الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 -
أدلة اعتبار السياسة الشرعية
مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
ننتقل إلى موضوع آخر، وهو: أدلة اعتبار السياسة الشرعية - يعني: الأدلة التي تدل على أنه ينبغي أن نأخذ بالسياسة الشرعية، هناك وجوه كثيرة تشهد باعتبار السياسة الشرعية، أو تدل على أنه ينبغي على المسلمين ألا يهملوا السياسة الشرعية، وأنه يجب عليهم أن يأخذوا بأحكامها، وفي مواطنها المختلفة، وهذا الموضوع مشروح بالتفصيل في كتاب (السياسة الشرعية للشيخ عبد الرحمن تاج صـ65)، ومن أولى هذه الوجوه التي تدل على اعتبار السياسة الشرعية، أولًا: إنا عهدنا مع الشرائع السماوية السابقة- أنها كانت تراعي مصالح الأمم، وحاجات كل زمن؛ فكانت تغير في شريعة أحكامًا من شريعة سابقة من أجل تغير الظروف والأحوال، ومن الأمثلة على ذلك: فقد كان محرمًا على بني إسرائيل العمل يوم السبت، وكان محرمًا عليهم بعض شحوم الحيوان بعد أن كان ذلك حلالًا لمن قبلهم، ثم عاد إلى الحل لمن بعدهم، ومعنى ذلك أن هذه الأشياء؛ تحريم العمل يوم السبت، وتحريم بعض شحوم الحيوان، إنما فرضت على أناسٍ بعينهم، ولم تفرض على غيرهم، وربما كان ذلك سببه تغير الظروف، وتغير الأحوال، وهذا إن دل فإنما يدل على الأخذ بالسياسة الشرعية.
فكأن الشرائع في حد ذاتها تراعي الأخذ بمبدأ السياسية الشرعية، وهو أن الأحكام تتغير بتغير الزمان تغير الأحكام بتغير الأزمان، كان موجودًًا، أو كان مراعى في الشرائع السابقة، وأيضًا من الأمثلة على ذلك: كان حلالًا -أول عهد الإنسان- أن يتزوج الرجل بأخته، أو عمته، ثم حرم ذلك لما تعدد النسل، وتكاثرت أفراد النوع - يعني: معنى ذلك كان يباح، أولًا للرجل أن يتزوج بأخته، أو عمته، لكن كان ذلك لسبب معين، لم
تكن هناك ذرية لم يكن هناك كثرة من النوع، لكن عندما كثر النوع، وكثر الناس؛ لم يعد هناك حاجة إلى أن يباح للرجل أن يتزوج بأخته، أو عمته.
إذن تغير الحكم؛ نظرًًا لتغير الظروف، وتغير العصور والأزمان، وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن تكون الشريعة الإسلامية التي هي ختام الشرائع مسايرة لأحوال الناس - يعني: إذا كان هناك بعض التبدل ببعض الأحكام في الشرائع السابقة؛ فأولى بذلك الشريعة الإسلامية؛ لأن الشريعة الإسلامية إنما هي خاتمة الشرائع، وأراد الله لها أن تكون خاتمة الشرائع؛ ولذلك ينبغي أن تكون متطورة مع الحوادث، والمستجدات، أقول: إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للشرائع السابقة؛ وجب أن تكون الشريعة الإسلامية التي هي ختام الشرائع مسايرة لأحوال الناس، محققة لمطالب الحاجات المتجددة، وإنما يفي بذلك قسم السياسية الشرعية، أو علم السياسة الشرعية.
