المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والأنصار، وفيهم العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من المثل العليا في - السياسة الشرعية - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها

- ‌ مفهوم السياسة الشرعية

- ‌شروط العمل بأحكام السياسة الشرعية

- ‌موضوعات علم السياسة الشرعية

- ‌مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام

- ‌اعتبار المصالح المرسلة دليلًا لاعتبار أحكام السياسة الشرعية

- ‌الدرس: 2 مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة

- ‌خبرة النبي عليه الصلاة والسلام بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة

- ‌القواعد التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة

- ‌أهم المعالم للنظم الانتقالية التي وضعها النبي في المدينة

- ‌النظم الأساسية التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌تابع: النظم التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌الدرس: 3 النظام المالي للدولة الإسلامية

- ‌الزكاة من أهم الموارد المالية في عهد النبي

- ‌أهم الموارد المالية في عهد النبي: الغنائم، الفيء، الجزية

- ‌النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق

- ‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌تابع: تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌النظام المالي في عهد عثمان بن عفان

- ‌النظام المالي في عهد علي بن أبي طالب

- ‌المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌تابع: المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌موقف عمر بن عبد العزيز من الأخطاء المالية في عهد الأمويين

- ‌الدرس: 4 العمومية المعنوية والمادية للزكاة

- ‌المقصود بالشخص الطبيعي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون

- ‌الخلطة في الأنعام كمثال للشخص المعنوي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء من تأثير الخلطة في الزكاة

- ‌حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌تابع: حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌تابع: الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌الدرس: 5 بقية أنواع الزكوات والعوامل التي تساعد على تحقيق العمومية فيها

- ‌الزكاة في الذهب والفضة

- ‌الزكاة في الحلي المباح والمحرم، وآراء الفقهاء

- ‌ما تجب فيه الزكاة من الحرث

- ‌زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر

- ‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

- ‌تجنب الازدواج في أداء الزكاة، وتجنب الراجعية في الزكاة

- ‌محاربة التهرب من أداء الزكاة

- ‌الدرس: 6 الجزية والخراج والعشور

- ‌العمومية في الجزية

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

- ‌مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تاريخ الخراج، والعمومية فيه

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج

- ‌مراعات ظروف الممول في الخراج

- ‌من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور

- ‌الدرس: 7 النظام السياسي الإسلامي

- ‌مصطلح السياسة منذ بداية الدولة الإسلامية

- ‌مرتكزات السياسة في الإسلام

- ‌مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم

- ‌السنة

- ‌حجيه السنة بجميع أنواعها

- ‌الإجماع

- ‌القياس

- ‌الاستحسان

- ‌المصالح المرسلة

- ‌العرف

- ‌الدرس: 8 قواعد النظام السياسي الإسلامي

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: أولا: الحاكمية لله

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: ثانيا: الشورى

- ‌تابع: أدلة الشورى

- ‌تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها

- ‌كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى

- ‌مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك

- ‌أهل الشورى، والشروط اللازم توافرها فيهم

- ‌الدرس: 9 قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌ العدالة

- ‌صور العدالة في القرآن

- ‌مسئولية الحكام

- ‌تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام

- ‌مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي

- ‌ الحريات الشخصية

- ‌الحرية الفكرية

- ‌تابع: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي: حرية التجمع

- ‌الحريات الاقتصادية

- ‌الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي

- ‌سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌الدرس: 10 الإمامة

- ‌مسئولية الحاكم أمام الأمة الإسلامية "مشروعية المسئولية

- ‌ الحكم عند العرب قبل الإسلام

- ‌الإمامة مبحث فقهي

- ‌معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام

- ‌معنى الإمامة العظمى

- ‌حكم نصب الإمام

- ‌القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ

- ‌الدرس: 11 شروط الإمامة العظمى

- ‌شروط الإمامة العظمى

- ‌العدالة

- ‌صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب

- ‌الكفاية الجسمية، والكفاية النفسية

- ‌شرط القرشية، وتولية الأفضل

- ‌الدرس: 12 طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌تابع انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة

