في غاية الروعة وفي منتهى التحقيق والدقة، إذ ينطبق على واجب الإمام في المحافظة على ما أجمع عليه السلف الصالح من الدين وإطلاق الحرية للأمة فيما وراء ذلك لتجتهد ما وسعها الاجتهاد، وعلى الإمام إذا لم يكن من أهل الاجتهاد أن يستشير أهل العلم ليبين أمره على خير وجه، فقد كان هذا دائمًا صنيع سلف هذه الأمة، حوار دائم ومشاورة بين الحكام والعلماء، وفي بعض الأحيان كان العلماء يطيعون الحكام فيما يخالف اجتهادهم من أمور إذا لم يصادم ذلك نصًّا قطعيًّا من الكتاب والسنة، أو يتعارض مع ما أجمع عليه السلف، ولذلك لم يوافق العلماء الحكام على القول بخلق القرآن، ومحنة الإمام أحمد بن حنبل في هذا الصدد معروفة مشهورة.
وتقرير مسئولية الدولة في النظام الإسلامي على هذا النحو وإن كانت تتجافى مع ما تقرر في النظام البرلماني الذي يعتبر أن رئيس الدولة لا يحكم ومن ثم فهو غير مسئول، سواء في مواجهة الشعب أو في مواجهة ممثليه، وإنما تقع المسئولية على الوزارة باعتبارها سلطة التنفيذ أمام السلطة التشريعية التي تراقب تطبيق المبادئ الدستورية -إلا أن النظام الإسلامي يشبه ما هو معروف في النظام الرئاسي، الذي يعتبر رئيس الدولة هو المسئول الأول أمام الشعب أو أمام ممثليه في البرلمان، وهو الذي يقوم بتولية وزرائه وإعفائهم وهم مسئولون أمامه مسئولية تامّة.
الوظيفة الثانية لرئيس الدولة أو للإمام الأعظم: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين؛ حتى تعمّ النصرة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم، وقد رأينا سلفًا أن الأئمة في صدر الإسلام كانوا يتولون القضاء بأنفسهم، وأول من جعله إلى قضاة مخصوصين الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه-
وعلى كل حال فقضاة الخليفة يمثلونه في القضاء بين الناس بتحقيق العدل ورفع الظلم، فهو وإن كان يرأسهم إلا أن ذلك لا يعتبر تدخلًا معيبًا من قبل السلطة التنفيذية في أعمال القضاء؛ لأن القاضي في النظام الإسلامي يخضع لحكم الشريعة، والخليفة يخضع لحكمها أيضًا، وهو بطبيعة الحال لن يعقّب على عمل القضاة إلا عند مخالفتهم لحكمها، ويعتبر ذلك من النظام الإسلامي تقريرًا للقاعدة التي تقول بأن العدل أساس الملك واستدامة الدول.
الثالث من الوظائف التي يقوم بها الإمام: حماية البيضة والذبّ عن الحريم ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمانين من تغرير بنفس أو مال، وبيضة كل شيء هي حوذته، فهو يحمي حوذة الأمة أو ما يعرف اليوم بالأمن العام عن طريق فرض سيطرة الدولة على الخارجين عليها بحيث لا يكون في البلاد ما يهدد أمن الناس واستقرارهم.
الوظيفة الرابعة للإمام: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك، وهذا بطبيعة الحال من أخصّ واجبات الدولة في الدساتير الحديثة فهي التي تنفذ القانون على المخالفين الخارجين على حكمه، ورئيس الدولة في النظام الإسلامي على قمة المسئولية في حراسة الدين وسياسة الدنيا به كما تقدم.
الوظيفة الخامسة: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة؛ حتى لا تظفر الأعداء بثغر ينتهكون فيه محرمًا أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا، فمن أهم واجبات الدول الحديثة حماية البلاد من خطر الاعتداء الخارجي عليها، وذلك يكون بإعداد الجيوش القوية المدربة القادرة على رد عدوان المعتدين،
ومن الواضح من تقرير هذه الواجبات المختلفة على الخليفة أن الإسلام ينظر إليه كما ذكرنا على أنه المسئول الأول عن كل أعمال الدولة مسئولية مباشرة، ولذلك تتطلّب العلماء في الخليفة شروط خاصة تتصل بكفايته وقدرته على تحمل أعباء الحكم كما بينا ذلك بالتفصيل في شروط الإمام الأعظم.