إذن نخرج من هذا، أو نخلص من هذا أن علم السياسة الشرعية إنما يعمل، أو يؤكد على أن شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان، ومكان؛ لأنه ما من واقعة، أو حادثة إلا ويجد لها علم السياسة الشرعية حكمًًا مناسبًا له أيضًًا من أدلة اعتبار السياسية الشرعية أنه قد عهد في الشريعة الإسلامية نفسها أنها راعت اختلاف الأحوال فيما شرعته ابتداءً من الأحكام؛ ولذلك شدد في الشهادة ما لم يشدد في الرواية، يعني: في الشهادة تشدد الفقهاء، واشترطوا شروطًا معينة، واشترطوا العدالة في الشاهد إلى غير ذلك، لكنهم لم يشترطوا ذلك في حالة الرواية، أي: في حالة الإخبار.
إذن هي راعت الظروف فاشترط في الأولى -وهي الشهادة- ما لم يشترط في الثانية -التي هي الرواية- لماذا؟ نظرًًا إلى ما يكون بين الناس عادة من التنافس - يعني: لماذا اشترط في الأولى، واشترط في الشهادة شروط دقيقة للغاية، وشروط صعبة للغاية، حتى نقبل شهادة الشاهد؟ قلنا:- نظرًًا إلى ما يكون بين الناس عادة من التنافس، والعداوة التي قد تدفع
صاحبها إلى الشهادة، ولو بغير الحق، ولهذا اشترط على الشهادة على الزنا ما لم يشترط على القتل.
في الشهادة على الزنا لا بد من أربعة شهود -كما قرر الفقهاء- بناءً على تعاليم القرآن الكريم، أما بالنسبة للشهادة على القتل؛ فيكتفى فيها بشاهدين فقط، سبب ذلك أن الشريعة إنما تراعي ظروف الناس، وتراعي ظروف الناس، وتراعي الأحوال التي فيها الناس، وهذا يشهد باعتبار السياسة الشرعية.
أيضًًا من أدلة اعتبار الشريعة، أو اعتبار الأحكام الشرعية، أو السياسة الشرعية أن الشريعة أيضًًا راعت اختلاف الأحوال بما أنشأته من الرخص -يعني: هناك عندنا أحكام رخصة، وأحكام عزيمة- فالشريعة الإسلامية أباحت لبعض الناس رخصة، هذه الرخص في الحقيقة إنما تتعارض مع العزيمة -يعني: مع الحكم الأصلي، الشريعة الإسلامية خففت عن الناس، وأباحت لهم رخصًًا من أجل حاجة الناس، ومن أجل التخفيف عن الناس؛ ولذلك نجد الله تبارك وتعالى يقول:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة من الآية: 185) لكن نجد أن الإنسان إذا كان مسافرًا، ففي هذه الحالة نجد أن الشريعة الإسلامية أباحت للمسافر الإفطار في نهار رمضان، فإذا كان الصيام واجبًا عليه إلا أن الشريعة رخصت عنه، وأباحت له أن يفطر، وهو مسافر. p>
فالشريعة الإسلامية عندما خففت، وعندما رخصت له في ذلك لماذا؟ فعلت ذلك من أجل المحافظة على هذا المسافر؛ لأن السفر فيه مشقة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:((السفر قطعة من العذاب)).
فإذن الشريعة الإسلامية بشرعيتها للرخص؛ هذا يدل على أنها راعت مصالح الناس، وراعت التخفيف عليهم، والتخفيف عن الناس، والتيسير عليهم، ورفع الحرج عنهم إنما يدخل ضمن علم السياسة الشرعية.
ومن الأدلة أيضًًا التي تدل على اعتبار السياسة الشرعية، وأنه يجب أن نأخذ بها أن حالة الناس في هذه العصور المتأخرة قد تغيرت عما كانت عليه في صدر الإسلام، فقد كثر الفساد، وانتشرت في الأمم أمراض اجتماعية تتطلب من أنواع العلاج ما يصلح لهذه الأمم، ويتناسب مع حالها، واستعدادها؛ ليكون أنجع في إزالة تلك العلل، والأمراض على شريطةِ أن ألا يخالف ذلك أصلًا من أصول الإسلام.