- ‌انعقاد الإمامة بطريق النص

- ‌واجبات الإمام

- ‌حقوق الإمام

- ‌ تابع حقوق الإمام

- ‌انتهاء ولاية الإمام

- ‌الدرس: 13 توجيهات الفكر الإداري الإسلامي

- ‌العمل فريضة إسلامية

- ‌خصائص العمل في الإسلام

- ‌طبيعة تكوين المنظمة

- ‌تابع طبيعة تكوين المنظمة

- ‌الرقابة ومتابعة الإنجاز

- ‌العلاقات الإنسانية في العمل الجماعي

- ‌وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة

- ‌التوظيف حسب الجدارة

- ‌وجود قيادة سوية

- ‌الدرس: 14 المنهج الإداري في الإسلام

- ‌مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري

- ‌ التخطيط لنشر الدعوة

- ‌التخطيط للهجرة

- ‌تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة

- ‌المنهج الإسلامي في التنظيم

- ‌المنهج الإسلامي في الرقابة

- ‌الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإدارة في عهد أبي بكر رضي الله عنه

- ‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

- ‌الدواوين التي أنشاها عمر بن الخطاب

- ‌التجنيد الإجباري، ونشأة بيت المال

- ‌ رقابة عمر بن الخطاب لعماله

- ‌الإدارة عند الأمويين

- ‌الدرس: 15 أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات

- ‌مقدمة عن الوزارة في الدولة الإسلامية

- ‌وزارة التفويض

- ‌وزارة التنفيذ

- ‌مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ

- ‌الإمارة على الأقاليم

- ‌ أنواع الإمارة على الأقاليم

- ‌الأسس التي قامت عليها علاقة المسلمين بغيرهم

- ‌حرية العقيدة

- ‌العدل

- ‌الوفاء بالعهد

- ‌الفضيلة

- ‌التسامح

- ‌الرحمة

- ‌أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم

- ‌أحكام الدارين

- ‌مقدمة عن المعاهدات في الإسلام

- ‌أنواع المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌الدرس: 16 القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي

- ‌ مشروعية القضاء وأهميته

- ‌تاريخ القضاء في الإسلام

- ‌أركان القضاء

- ‌الدعوى وشروطها

- ‌ الدعوى:

- ‌تعارض الدعويين مع تعارض البينتين

- ‌وسائل الإثبات

- ‌ التثبت من وسائل الإثبات

- ‌الحكم

- ‌القضاء في المملكة العربية السعودية

الفصل: والأنصار، وفيهم العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من المثل العليا في

والأنصار، وفيهم العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من المثل العليا في الهداية والانقياد لله ورسوله، وشهرتهم في صفاء القلوب وخلوص العقيدة عن الضغائن والأحقاد مما لا يمكن أن يكون موضعًا لجدال، وعلى هذا فإنه يجب أن نقول: إنه لم يوجد أصلًا نصّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على إمامة عليّ بن أبي طالب ولا على إمامة غيره، ولو وجد مثل هذا النص لبلغوه رضي الله عنهم.

بهذا نكون قد انتهينا من الطريق الذي قال به الإمامية من الشيعة في تقليد الإمامة أو في انعقاد الإمامة وهو النص، وقد رأينا ردود الجمهور عليهم، ونكتفي بهذا القدر من طرق انعقاد الإمامة.

‌واجبات الإمام

واجبات الإمام وحقوقه:

الإمامة العظمى أو الخلافة من أخطر المناصب في الدولة الإسلامية وفي كل دولة، وهي من وجهة نظر الإسلام كما ذكرنا غير مرة تعتبر من الأمانات التي يجب إيصال مقتضياتها هي أهلها، فهي في المقام الأول تكليف وليست تشريفًا، فمن هنا كان على الخليفة للأمة واجبات يتعين عليه آدائها على أكمل وجه، وله عليها في مقابل ذلك حقوق وهذا ما سوف نتعرض لبيانه بالتفصيل فيما يأتي:

أولًا: واجبات الخليفة أو وظائف الخليفة:

لقد تكلم في هذه المسألة غير واحد من فقهاء المسلمين وعلمائهم، ولعل من أبرز الكتابات في هذه المسألة ما ذكره الماوردي في هذا الشأن يقول الماوردي في هذا الصدد: والذي يلزمه -أي: يلزم الإمام- والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء:

أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نَجَمَ مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبيّن له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خلل والإمامة ممنوعة من زلل.

