المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية - السياسة الشرعية - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها

- ‌ مفهوم السياسة الشرعية

- ‌شروط العمل بأحكام السياسة الشرعية

- ‌موضوعات علم السياسة الشرعية

- ‌مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام

- ‌اعتبار المصالح المرسلة دليلًا لاعتبار أحكام السياسة الشرعية

- ‌الدرس: 2 مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة

- ‌خبرة النبي عليه الصلاة والسلام بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة

- ‌القواعد التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة

- ‌أهم المعالم للنظم الانتقالية التي وضعها النبي في المدينة

- ‌النظم الأساسية التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌تابع: النظم التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌الدرس: 3 النظام المالي للدولة الإسلامية

- ‌الزكاة من أهم الموارد المالية في عهد النبي

- ‌أهم الموارد المالية في عهد النبي: الغنائم، الفيء، الجزية

- ‌النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق

- ‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌تابع: تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌النظام المالي في عهد عثمان بن عفان

- ‌النظام المالي في عهد علي بن أبي طالب

- ‌المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌تابع: المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌موقف عمر بن عبد العزيز من الأخطاء المالية في عهد الأمويين

- ‌الدرس: 4 العمومية المعنوية والمادية للزكاة

- ‌المقصود بالشخص الطبيعي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون

- ‌الخلطة في الأنعام كمثال للشخص المعنوي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء من تأثير الخلطة في الزكاة

- ‌حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌تابع: حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌تابع: الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌الدرس: 5 بقية أنواع الزكوات والعوامل التي تساعد على تحقيق العمومية فيها

- ‌الزكاة في الذهب والفضة

- ‌الزكاة في الحلي المباح والمحرم، وآراء الفقهاء

- ‌ما تجب فيه الزكاة من الحرث

- ‌زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر

- ‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

- ‌تجنب الازدواج في أداء الزكاة، وتجنب الراجعية في الزكاة

- ‌محاربة التهرب من أداء الزكاة

- ‌الدرس: 6 الجزية والخراج والعشور

- ‌العمومية في الجزية

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

- ‌مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تاريخ الخراج، والعمومية فيه

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج

- ‌مراعات ظروف الممول في الخراج

- ‌من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور

- ‌الدرس: 7 النظام السياسي الإسلامي

- ‌مصطلح السياسة منذ بداية الدولة الإسلامية

- ‌مرتكزات السياسة في الإسلام

- ‌مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم

- ‌السنة

- ‌حجيه السنة بجميع أنواعها

- ‌الإجماع

- ‌القياس

- ‌الاستحسان

- ‌المصالح المرسلة

- ‌العرف

- ‌الدرس: 8 قواعد النظام السياسي الإسلامي

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: أولا: الحاكمية لله

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: ثانيا: الشورى

- ‌تابع: أدلة الشورى

- ‌تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها

- ‌كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى

- ‌مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك

- ‌أهل الشورى، والشروط اللازم توافرها فيهم

- ‌الدرس: 9 قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌ العدالة

- ‌صور العدالة في القرآن

- ‌مسئولية الحكام

- ‌تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام

- ‌مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي

- ‌ الحريات الشخصية

- ‌الحرية الفكرية

- ‌تابع: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي: حرية التجمع

- ‌الحريات الاقتصادية

- ‌الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي

- ‌سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌الدرس: 10 الإمامة

- ‌مسئولية الحاكم أمام الأمة الإسلامية "مشروعية المسئولية

- ‌ الحكم عند العرب قبل الإسلام

- ‌الإمامة مبحث فقهي

- ‌معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام

- ‌معنى الإمامة العظمى

- ‌حكم نصب الإمام

- ‌القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ

- ‌الدرس: 11 شروط الإمامة العظمى

- ‌شروط الإمامة العظمى

- ‌العدالة

- ‌صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب

- ‌الكفاية الجسمية، والكفاية النفسية

- ‌شرط القرشية، وتولية الأفضل

- ‌الدرس: 12 طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌تابع انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة

- ‌انعقاد الإمامة بطريق النص

- ‌واجبات الإمام

- ‌حقوق الإمام

- ‌ تابع حقوق الإمام

- ‌انتهاء ولاية الإمام

- ‌الدرس: 13 توجيهات الفكر الإداري الإسلامي

- ‌العمل فريضة إسلامية

- ‌خصائص العمل في الإسلام

- ‌طبيعة تكوين المنظمة

- ‌تابع طبيعة تكوين المنظمة

- ‌الرقابة ومتابعة الإنجاز

- ‌العلاقات الإنسانية في العمل الجماعي

- ‌وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة

- ‌التوظيف حسب الجدارة

- ‌وجود قيادة سوية

- ‌الدرس: 14 المنهج الإداري في الإسلام

- ‌مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري

- ‌ التخطيط لنشر الدعوة

- ‌التخطيط للهجرة

- ‌تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة

- ‌المنهج الإسلامي في التنظيم

- ‌المنهج الإسلامي في الرقابة

- ‌الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإدارة في عهد أبي بكر رضي الله عنه

- ‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

- ‌الدواوين التي أنشاها عمر بن الخطاب

- ‌التجنيد الإجباري، ونشأة بيت المال

- ‌ رقابة عمر بن الخطاب لعماله

- ‌الإدارة عند الأمويين

- ‌الدرس: 15 أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات

- ‌مقدمة عن الوزارة في الدولة الإسلامية

- ‌وزارة التفويض

- ‌وزارة التنفيذ

- ‌مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ

- ‌الإمارة على الأقاليم

- ‌ أنواع الإمارة على الأقاليم

- ‌الأسس التي قامت عليها علاقة المسلمين بغيرهم

- ‌حرية العقيدة

- ‌العدل

- ‌الوفاء بالعهد

- ‌الفضيلة

- ‌التسامح

- ‌الرحمة

- ‌أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم

- ‌أحكام الدارين

- ‌مقدمة عن المعاهدات في الإسلام

- ‌أنواع المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌الدرس: 16 القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي

- ‌ مشروعية القضاء وأهميته

- ‌تاريخ القضاء في الإسلام

- ‌أركان القضاء

- ‌الدعوى وشروطها

- ‌ الدعوى:

- ‌تعارض الدعويين مع تعارض البينتين

- ‌وسائل الإثبات

- ‌ التثبت من وسائل الإثبات

- ‌الحكم

- ‌القضاء في المملكة العربية السعودية

الفصل: ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

المال، ولهذا أُعفي منها الأعمى، والمقعد، والفقير، والمسكين، وهذا يُفهم من قوله تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: من الآية: 29) والإعطاء يكون بالضرورة من المال الذي يكون في حوزة الأفراد، سواء بالدفع، أو بالضمان، ولذلك فاوت عمر بن الخطاب في مقدار الجزية؛ تبعًا لمقدار المال الذي يملكه الممول، فإذا كثر ماله زيد عليه مقدارها، وإن قل ماله نقص مقدراها، فقد أقر الزيادة فيها على أهل الشام، والعراق؛ لغناهم، وخفضها على أهل اليمن؛ لقلة مواردهم المالية.

وإذا كانت الجزية أصلها الدراهم، والدنانير، والطعام، إلا أنه يجوز أخذ العروض، والحيوان، بدلًا من النقدين، فقد كان عمر بن الخطاب يأخذ فيها الإبل، وكانت تأتيه من الشام نعم كثير من الجزية، وكان علي بن أبي طالب يأخذها من كل ذي صنع من صاحب الإبر إبرًا، ومن صاحب المسان مسان، ومن صاحب الحبال حبالًا، أي أنهم كانوا يراعون ظروف المكلف، ولا يضيقون عليه.

‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

ونتحدث الآن عن العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية:

رأينا كيف اهتم التشريع الإسلامي بتحقيق العمومية في الجزية، سواء كانت العمومية الشخصية، أو العمومية المادية، إلا أنه لم يكتف بتأكيد هذا، بل عمل على ضمان تحققها، فقد تكون العمومية متوفرة، ولكن قد يأتي العمل ليخل بها، وبالتالي نجد التشريع الإسلامي في نفس الوقت الذي يهتم فيه بإظهار الجوانب المختلفة لهذه العمومية، يعمل جاهدًا على إبعاد كل ما من شأنه الإخلال بها.

ص: 260

وهناك عدة عوامل تساعد على ضمان تحقيق العمومية في الجزية، ومن أهمها: منع الازدواج في الجزية، وتجنب الراجعية في الجزية، ومحاربة التهرب من الجزية.

فبالنسبة لمنع الازدواج في الجزية:

ورد في الآثار التي رويت في صلح نجران، أن عليهم ألفي حلة من حلل الأواقي، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، مع كل حلة أوقية من الفضة، فما زادت على الخراج، أو نقصت عن الأواقي فبالحساب، وبذلك تكون السنة المطهرة قد أرشدت إلى أن الازدواج في الجزية ظلم، ومن ثم فلا ازدواج فيها، ودل على ذلك أن ما زاد على الخراج من صلح النصارى نجران كان بالحساب، فيرد إليهم الفرق، أو يحسب من جزاء السنة القادمة، وأرشد إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:((ألا من ظلم معاهدًا، أو كلفه فوق طاقته، أو انتقصه، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة)).

