الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
معاني الخلافة والإمامة، وحكم نصب الإمام
معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام
الحمد لله رب العاملين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعاملين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نتحدث الآن عن معاني الخليفة والإمامة، وغير ذلك من المسائل المتصلة بهما، فنقول -وبالله التوفيق-:
قبل الكلام في المذاهب الإسلامية حيال نصب الرئيس الأعلى للدولة، سنتعرض أولًا لبيان الألقاب التي كانت تطلق على القائم بأمور المسلمين، فألقاب: الخليفة، وأمير المؤمنين، والإمام، كانت تطلق على من له السلطة التنفيذية العليا في الدولة الإسلامية، وكان لكلٍّ منها ظروف وملابسات تاريخية، أدت إلى ظهروه وإطلاقه على رئيس الدولة.
الخلافة:
في الأصل مصدر "خَلَفَ" يقال: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي قَوْمِهِ يَخْلُفُهُ خِلَافَةً فَهُوَ خَلِيفَةٌ. قال صاحبا القاموس وشرحه: وَخَلَفَهُ فِي قَوْمِهِ خِلَافَةً. والقياس يقتضيه؛ لأنه بمعنى الإمارة. وفي كتب اللغة ما يدل على أن الفعل "خَلَفَ" يدل على قيام إنسان مقام آخر فيما كان يقوم الأول به، سواء كان الأول هو الذي استخلفه، أم جاء الثاني بعده دون أن يستخلفه الأول، ففي الصحاح ويقال: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا كَانَ خَلِيفَةً. يقال: خَلَفَهُ فِي قَوْمِهِ خِلَافَةً. ومنه قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} (التوبة: من الآية: 142) وخَلَفْتُهُ أيضًا: إذا جئت بعده. وفي (مختار الصحاح): وخَلَفَ فُلانٌ فُلَانًا إِذَا كَانَ خَلِيفَتَهُ. يقال: خَلَفَهُ في قومه، ومنه قوله تعالى:{اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} وخَلَفَهُ أَيْضًا جَاءَ بَعْدَهُ.
ومن ذلك يتبين أن لفظ "الخلافة" في الأصل مصدر "خَلَفَ" ثم بعد ذلك أطلق في العرف العام على الزعامة العظمى، وهي الولاية العامة على سائر أفراد الأمة، والقيام بتيسير شئونها، والنهوض بكل ما يحقق مصالحها وفق ما أمر به الشارع تبارك وتعالى.
مَن يُطلَق عليه اسم الخليفة؟
اختلف العلماء فيمن يستحق ممن يتقلّد رياسة الدولة أن يطلق عليه اسم الخليفة:
- فذهب بعض أئمة السلف -ومنهم الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى كراهة إطلاق اسم الخليفة على من جاء بعد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما واحتج أصحاب هذا الرأي بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم مِلك بعد ذلك)).
- وذهب بعض آخر من السلف إلى القول بأن اسم الخليفة يطلق أيضًا على أي شخص بعد الحسن بن علي إذا تولّى رياسة الأمة، لكن يشترط في هذا الإطلاق أن يكون من تولى هذا المنصب جاريًا على منهاج العدل وطريق الحق، مستدلين بما رُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل طلحة، والزبير، وكعبًا، وسلمان، عن الفرق بين الخليفة والملك، فقال طلحة والزبير: لا ندري. وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية، ويقسم بينهم بالسوية، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، والوالد على ولده، ويقضي بينهم بكتاب الله تعالى. فقال كعب: ما كنت أحسب أن في هذا المجلس من يفرق بين الخليفة والملك، ولكن الله تعالى ألهم سلمان حكمًا وعلمًا.
ولكن العرف العام جرى من صدر الإسلام على أن اسم الخليفة يطلق على كل من قام بأمر المسلمين القيام العام، ويمكن أن يجاب على الاستدلال بحديث: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة
…
)) الخلافة الكاملة لا مطلق الخلافة.
من تكون عنه الخلافة؟
اختلف العلماء فيمن تكون عنه الخلافة على أربعة أقوال:
الأول: أن الخلافة تكون عن الله تعالى، فيقال في الرئيس الأعلى في الدولة: خليفة الله؛ لأن الإمام الأعظم يقوم على رعاية حقوق الله تعالى في خلقه، واحتجوا بقوله سبحانه:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ} (الأنعام: من الآية: 164).
الثاني: أنه لا يجوز أن يقال على أحد أنه خليفة الله إلا آدم وداود عليهما السلام وذلك لقول الحق سبحانه في حق آدم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: من الآية: 30) ولقوله سبحانه في حق داود: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} (ص: من الآية: 26).
الثالث: ويقول أنه يجوز إطلاق اسم خليفة الله على سائر الأنبياء عليهم السلام.