ص: 559

وكلام الماوردي هذا في غاية الروعة وفي منتهى التحقيق والدقة، إذ ينطبق على واجب الإمام في المحافظة على ما أجمع عليه السلف الصالح من الدين وإطلاق الحرية للأمة فيما وراء ذلك لتجتهد ما وسعها الاجتهاد، وعلى الإمام إذا لم يكن من أهل الاجتهاد أن يستشير أهل العلم ليبين أمره على خير وجه، فقد كان هذا دائمًا صنيع سلف هذه الأمة، حوار دائم ومشاورة بين الحكام والعلماء، وفي بعض الأحيان كان العلماء يطيعون الحكام فيما يخالف اجتهادهم من أمور إذا لم يصادم ذلك نصًّا قطعيًّا من الكتاب والسنة، أو يتعارض مع ما أجمع عليه السلف، ولذلك لم يوافق العلماء الحكام على القول بخلق القرآن، ومحنة الإمام أحمد بن حنبل في هذا الصدد معروفة مشهورة.

وتقرير مسئولية الدولة في النظام الإسلامي على هذا النحو وإن كانت تتجافى مع ما تقرر في النظام البرلماني الذي يعتبر أن رئيس الدولة لا يحكم ومن ثم فهو غير مسئول، سواء في مواجهة الشعب أو في مواجهة ممثليه، وإنما تقع المسئولية على الوزارة باعتبارها سلطة التنفيذ أمام السلطة التشريعية التي تراقب تطبيق المبادئ الدستورية -إلا أن النظام الإسلامي يشبه ما هو معروف في النظام الرئاسي، الذي يعتبر رئيس الدولة هو المسئول الأول أمام الشعب أو أمام ممثليه في البرلمان، وهو الذي يقوم بتولية وزرائه وإعفائهم وهم مسئولون أمامه مسئولية تامّة.

الوظيفة الثانية لرئيس الدولة أو للإمام الأعظم: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين؛ حتى تعمّ النصرة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم، وقد رأينا سلفًا أن الأئمة في صدر الإسلام كانوا يتولون القضاء بأنفسهم، وأول من جعله إلى قضاة مخصوصين الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه-

ص: 560

وعلى كل حال فقضاة الخليفة يمثلونه في القضاء بين الناس بتحقيق العدل ورفع الظلم، فهو وإن كان يرأسهم إلا أن ذلك لا يعتبر تدخلًا معيبًا من قبل السلطة التنفيذية في أعمال القضاء؛ لأن القاضي في النظام الإسلامي يخضع لحكم الشريعة، والخليفة يخضع لحكمها أيضًا، وهو بطبيعة الحال لن يعقّب على عمل القضاة إلا عند مخالفتهم لحكمها، ويعتبر ذلك من النظام الإسلامي تقريرًا للقاعدة التي تقول بأن العدل أساس الملك واستدامة الدول.

الثالث من الوظائف التي يقوم بها الإمام: حماية البيضة والذبّ عن الحريم ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمانين من تغرير بنفس أو مال، وبيضة كل شيء هي حوذته، فهو يحمي حوذة الأمة أو ما يعرف اليوم بالأمن العام عن طريق فرض سيطرة الدولة على الخارجين عليها بحيث لا يكون في البلاد ما يهدد أمن الناس واستقرارهم.

الوظيفة الرابعة للإمام: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك، وهذا بطبيعة الحال من أخصّ واجبات الدولة في الدساتير الحديثة فهي التي تنفذ القانون على المخالفين الخارجين على حكمه، ورئيس الدولة في النظام الإسلامي على قمة المسئولية في حراسة الدين وسياسة الدنيا به كما تقدم.

الوظيفة الخامسة: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة؛ حتى لا تظفر الأعداء بثغر ينتهكون فيه محرمًا أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا، فمن أهم واجبات الدول الحديثة حماية البلاد من خطر الاعتداء الخارجي عليها، وذلك يكون بإعداد الجيوش القوية المدربة القادرة على رد عدوان المعتدين،

ص: 561

ومن الواضح من تقرير هذه الواجبات المختلفة على الخليفة أن الإسلام ينظر إليه كما ذكرنا على أنه المسئول الأول عن كل أعمال الدولة مسئولية مباشرة، ولذلك تتطلّب العلماء في الخليفة شروط خاصة تتصل بكفايته وقدرته على تحمل أعباء الحكم كما بينا ذلك بالتفصيل في شروط الإمام الأعظم.