الوظيفة السادسة: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله، ومعلوم أن الجهاد يكون عينيًّا وكفائيًّا فهو يجب وجوبًا عينيًّا على كل مكلف إذا استولى العدوّ على بعض بلاد المسلمين وتوقف دفعه على ذلك، أو إذا استنفر الإمام الناس إليه، وفيما عدا ذلك يكون واجبًا كفائيًّا إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، والجهاد قد يكون بالمال وبالدعوة إلى الإسلام بالبرهان، وبناء على ذلك فيجب طاعة الإمام فيما يأمر به من نظام التجنيد والتعليم العسكري استعدادًا لمجابهة الأعداء كما قال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} (الأنفال: 60) والخطاب هنا لأمة المسلمين ومنهم الإمام باعتباره المسئول الأول عن جهاد المعاندين بعد دعوتهم.
الوظيفة السابعة: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبها الشرع نصًّا واجتهادًا من غير خوف ولا عسف، وهذا في الواقع يؤدي إلى إيصال الحقوق إلى أصحابها؛ لكون الشارع قد جعل هذه الأموال حقوقًا لبعض الناس كالفقراء والمساكين فيما يتصل بالصدقات فقد لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم؛ ولذلك حارب الخليفة الأول من فرّق بين الصلاة والزكاة فيما يعرف بحروب الردّة في التاريخ الإسلامي،
وكذلك يجب على الخليفة جباية أموال الفيء من الخراج والجزية ونحو ذلك، وكان أول من فرض الخراج عمر بن الخطاب في أيام خلافته بعد أن فتحت أراضي الشام والعراق.
الوظيفة الثامنة: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم ولا تأخير، وهذا يقرب مما يعرف في الدول الحديثة من إعداد للميزانية العامة للدولة والموازنة بين إرادتها ونفقاتها مما يحقق توازنًا للميزانية من غير سرف ولا تقتير؛ لأن السرف قد يؤدي إلى التضخم والافتقار، والتقتير قد يؤدي إلى ظلم الرعية، وذلك كله مما تحرمه الشريعة التي هو منوط بحراستها.
الوظيفة التاسعة: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة، فعلى الحاكم في هذا الصدد -أي: حين يختار عماله- أن يدقق ويختار الأكفأ والأفضل والناصح والأمين، دون مراعاة لعوامل المحاباة والمحسوبية والرشوة أحيانًا، ومعلوم أن الكمال لله وحده، ولذلك فيجب بذل الوسع بقدر المستطاع عند إسناد الولايات العامة إلى بعض الناس بحيث يكون هؤلاء ممن يعرفون بالكفاءة والأمانة؛ لتكون الأعمال متقنة بالكفاءة والأموال مصونة بالأمانة.
الوظيفة العاشرة: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغشّ الناصح، وقد قال الله تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (ص: من الآية: 26) فلم
يقتصر الله سبحانه وتعالى على التفويض دون المباشرة، ولا عذره في الاتباع حتىوصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقًّا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة فهو من حقوق السياسية لكل مسترع، قال النبي صلى الله عليه وسلم:((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) ولكن ليس معنى هذا أن الخليفة لا يلجأ إلى التفويض مطلقًا، فله بطبيعة الحال أن يستعين بالولاة والأعوان والوزراء، ويخصص لكل واحد مسئولتيه، ولكن عليه أن يراقب كل هؤلاء ويتفقد أحوالهم باعتبار مسئولتيه الأولى كما ذكرنا، ولأنه قد يخون الأمين ويغشّ الناصح، كما قال الماوردي.
وقد أشار أحد الباحثين إلى أن حقّ الخليفة في تفقد الرعايا ينقسم إلى قسمين: لأنه إما أن يكون بالنسبة للخاصة، أو للعوام. فالنسبة للخاصة وهم أولو المراتب والحكام ومن يتقلد الأمر عن السلطان فيجب على الملك أن يتفقد أحوال كل منهم وما يتعلق به وما يصدر عنه وما يجب عليه وما يحدث منه، فإن وجده على السداد شكره وأنعم عليه، وإن وجده بخلاف ذلك عزله. وأما ما يتعلق بأحوال العامة أو الرعايا في القرى والبوادي وأماكن الزروع والآثار فلا بد من التفقد لأحوالهم والتطلع على أخبارهم وما يصدر منهم والنظر في أمورهم وإصلاح شئونهم.