الرابع -وبه قال جمهور الفقهاء -: أنه لا يجوز خليفة الله، ونسبوا قائل ذلك إلى الفجور، وإنما يقال:"الخليفة" بإطلاق، أو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أن يقال: خليفة الله؛ فلأنه إنما يكون الاستخلاف في حال الموت أو الغيبة، والله سبحانه باقٍ على الأبد، لا يلحقه موت، ولا يجوز عليه غيبة. وأما أنه يقال له: خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأنه قد خلفه في أمته في رياسته العامة في أمور الدين والدنيا معًا.
ويؤيد هذا الرأي الذي نعتبره أرجح الآراء -وهو رأي الجمهور الذي يقول أنه لا يجوز أن يقال: خليفة الله، وإنما يقال: الخليفة بإطلاق، يعني بدون أن ننسبه إلى شيء، أو نقول أنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه ابن مليكة: أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: يا خليفة الله. فأنكر عليه أبو بكر ذلك، وقال: لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رجل لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: يا خليفة الله. قال له عمر: ويلك! لقد تناولت متناولًا بعيدًا، إن أمي سمتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلت، ثم كبرت فكنيت أبا حفص، فلو دعوتني به قبلت، ثم وليتموني أموركم فسميتموني أمير المؤمنين، فلو دعوتني بذلك كفاك.
ومن ذلك يتبين أنه لا يصلح أن يطلق على أحد مهما كان، سواء كان رسولًا أو غير رسول، خليفة الله؛ لأننا إذا نظرنا إلى تعليل ذلك بأنه إنما يستخلف من يموت أو يغيب، والله سبحانه منزّه عن الموت والغيبة، أدركنا أن ذلك ممتنع أيضًا في حق آدم وداود وغيرهما من سائر الرسل عليهم السلام والآيتان اللتان استدل بهما القائلون بأنه يجوز إطلاق خليفة الله على آدم وداود عليهما السلام ليس فيهما إطلاق خليفة الله على كلٍّ منهما، وإنما ذكر في الآيتين إطلاق لفظ "خليفة" مجردًا عن الإضافة إلى الله عز وجل ولا شك أنه لا يجوز إطلاق لفظ "خليفة" على كل من يتولى الإمامة العظمى، ولو فرضنا أن الدليل قد قام على جاز إطلاق خليفة الله على كل منهما -أي آدم وداود عليهما السلام ففي هذه الحالة لا تعدو الإضافة إلا أن تكون للتعظيم باعتباره قائمًا على تنفيذ أحكام الله في عباده.
لقب أمير المؤمنين:
بعد أن بويع لأبي بكر بالخلافة أصبح الناس يسمونه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزالوا هكذا يسمونه بذلك إلى أن توفاه الله تبارك وتعالى فلما بويع لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن رشحه أبو بكر الخلافة، كان يسمونه خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمروا على ذلك وقتًا، وكأنهم استثقلوا ذلك؛ إذ سيؤدي إلى التطويل وتتابع الإضافات بتابع الرؤساء، فمجرد أن لَاحَ لهم لقب آخر غير الخليفة استحسنوه وأصبح لقبًا على الإمام الأعظم أو على رئيس الدولة، هذا اللقب هو لقب أمير المؤمنين، وأول ومن سمي به من الرؤساء بالإجماع هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كتب عمر لعامله في العرق: "أن ابعث إلي برجلين جَلَدين نبيلين أسألهما عن
العراق وأهله" فبعث إليه لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم الطائي، فلما قدِما المدينة أناخا راحلتاها بفناء المسجد، ودخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه؛ نحن المؤمنون وهو أميرنا، فدعوه بذلك، وذهب لقبًا له في الناس وتوارثه الخلفاء بعد عمر رضي الله عنه ثم إن الشيعة كانوا يطلقون على علي بن أبي طالب لقب الإمام، تعريضًا لما يذهبون إليه من أن علي بن أبي طالب أحق بإمامة الصلاة من أبي بكر -أي أحق بالإمامة العظمة منه- فهو يزعمون أن علي بن أبي طالب كان أفضل من أبي بكر، فهو أحق منه بالإمامة -أي الخلافة- فخصوا عليًّا بلقب الإمام، وأطلقوه على كل من جاء بعده ممن يعتقدون بأحقيته في هذا المنصب، فيسمونه الإمام ما داموا يدعون له في الخفاء، فإذا ما تمكنوا من السيطرة على الدولة يحولون اللقب فيمن بعده إلى أمير المؤمنين، كما فعله شيعة بني العباس؛ فإنهم ما زاولوا يدعون أئمتهم بالإمام إلى إبراهيم الذي جهروا له بالدعاء له وعقدوا على الحرب بأمره، فلما هلك دعي أخوه السفاح بأمير المؤمنين.