الوظيفة السادسة: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله، ومعلوم أن الجهاد يكون عينيًّا وكفائيًّا فهو يجب وجوبًا عينيًّا على كل مكلف إذا استولى العدوّ على بعض بلاد المسلمين وتوقف دفعه على ذلك، أو إذا استنفر الإمام الناس إليه، وفيما عدا ذلك يكون واجبًا كفائيًّا إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، والجهاد قد يكون بالمال وبالدعوة إلى الإسلام بالبرهان، وبناء على ذلك فيجب طاعة الإمام فيما يأمر به من نظام التجنيد والتعليم العسكري استعدادًا لمجابهة الأعداء كما قال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} (الأنفال: 60) والخطاب هنا لأمة المسلمين ومنهم الإمام باعتباره المسئول الأول عن جهاد المعاندين بعد دعوتهم.

الوظيفة السابعة: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبها الشرع نصًّا واجتهادًا من غير خوف ولا عسف، وهذا في الواقع يؤدي إلى إيصال الحقوق إلى أصحابها؛ لكون الشارع قد جعل هذه الأموال حقوقًا لبعض الناس كالفقراء والمساكين فيما يتصل بالصدقات فقد لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم؛ ولذلك حارب الخليفة الأول من فرّق بين الصلاة والزكاة فيما يعرف بحروب الردّة في التاريخ الإسلامي،

ص: 562

وكذلك يجب على الخليفة جباية أموال الفيء من الخراج والجزية ونحو ذلك، وكان أول من فرض الخراج عمر بن الخطاب في أيام خلافته بعد أن فتحت أراضي الشام والعراق.

الوظيفة الثامنة: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم ولا تأخير، وهذا يقرب مما يعرف في الدول الحديثة من إعداد للميزانية العامة للدولة والموازنة بين إرادتها ونفقاتها مما يحقق توازنًا للميزانية من غير سرف ولا تقتير؛ لأن السرف قد يؤدي إلى التضخم والافتقار، والتقتير قد يؤدي إلى ظلم الرعية، وذلك كله مما تحرمه الشريعة التي هو منوط بحراستها.

الوظيفة التاسعة: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة، فعلى الحاكم في هذا الصدد -أي: حين يختار عماله- أن يدقق ويختار الأكفأ والأفضل والناصح والأمين، دون مراعاة لعوامل المحاباة والمحسوبية والرشوة أحيانًا، ومعلوم أن الكمال لله وحده، ولذلك فيجب بذل الوسع بقدر المستطاع عند إسناد الولايات العامة إلى بعض الناس بحيث يكون هؤلاء ممن يعرفون بالكفاءة والأمانة؛ لتكون الأعمال متقنة بالكفاءة والأموال مصونة بالأمانة.

الوظيفة العاشرة: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغشّ الناصح، وقد قال الله تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (ص: من الآية: 26) فلم

ص: 563

يقتصر الله سبحانه وتعالى على التفويض دون المباشرة، ولا عذره في الاتباع حتىوصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقًّا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة فهو من حقوق السياسية لكل مسترع، قال النبي صلى الله عليه وسلم:((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) ولكن ليس معنى هذا أن الخليفة لا يلجأ إلى التفويض مطلقًا، فله بطبيعة الحال أن يستعين بالولاة والأعوان والوزراء، ويخصص لكل واحد مسئولتيه، ولكن عليه أن يراقب كل هؤلاء ويتفقد أحوالهم باعتبار مسئولتيه الأولى كما ذكرنا، ولأنه قد يخون الأمين ويغشّ الناصح، كما قال الماوردي.

وقد أشار أحد الباحثين إلى أن حقّ الخليفة في تفقد الرعايا ينقسم إلى قسمين: لأنه إما أن يكون بالنسبة للخاصة، أو للعوام. فالنسبة للخاصة وهم أولو المراتب والحكام ومن يتقلد الأمر عن السلطان فيجب على الملك أن يتفقد أحوال كل منهم وما يتعلق به وما يصدر عنه وما يجب عليه وما يحدث منه، فإن وجده على السداد شكره وأنعم عليه، وإن وجده بخلاف ذلك عزله. وأما ما يتعلق بأحوال العامة أو الرعايا في القرى والبوادي وأماكن الزروع والآثار فلا بد من التفقد لأحوالهم والتطلع على أخبارهم وما يصدر منهم والنظر في أمورهم وإصلاح شئونهم.