وتطبيقًا لعدم الازدواج في الجزية كانت تختم رقاب المكلفين بالجزية وقت الجباية، حتى يفرغ من عرضهم، ثم تكسر الخواتيم، كما فعل بهم عثمان بن حنيف، إن سألوا كسرها، وكذلك ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عماله أن يختموا رقاب أهل الذمة؛ وذلك إحكامًا للدقة في الجباية، حتى لا يفلت من الضريبة من فرضت عليه، وحتى لا تكون هناك ثنية في الجزية، يعني ازدواج في الجزية.

هذا وقد نظمت طريقة أداء الضريبة، حيث أمر ولاة الأمور جباةَ الضريبة أن يعطوا الممولين ما يثبت أنهم دفعوا المستحق عليهم؛ ليكون ذلك حجة لهم تمنع المطالبة به مرة أخرى في نفس السنة عن المال نفسه. وبالنسبة لمنع الازدواج في الجزية نقول: الأصل أن توزع الأعباء، أي أعباء الجزية على المكلفين بها توزيعًا عادلًا، يتفق وقدرة المكلفين المالية، وبحيث لا

ص: 261

يؤدي المكلف القدر الواجب عليه مرتين في نفس السنة، فإذا حدث ازدواج في أداء الجزية، فإن الشخص الذي لحقه هذا الازدواج يكون قد تحمل عبئًا ماليًّا، أكبر من العبء الذي يتحمله مكلف آخر له نفس المقدرة المالية التي للمكلف الأول، وبهذا تنتفي المساواة بين المتماثلين، وفي هذا إهدار لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود بين المكلفين بأداء الجزية، ومن ناحية أخرى فإن الشخص الذي لحقه الازدواج سيفقد الثقة في الجهاز القائم على تحصيل الجزية؛ نتيجة شعوره بظلم وقع عليه، وهذا ما قد يؤدي إلى التهرب ما يجب عليه من جزية، والتهرب -كما ذكرنا سابقًا- يهدر مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكاليف المالية المقررة، أما في حالة العمل على منع هذا الازدواج فإن كل مكلف سيتحمل قدرًا من التكاليف المالية، يتناسب مع مقدرته المالية، وبالتالي سيتحقق مبدأ المساواة بين المواطنين في تحمل التكليف بالجزية.

وبالنسبة لموضوع تجنب الراجعية في الجزية نقول:

فُرضت الجزية على أهل الذمة، وحُدد مقدراها، والخاضعون لها، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا، أو عدله من المعافر، كما حدد عمر بن الخطاب مقدار الجزية، وجعلها متدرجة، ففرضت على الغني جزية مقدارها 48 درهمًا في السنة، وفرضت على المتوسط بمقدار 24 درهمًا في السنة، وفرضت على العامل اليدوي 12 درهمًا في السنة، وحُدد ميعاد أداء الجزية بما يتفق ومصلحة المكلفين، وكان ذلك يختلف باختلاف الجهات، والأقطار، وهي عادة تؤخذ عند نهاية الموسم الزراعي، وعند بيع الغلة؛ تيسيرًا على دافعيها، وهذه الجزية محددة المقدار ولا يجوز تعديلها من أي من الأطراف المتعاقدة،

ص: 262

أما في حالة عدم النص على مقدار الجزية في عقد الصلح، فلولي الأمر أن يضع عليهم الجزية حسب مقدرتهم التكليفية، فقد رَوي ابن شهاب أن عمر بن الخطاب كان يأخذ ممن صالحه من أهل العهد ما صالحهم عليه، لا يضع عنهم شيئًا، ولا يزيد عليهم، ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئًا نظر عمر في أمورهم، فإن احتاجوا خفف عنهم، وإن استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم.

ويتبين لنا من خلال ما تقدم أن التشريع الإسلامي راعى في تنظيمه للقوانين المنظمة للجزية عدم كثرة تلك القوانين، وجعلها واضحة محددة، لا تثير أي تحايل، ومن ثم سد الباب أمام التفسيرات والاجتهادات المختلفة بالنسبة لهذه القوانين، وبالتالي قضى على الثغرات التي بواسطتها قد يتمكن المكلف بالجزية من نقل عبء الجزية الذي يتحمله إلى غيره من المكلفين بها، وهذا معناه تجنب الراجعية في الجزية، وبتجنب تلك الرجعية تتحقق المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بالجزية، كل حسب مقدرته المالية.