ولعل من أهل الواجبات التي يجب اعتبارها في هذا الصدد وعدم إهمالها أو التنازل عنها على الإطلاق -واجب الإمام في المشاورة في كل ما لم يرد نصّ عن الله ورسوله ولم يحدث إجماع بشأنه، ولا سيما في أمور الحكم والسياسية التي تنبني على المصالح عادة؛ لأن الخليفة في النظام الإسلامي ليس حاكمًا مطلقًا وإنما هو مقيد بنصوص الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة،
والأمر بالمشاورة قد ورد بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم فلمن هو دونه أولى؛ لأن مصالح الأمة كثيرة ولا يمكن تحديدها، وتختلف باختلاف الزمان والمكان فلا يمكن تقييدها، ولذلك لا بد من المشاورة.
وبالجملة يمكن القول بأن واجبات الإمام أو الحاكم في الدولة الإسلامية ترجع إلى إقامة الدين وحراسته، وسياسة الدنيا بالدين، وإدارة شئون الدولة بمهارة وبراعة، ونشر العلم والمعرفة بكل السبل، واحترام العلماء وتقديرهم، فما أضيع تلك الدول التي يمتهن فيها العلماء ويقدم فيها الأدعياء، ويجب على الإمام أن يعمل على توفير الحياة الكريمة لرعيته متحليًّا في ذلك بما كان عليه سلف الأمة في عهد الخلافة الراشدة، ففي تاريخهم أمثلة يجب الاقتداء بها.
وإذا حاولنا المقارنة بين ما تقرر في الفقه السياسي الإسلامي بالنسبة لواجبات الخليفة وبين ما تقرره الدساتير الحديثة من وظائف الدولة -فإننا نجد أن الفقه الدستوري الحديث يجعل من وظائف الدولة وظيفة تشريعية وأخرى تنفيذية وثالثة قضائية، وهذه السلطات بعينها يمكن أن نستنبطها مما ذكره الفقهاء المسلمون بشأن واجبات الإمام أو الخليفة، ولكن مع ملاحظة طبيعة النظام الإسلامي الذي لا يكون فيه التشريع إلا لله سبحانه وتعالى، وتكون الشريعة فيه هي المحددة للحقوق والواجبات سواء بالنسبة للحاكم أو بالنسبة للرعية، ولكن يبقى مع ذلك امتياز النظام الإسلامي الذي يجعل من وظائف الإمام واجبات عليه، يسأل أمام الأمة عن تنفيذها قبل أن تكون سلطات له يتمتع باستخدامها وممارستها، ومعلوم أن الحاكم وكيل عن الأمة فتتقرر لذلك مسئوليته عن أخطائه أمامها، والحكم لا يكسبه أية مزية ترتفع به عن مستوى المُساءلة، فالرؤساء والمرؤوسون
في خضوعهم للحساب والعقاب سواء؛ لأن أساس التفاضل بين الناس في ميزان الشريعة هو التقوى والعمل الصالح، ولقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه أول سابقة دستورية في هذا الصدد، فقد أورد ابن سعد في طبقاته:((دخل الفضل بن عباس على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال: يا فضل شدّ هذه العصابة على رأسي فشدها، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أرنا يدك، قال: فأخذ بيدي النبي صلى الله عليه وسلم فانتهض حتى دخل المسجد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم وإنما أنا بشر، فأيما رجل كنت قد أصبت من عرضه شيئًا فهذا عرضي فليقتصّ، وأيما رجل كنت أصبت من بشره شيئًا فهذا بشري فليقتصّ، وأيما رجل كنت أصبت من ماله فهذا مالي فليأخذ منه، واعلموا أن أولاكم بي رجل كان له من ذلك شيء فأخذه أو حللني فلقيت ربي وأن محلل لي)) فإذا كان هذا هو شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا يكون من هو دون ذلك بكثير جدًّا من الخلفاء والحكام والأئمة من باب أولى؟! هذا بالإضافة إلى المسئولية الأخروية أمام الله تعالى إذ ما خان الحاكم أمانته وضيع رعيته، فقد حذّر الشرع من ذلك كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال: 27) وقال تعالى في سورة القصص بعد أن ذكر قصة فرعون وعتوّه وفساده في الأرض: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ} (القصص: 41، 42)