ولذلك يقول العلماء -في باب الشهادة-: أنه إذا لم يوجد في بلدٍ إلا غير العدول؛ فإنه يقام أصلحهم، وأقلهم فجورًا للشهادة، ومثل هذا يقال في القضاة وغيرهم؛ حتى لا تضيع المصالح، وتتعطل الحقوق، والأحكام.
وهذا معناه: أنه إذا كان الفقهاء قد اشترطوا في الشهادة أن يكون الشهود عدولًا، بل إن بعض الفقهاء لم يكتف بتحقق هذه العدالة الظاهرية، أو الظاهرة، وإنما قال: لا بد من البحث في بواطن الأمور؛ ولذلك وجد نظام يسمى: نظام المزكين عند القاضي، ومهمة هؤلاء المزكين أن يسألهم القاضي عن أحوال هذا الشاهد؛ فهم يبحثون عن البواطن الخاصة بهذا الشاهد؛ فإذا قال المزكون: إنه لا ينفع للشهادة، على الرغم من العدالة الظاهرة؛ ففي هذه الحالة لا تقبل شهادتهم.
خلاصة القول: أن الفقهاء كانوا يتشددون في موضوع الشهادة، ويشترطون -وكلهم يشترطون ذلك- أن يكون الشاهد عادلا، وهذا مأخوذ من كتاب الله تبارك وتعالى فالله تبارك وتعالى يقول:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} (البقرة: من الآية: 282).
ولذلك قال الفقهاء: لا بد من العدالة في هذا الأمر، لكن مع تطور الأزمان، وبعد الناس عن الوازع الديني، وقلة الوازع الديني عندهم، وهو أننا قد لا نجد
إنسانًًا يشهد، وهو على درجة عالية من العدالة كما طلبها الفقهاء، ونصوا عليها، فما العمل؟ هل تتعطل الحقوق، ولا نقبل شهادة؟ هل أن القاضي لا يأخذ بهذا الدليل للإثبات، وهو الشهادة، وهو الذي يأتي بعد الإقرار، أم ماذا نفعل؟ هل تتعطل الحقوق أم أننا تماشيًا مع الحالات التي، وصل إليها الناس نأخذ بأمرٍ وسط، وهو أننا نقبل شهادة هؤلاء غير العدول، لكننا نختار الأقل فسادًًا، والأقل فجورًا منهم.
إن السياسة الشرعية الحكيمة تقول: نأخذ بشاهدة هؤلاء الذين لم يصلوا إلى مرحلة العدالة الكاملة؛ لأنه يجوز في هذه الحالات التي كادت أن تنعدم فيها العدالة أن نأخذ بأقلهم فسقًًا، وأقلهم فجورًا؛ ليشهد عند القاضي، والقاضي يأخذ بهذه الشهادة، ويصدر حكمه بناءً عليها، هذه الأشياء، أو القول بأنه يجوز قبول شهادة غير العدل إنما الذي جعلنا نقول بذلك إنما هو السياسة الشرعية، لكن لو تمشينا مع القواعد العامة، ومع نصوص الفقهاء فلن نقبل شهادة غير العدل، لكن السياسة الشرعية تقول لنا: إن مصلحة الناس أن لا نعطل باب الشهادة، أن لا نعطل هذه الوسيلة المهمة من وسائل الإثبات، وهي الشهادة؛ ولذلك نأخذ بشهادة غير العدل، لكن نختار من هو أقل فسادًًا، ومن هو أقل فجورًا بالنسبة لموضوع الشهادة، هذا الأمر أيضًًا يتقرر بالنسبة للقضاء، فالفقهاء اشترطوا شروطًا كثيرة بالنسبة للقاضي، وعلى رأسها العدالة؛ فالقاضي إذا كان يشترط في الشاهد العدالة؛ فهي من باب أولى مطلوبة، وبأكثر أهمية في القاضي، لكن نصل لو افترضنا أن حال الناس، وصل إلى أننا لا نجد قاضٍ مستجمع للشروط التي اشترطها الفقهاء؛ فالفقهاء -على سبيل المثال- أكثرهم يشترط أن يكون القاضي مجتهدًا، لكن إذ وصلنا إلى مرحلة وجدنا أن الناس وصلوا إلى درجة لا نجد فيهم قاضٍ مجتهد، فما العمل في هذه الحالة؟ هل نعطل باب القضاء، أم أننا نعين قاضيًا -وإن لم يكن مجتهدًا?