وبالنسبة لمحاربة التهرب من أداء الجزية نقول:

عمل المسلمون على محاربة التهرب من أداء الجزية، فقد جاءت في المعاهدة التي تمت بين حبيب بن مسلمة، وبعض البلاد التي افتتحها: بالأمان لكم، ولأولادكم، ولأهاليكم، وأموالكم، وصوامعكم، وبيعكم، ودينكم، وصلواتكم، على إقرار بصغار بالجزية، على أهل كل بيت دينار واف، ليس لكم أن تجمعوا بين متفرق من الأهلات -أي البيوتات- استصغارًا منكم للجزية، ولا لنا أن نفرق بين مجتمع؛ استكثارًا منا للجزية.

ص: 263

معنى ذلك أنه فرض عليهم، على كل بيت دينارًا، لكن طلب منهم أن لا يضموا البيوت إلى بعضها، وبالتالي يدفعوا دينارًا واحدًا، وأيضًا بين لهم أننا لن نظلمهم، ولن نأخذ إلا من كل بيت دينارًا واحدًا، فهذا يدل على أنه لا يجوز الجمع بين المتفرق من العائلات، بقصد التحايل لإنقاص الجزية؛ لأن كل بيت مطالب بدينار، فلو جمعوا عائلتين أو أكثر في عائلة واحدة، لنقص المقدار الواجب عليه.

وأيضًا فإن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله على الجزية أن يختموا رقاب أهل الذمة؛ وذلك إحكامًا للدقة في الجباية، حتى لا يفلت من الضريبة -أي يتهرب منها- من فرضت عليه.

وسائل مكافحة التهرب من الجزية:

هناك العديد من الوسائل التي من شأنها العمل على منع التهرب من أداء الجزية، نذكر من أهمها:

أولًا: عدل عمال الجباية:

إن من أهم الأسباب التي تدعو الممولين إلى التهرب من الالتزام المالي الواجب عليهم، هو ظلم عمال الجباية، فالرفق بالممولين -كما يقول ابن خلدون- يزيد من حصيلة الضريبة، والظلم ينقصها، بل قد يؤدي إلى خراب البلاد، وأيضًا فإن محاباة بعض المتكلفين بالمعاملة الحسنة من جانب عمال الجباية من شأنه أن يدعو غير المحابين من المكلفين بالتهرب من أداء ما يجب عليهم من الجزية، وذلك بسبب التفرقة بينهم وبين غيرهم في المعاملة من جانب عمال الجباية، ولذلك نجد

ص: 264

أن تعاليم الإسلام دعت إلى أن يكون عمال الجباية عادلين في معاملتهم للممولين، رفقاء بهم، فلا يفرق الجابي بين مسلم وغير مسلم، ولا يكلفه ما لا يطيق، ولا يضربه، ولا يحبسه، ولا يجعل في أبدان المكلفين شيئًا يكرهونه، ولكن يكون رفيقًا بهم، فقد روي عن هشام بن حكيم بن حزام أنه مر على قوم يعذبون في الجزية بفلسطين، فقال هشام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا)).

وكثيرًا ما أوصى الخلفاء عمالَ الجزية بمراعاة العدالة في تحصيلها، وحسن معاملة المكلفين بها، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، ومن الأدلة على ذلك ما رواه أبو عبيد من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتاه مال كثير من الجزية، فقال لعمال الجزية: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس، قالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفوًا، قال: فلا صوت، ولا نوط؟ يعني: لم تضربوا الناس؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي، ولا في سلطاني، فقد خشي عمر بن الخطاب -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- عندما رأى هذا المال الكثير الذي جاءوا به، خشي أن يكون ذلك بسبب أنهم أخذوا ما لا يستحقون من أهل الذمة، وتأكد من أنهم لم يظلموا أهل الذمة، وبالتالي حمد الله تبارك وتعالى أنه لم يكن هناك ظلم لأهل الذمة في عهده.

ومن الأدلة الدالة لى أن التشريع الإسلامي لا يسمح لعمال الجزية بظلم المكلفين بها، بل يأمرهم بالرفق بهؤلاء المكلفين، وبتحقيق المساواة التامة بينهم، ما جاء في الأمر الذي وُجد بين أوراق البردي اليونانية المحفوظة في المتحف البريطاني، والتي نقلها إلينا الدكتور "تِرْتُن" في كتابه (أهل الذمة في الإسلام) فقد نقل إلينا كلامًا من هذا الأمر موجهًا من حكام المسلمين إلى من يتولى أمر الجزية جاء فيه:

ص: 265

ولا تجعلنا نعرفك أنك قد ختمت أهل كورتك -يعني بلدتك- بأي صورة من الصور في مسألة الضريبة التي كلفت بها، أو أنك حابيت، وظلمت أحدًا في جمعها؛ لأننا نعرف أن الأشخاص المكلفين بدفعها لا بد وألا يطيعوا بعض أوامرك، فإذا وجدت أنهم -أي عمال الجزية- قد عاملوا أحدًا ما بلين زائد، نتيجة محابتهم إياه، أو أثقلوا عليه غاية الإثقال؛ لكراهيتهم إياه، فإننا سنقتص منهم في أشخاصهم، وأملاكهم؛ تنفيذًا للشرع، ومن ثم أنذرهم، وحذرهم، وأخبرهم ألا يرهقوا عاملًا، وألا يحملوه ما لا يطيق، حتى ولو كان بعيدًا عنهم، أو ليس من زمرتهم، في جمع الضريبة، ولكن تجب معاملة الجميع بالعدل، وأخذ الشيء من كل منهم بقدر طاقته، هذا كلام منقول عن غير المسلمين يشهدون للمسلمين بالعدل، وقد ورد هذا الكلام في كتاب (أهل الذمة في الإسلام) تأليف الدكتور "تِرْتُن" ترجمة حسن حبش، الطبعة الثانية 1967 الناشر دار المعارف بمصر، صفحة 163 وما بعدها.

وهذا النقل عن كتاب "تِرْتُن" في كتابه (أهل الذمة) يبين أن الولاة كانوا يأمرون الذين يتولون أمر جباية الجزية والخراج بأن يراقبوا عمال الجباية، ويطلبوا منهم ألا يظلموا أحدًا، حتى ولو كان بعيدًا عنهم، ليس في زمرتهم، ولا يمشي معهم، ولا غير ذلك، وهذه شهادة من غير المسلمين على عدل المسلمين في جبايتهم للجزية.

وهكذا نجد أن الإسلام يأمر عمال الجزية بتحقيق العدالة الكاملة بالنسبة للمكلفين بالجزية، ولا شك أنه سيكون لذلك أثر طيب في نفوس هؤلاء المكلفين، حيث يجعلهم لا يفكرون مطلقًا في التهرب من أداء المقدار الواجب عليهم من هذه الضريبة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تحقيق المساواة الكاملة بين المكلفين بأداء الجزية، كل حسب مقدرته المالية.

ص: 266

وبالنسبة لحصر الممولين، والذي يساعد على منع التهرب من دفع الجزية نقول:

إن حصر الممولين، وأموالهم، من شأنه أن يؤدي إلى إمكان تقدير الجزية، وجبايتها بكل دقة، وبالتالي يمنع التهرب من أداء الجزية، ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب أمر بإحصاء أهل السواد، فأحصوا، ووضعت عليهم الجزية، كذلك فعل عبد الملك بن مروان، حيث بعث إلى عامله على الجزيرة الضحاك بن عبد الرحمن الأشعري، وأمره أن يحصي الجماجم -أي الناس- وجعل الناس كلهم عمالًا بأيديهم، وحسب ما يكسب العامل في سنته كلها، ثم طرح من ذلك نفقته في طعامه، وأدمه، وكسوته، وطرح أيام الأعياد في السنة كلها، فوجد الذي يحصل بعد ذلك في السنة لكل واحد أربعة دنانير، فألزمهم دفعها، أي أنه راعى مصالحهم الشخصية، راعى ما يحتاجون إليه، ولم يفرض الجزية إلا على القدر الزائد عن حوائجهم، وهذا يدل على مراعاة العدالة التي التزم بها المسلمون مع أهل الذمة.

التنفيذ على أموال المتخلفين عن أداء الجزية:

ومن الوسائل التي من شأنها أن تؤدي إلى منع التهرب من أداء الجزية التنفيذ جبرًا على أموال المتخلفين عن أداء الجزية، فإذا امتنع أهل الذمة من أداء الجزية، فيعتبر بعض الفقهاء أن ذلك يعد نقضًا لعهدهم، وتؤخذ منهم الجزية جبرًا كالديون، نقول ومن الوسائل التي من شأنها أن تؤدي إلى منع التهرب من أداء الجزية حبس المتهرب من أدائها حتى يؤديها، وفي هذا المعنى يقول أبو يوسف: ويحبسون أهل الذمة حتى يؤدوا ما عليهم، ولا يخرجون من الحبس حتى تستوفى منهم الجزية.

هذه هي أهم الوسائل الكفيلة بمنع التهرب من أداء الجزية، والأخذ بها -ولا شك- من شأنه أن يكون حائلًا بين من تسول نفسه التهرب من أداء الجزية، وبين

ص: 267