ولعل من أهل الواجبات التي يجب اعتبارها في هذا الصدد وعدم إهمالها أو التنازل عنها على الإطلاق -واجب الإمام في المشاورة في كل ما لم يرد نصّ عن الله ورسوله ولم يحدث إجماع بشأنه، ولا سيما في أمور الحكم والسياسية التي تنبني على المصالح عادة؛ لأن الخليفة في النظام الإسلامي ليس حاكمًا مطلقًا وإنما هو مقيد بنصوص الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة،

ص: 564

والأمر بالمشاورة قد ورد بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم فلمن هو دونه أولى؛ لأن مصالح الأمة كثيرة ولا يمكن تحديدها، وتختلف باختلاف الزمان والمكان فلا يمكن تقييدها، ولذلك لا بد من المشاورة.

وبالجملة يمكن القول بأن واجبات الإمام أو الحاكم في الدولة الإسلامية ترجع إلى إقامة الدين وحراسته، وسياسة الدنيا بالدين، وإدارة شئون الدولة بمهارة وبراعة، ونشر العلم والمعرفة بكل السبل، واحترام العلماء وتقديرهم، فما أضيع تلك الدول التي يمتهن فيها العلماء ويقدم فيها الأدعياء، ويجب على الإمام أن يعمل على توفير الحياة الكريمة لرعيته متحليًّا في ذلك بما كان عليه سلف الأمة في عهد الخلافة الراشدة، ففي تاريخهم أمثلة يجب الاقتداء بها.

وإذا حاولنا المقارنة بين ما تقرر في الفقه السياسي الإسلامي بالنسبة لواجبات الخليفة وبين ما تقرره الدساتير الحديثة من وظائف الدولة -فإننا نجد أن الفقه الدستوري الحديث يجعل من وظائف الدولة وظيفة تشريعية وأخرى تنفيذية وثالثة قضائية، وهذه السلطات بعينها يمكن أن نستنبطها مما ذكره الفقهاء المسلمون بشأن واجبات الإمام أو الخليفة، ولكن مع ملاحظة طبيعة النظام الإسلامي الذي لا يكون فيه التشريع إلا لله سبحانه وتعالى، وتكون الشريعة فيه هي المحددة للحقوق والواجبات سواء بالنسبة للحاكم أو بالنسبة للرعية، ولكن يبقى مع ذلك امتياز النظام الإسلامي الذي يجعل من وظائف الإمام واجبات عليه، يسأل أمام الأمة عن تنفيذها قبل أن تكون سلطات له يتمتع باستخدامها وممارستها، ومعلوم أن الحاكم وكيل عن الأمة فتتقرر لذلك مسئوليته عن أخطائه أمامها، والحكم لا يكسبه أية مزية ترتفع به عن مستوى المُساءلة، فالرؤساء والمرؤوسون

ص: 565

في خضوعهم للحساب والعقاب سواء؛ لأن أساس التفاضل بين الناس في ميزان الشريعة هو التقوى والعمل الصالح، ولقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه أول سابقة دستورية في هذا الصدد، فقد أورد ابن سعد في طبقاته:((دخل الفضل بن عباس على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال: يا فضل شدّ هذه العصابة على رأسي فشدها، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أرنا يدك، قال: فأخذ بيدي النبي صلى الله عليه وسلم فانتهض حتى دخل المسجد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم وإنما أنا بشر، فأيما رجل كنت قد أصبت من عرضه شيئًا فهذا عرضي فليقتصّ، وأيما رجل كنت أصبت من بشره شيئًا فهذا بشري فليقتصّ، وأيما رجل كنت أصبت من ماله فهذا مالي فليأخذ منه، واعلموا أن أولاكم بي رجل كان له من ذلك شيء فأخذه أو حللني فلقيت ربي وأن محلل لي)) فإذا كان هذا هو شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا يكون من هو دون ذلك بكثير جدًّا من الخلفاء والحكام والأئمة من باب أولى؟! هذا بالإضافة إلى المسئولية الأخروية أمام الله تعالى إذ ما خان الحاكم أمانته وضيع رعيته، فقد حذّر الشرع من ذلك كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال: 27) وقال تعالى في سورة القصص بعد أن ذكر قصة فرعون وعتوّه وفساده في الأرض: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ} (القصص: 41، 42)

ص: 566