كذلك إذا لم نجد عدلًا، ولم تتحقق العدالة في إنسانٍ ليكون قاضيًا، فما العمل في هذه الحالة? هل نمتنع عن تعيين القاضي، وتتعطل مصالح الناس، ولا يفصل في الخصومات بين الناس، أم أننا نختار أقلهم فسادًًا؟ ونختار أمثل الموجودين؟
إن السياسة الشرعية هنا تظهر وتقول نأخذ أمثل الموجودين، إذا لم تتحقق الشروط في إنسانٍ؛ فنأخذ من يتوفر فيه أكثر هذه الشروط، من أجل ماذا؟ من أجل مصالح الناس، من أجل أن تسير الحياة، من أجل أن لا تتعطل وظيفة القضاء في المجتمع المسلم، لأن القضاء مهم للغاية، ولا نتصور مجتمعًا ليس فيه قضاء يفصل في منازعات الناس.
إذن السياسة الشرعية تتدخل هنا وتقول: نختار الأمثل فالأمثل، سواء بالنسبة إلى الشهادة، أو سواء بالنسبة للقاضي؛ حتى لا تتعطل مصالح الناس، وربما هذا كان معلومًًا، أو كان يستشفه علماء الأحناف الذين لم يشترطوا في القاضي أن يكون مجتهدًا -يعني: نحن لو نظرنا إلى الاجتهاد: هل هو شرط في القاضي، أم لا؟ والله وجدنا جمهور الفقهاء يشترطون في القاضي أن يكون مجتهدًا -يعني: وصل إلى درجة الاجتهاد، لكن الجماعة الأحناف لم يشترطوا ذلك، وجوزوا القضاء للقاضي المقلد الذي يأخذ بمذهبٍ معين.
هذا أيضًًا كأنه نوع من السياسة الشرعية من الجماعة الأحناف؛ ولذلك نصل إلى درجة؛ وهو أنه لا بد من وجود قاضٍ، لا بد من وجود شاهدٍ على الرغم من عدم تحقق الشروط، والذي يقول بذلك إنما هو السياسة الشرعية، السياسة الشرعية التي تقصد في النهاية إلى تحقيق مصالح الناس، وعدم تعطيل باب القضاء في المجتمع المسلم.
من الأدلة أيضًًا على اعتبار السياسة الشرعية أن أحكام السياسة الشرعية ترجع في جملتها إلى قاعدة التيسير، ورفع الحرج عن الناس، ترجع في جملتها، وفي عمومها إلى قاعدة التيسير، ورفع الحرج عن الناس، ومبدأ الحكم بالعدل، والتواصي بالخير، وأن أمر المسلمين بينهم شورى يديرونه بما يحقق مصالحهم، ويكفل سعادتهم، هذه المبادئ محكمة، ومقررة، دل على الاعتداء بها الكتاب، والسنة.
فمن الكتاب قول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} (البقرة: من الآية: 185) وقوله تعالى: {مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج} (المائدة: الآية: 6) وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} (الحج: من الآية: 78) وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (النساء: 58) وقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (الشورى: من الآية: 38).
ويجمع النبي صلى الله عليه وسلم الدين كله في النصيحة فيقول: ((الدين النصيحة -ثلاثَ مراتٍ- قالوا: يا رسول الله، لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)) وهذا الحديث موجود في (سنن الترمذي الطبعة الأولى 1419 هـ -1999 م الناشر دار الحديث القاهرة جـ4 صـ99، باب ما جاء في النصيحة).