لفظي الإمام والإمامة:
أحب أن أشير بادئ ذي بدء إلى أن المباحث المتّصلة بموضوع رياسة الدولة لم تشتهر في البحوث الكلامية أو الفقهية بمباحث الخلافة أو إمارة المؤمنين، وإنما اشتهرت بمباحث الإمامة، ومع أن الخلافة، وإمارة المؤمنتين، والإمامة، كلها تشير إلى معنى واحد هو رياسة الدولة الإسلامية، إلا أن هناك سببًا أدى إلى شيوع المباحث المتصلة بهذا الموضوع بمباحث الإمامة، هو -كما قلنا سابقًا- أن الشيعة كانوا أول
من بحث موضوع الإمامة العظمى، وكما كانوا يسمون القائم بأمر المسلمين الإمامَ، سموا المباحث المتصلة بهذا المنصب بمباحث الإمامة، فلما اشتبك معهم خصومهم في الجدل حول هذه المسالة، لم يجدوا مانعًا من استعمال نفس مصطلحاتهم، وبخاصة وأن إمامة الصلاة تعتبر أرقى الوظائف الدينية، فأصبح الحوار يدور بين الشيعة وخصومهم بنفس اللغة التي ابتدعها الشيعة، وأصبح تقليدًا صار عليه كل من تعرض لهذا الموضوع، لا يجد ما يدعوه إلى تغييره، وأيضًا فإن لفظ "الإمام" قد ورد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة؛ إذ سمى الله إبراهيم وغيره إمامًا في قوله سبحانه:{وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} (البقرة: من الآية: 124) وقال سبحانه: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} (الأنبياء: 72 - 73)
المعنى اللغوي لكلمة "إمام":
يقول الفيروزآبادي: والإمام ما ائتُمّ به من رئيس أو غيره، والخيط يمدّ على البناء فيبنى، والطريق، وقَيِّم الأمر: المصلِح له، والقرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم والخليفة، وقائد الجند، وما يتعلمه الغلام كل يوم، وما امتثل عليه المثال والدليل والحال.
وفي الصحاح: والإمام خشبة البناء التي يسوّى عليه البناء، والإمام الصقع من الأرض -أي القطعة من الأرض أو المكان من الأرض- والطريق، قال تعالى:{وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} (الحجر: من الآية: 79) والإمام: الذي يهتدي به.
ويقول ابن منظور في مادة "أمّ": الأَمُّ بالفتح: القصد، أَمّهُ أمًّا إذا قصده، وفي حديث كعب بن مالك: ((ثم يؤمر بأمِّ الباب على أهل النار فلا يخرج منه غم
أبدا)) أي يقصد إليه فيسدّ عليهم. وتيمّنت الصعيد للصلاة، ثم يقول: فأمّ القومَ وأمّ بهم: تقدّمهم، وهي الإمامة. والإمام: كل من ائتم به، قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، والإمام من ائتم به من رئيس وغيره، والجمع أئمة، وفي التنزيل العزيز:{فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} (التوبة: من الآية: 12) أي قاتلوا رؤساء الكفر وقادتهم الذين ضعفاؤهم تبع لهم.
ومما كل ما سبق يتبين أن كلمة "إمام" قد استعملت في اللغة لمعانٍ مختلفة، منها القدوة، ومنها التقدم، والهداية، والإرشاد، وللشيء يكون نموذجًا، وللإنسان يكون مثالًا للاقتداء به، ويكون في موقف القيام بإصلاح الأمور ورياسة الناس.
والإمامة مصدر "أمّ" يقال: فلان أمّ الناس: إذا صار لهم إمامًا يتبعونه، فإذا كان الاتباع في الصلاة فهي المعروفة بالإمامة الصغرى، وإذا كان الاتباع في الأوامر والنواهي فهي الإمامة العظمى، أي رياسة الدولة، ويجب أن يلاحظ أنه إذا ما أطلقت كلمة "الإمامة" لأحد المسلمين فلا تحمل إلا على معنى الإمامة العظمى، أما إذا كان المراد أن يوصف أحد بإمامة في فرع من فروع العلم أو غيره، فلابد من الإضافة، فيقال مثلًا: البخاري إمام الحديث، وأبو حنيفة إمام الفقه، وفلان إمام بني فلان. وكما لا يجوز أن تستعمل الإمامة مطلقة إلا في الرئيس الأعلى للدولة، فكذلك الخلافة وإمارة المؤمنين. وأما ما ورد من أنه قد سمي كل من ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جهةً من الجهات، أو سرية أو جيشًا، كعبد الله بن جحش، وأسامة بن زيد -مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمكن أن يقال: إنهم إذا أطلقوا على هؤلاء إمارة المؤمنين فـ"أل" الموجودة في كلمة "المؤمنين" كانت للعهد، أي المؤمنين الذين كانوا مع كل منهم؛ لأن كلًّا منهم في الواقع ليس أميرًا لكل المؤمنين، بل أميرًا لبعضهم؛ ولذا