فرعاية هذه المبادئ العامة التي تحقق الشورى، والعدل بين الناس، ورفع الحرج عن الناس إنما يحققها علم السياسة الشرعية؛ لأنه قد تبين لنا أن رفع الحرج عن الناس، ومراعاة أحوال الناس إنما يبحثه علم السياسة الشرعية، وكذلك مصالح الناس يبحثها علم السياسة الشرعية، ومصلحة الناس في الحكم بالعدل، ومصلحة الناس في أن تكون الشورى موجود:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر} ، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} .
من الذي ينظم الشورى؟ صحيح أن الله تبارك وتعالى أمرنا بإقامة الشورى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر} (آل عمران: من الآية: 159) وقال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} لكن كيفية المشاورة، ما هي الوسيلة التي تتحقق بها المشاورة? هذا تركه القرآن الكريم لعلم السياسة الشرعية.
يأتي علم السياسة الشرعية هو الذي يحقق هذه الأشياء، إذا كانت هناك قاعدة رفع الحرج عن الناس، فكيفية تحقيق هذه القاعدة، الذي يبين لنا كيفية التحقيق تحقيق هذه القاعدة، وتطبيقها على الناس إنما هو علم السياسة الشرعية، إذا كان القرآن الكريم يأمرنا بالحكم بالعدل،
فكيف يتحقق العدل بين الناس؟ وما هي الوسائل التي تحقق هذا العدل، كل هذه الأمور يقوم بها علم السياسة الشرعية، وكذلك إذا كان الله تبارك وتعالى يأمرنا بالشورى بقوله:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ، وقوله:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر} (آل عمران: من الآية: 159) فهذا هو المبدأ -مبدأ الشورى بين المسلمين- لكن كيف تتحقق الشورى؟ وما هي الوسائل التي تتحقق بها هذه الشورى؟ وما هي الطرق التي يتم بها الشورى؟ هذا متروك لعلم السياسة الشرعية، لماذا كان متروكًًا لعلم السياسة الشرعية؛ لأن علم السياسة الشرعية إنما يعمل على تحقيق مصالح الناس وفقًًا للأحوال التي هم فيها، وفقًًا للبيئات التي هم فيها؛ لأنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.
إذن السياسة الشرعية هي التي تحقق لنا هذه المبادئ من الحكم بالعدل، ومن الشورى، ومن رفع الحرج عن الناس، والمشقة عنهم؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم جعل السياسة الشرعية كأنها تقوم بالنصيحة للمسلمين عندما قال:((الدين النصيحة)) لكن من ينصح؟ من ينصح المسلمين، وعامة المسلمين، وأئمة المسلمين؟ كما قلنا- القانون: السياسة الشرعية، أو علم السياسة الشرعية هو الذي يبين ذلك.
رعاية هذه المبادئ -كما قلنا- المبادئ العامة -كما قلنا- التي جاء بها الإسلام مبادئ عامة، لكن التفصيلات، وإجادة فهمها، ومعرفة مواطن هذه المبادئ كفيلة بأن تفتح على الناس أبوابًًا واسعة ينفذ منها كل من له شأن في سياسة الأمم، ومن يعنيه أن تقوم شئونُها على قواعد الصلاح، والرشاد.
خلاصة القول في هذا الدليل -الذي يدل على أننا في حاجة إلى علم السياسة الشرعية- أن هذه القواعد العامة -كما قلنا- سواء بالنسبة للحكم بالعدل بين الناس، وتنظيم القضاء، أو إقامة الشورى عند المسلمين، أو رفع الحرج، والتيسير عن الناس، هذه المبادئ العامة التي يقوم بتنظيمها إنما هو علم السياسة الشرعية، لماذا لم ينص على كيفية ذلك في الكتاب،