المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب - السياسة الشرعية - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها

- ‌ مفهوم السياسة الشرعية

- ‌شروط العمل بأحكام السياسة الشرعية

- ‌موضوعات علم السياسة الشرعية

- ‌مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام

- ‌اعتبار المصالح المرسلة دليلًا لاعتبار أحكام السياسة الشرعية

- ‌الدرس: 2 مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة

- ‌خبرة النبي عليه الصلاة والسلام بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة

- ‌القواعد التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة

- ‌أهم المعالم للنظم الانتقالية التي وضعها النبي في المدينة

- ‌النظم الأساسية التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌تابع: النظم التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌الدرس: 3 النظام المالي للدولة الإسلامية

- ‌الزكاة من أهم الموارد المالية في عهد النبي

- ‌أهم الموارد المالية في عهد النبي: الغنائم، الفيء، الجزية

- ‌النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق

- ‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌تابع: تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌النظام المالي في عهد عثمان بن عفان

- ‌النظام المالي في عهد علي بن أبي طالب

- ‌المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌تابع: المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌موقف عمر بن عبد العزيز من الأخطاء المالية في عهد الأمويين

- ‌الدرس: 4 العمومية المعنوية والمادية للزكاة

- ‌المقصود بالشخص الطبيعي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون

- ‌الخلطة في الأنعام كمثال للشخص المعنوي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء من تأثير الخلطة في الزكاة

- ‌حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌تابع: حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌تابع: الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌الدرس: 5 بقية أنواع الزكوات والعوامل التي تساعد على تحقيق العمومية فيها

- ‌الزكاة في الذهب والفضة

- ‌الزكاة في الحلي المباح والمحرم، وآراء الفقهاء

- ‌ما تجب فيه الزكاة من الحرث

- ‌زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر

- ‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

- ‌تجنب الازدواج في أداء الزكاة، وتجنب الراجعية في الزكاة

- ‌محاربة التهرب من أداء الزكاة

- ‌الدرس: 6 الجزية والخراج والعشور

- ‌العمومية في الجزية

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

- ‌مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تاريخ الخراج، والعمومية فيه

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج

- ‌مراعات ظروف الممول في الخراج

- ‌من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور

- ‌الدرس: 7 النظام السياسي الإسلامي

- ‌مصطلح السياسة منذ بداية الدولة الإسلامية

- ‌مرتكزات السياسة في الإسلام

- ‌مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم

- ‌السنة

- ‌حجيه السنة بجميع أنواعها

- ‌الإجماع

- ‌القياس

- ‌الاستحسان

- ‌المصالح المرسلة

- ‌العرف

- ‌الدرس: 8 قواعد النظام السياسي الإسلامي

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: أولا: الحاكمية لله

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: ثانيا: الشورى

- ‌تابع: أدلة الشورى

- ‌تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها

- ‌كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى

- ‌مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك

- ‌أهل الشورى، والشروط اللازم توافرها فيهم

- ‌الدرس: 9 قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌ العدالة

- ‌صور العدالة في القرآن

- ‌مسئولية الحكام

- ‌تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام

- ‌مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي

- ‌ الحريات الشخصية

- ‌الحرية الفكرية

- ‌تابع: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي: حرية التجمع

- ‌الحريات الاقتصادية

- ‌الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي

- ‌سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌الدرس: 10 الإمامة

- ‌مسئولية الحاكم أمام الأمة الإسلامية "مشروعية المسئولية

- ‌ الحكم عند العرب قبل الإسلام

- ‌الإمامة مبحث فقهي

- ‌معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام

- ‌معنى الإمامة العظمى

- ‌حكم نصب الإمام

- ‌القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ

- ‌الدرس: 11 شروط الإمامة العظمى

- ‌شروط الإمامة العظمى

- ‌العدالة

- ‌صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب

- ‌الكفاية الجسمية، والكفاية النفسية

- ‌شرط القرشية، وتولية الأفضل

- ‌الدرس: 12 طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌تابع انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة

- ‌انعقاد الإمامة بطريق النص

- ‌واجبات الإمام

- ‌حقوق الإمام

- ‌ تابع حقوق الإمام

- ‌انتهاء ولاية الإمام

- ‌الدرس: 13 توجيهات الفكر الإداري الإسلامي

- ‌العمل فريضة إسلامية

- ‌خصائص العمل في الإسلام

- ‌طبيعة تكوين المنظمة

- ‌تابع طبيعة تكوين المنظمة

- ‌الرقابة ومتابعة الإنجاز

- ‌العلاقات الإنسانية في العمل الجماعي

- ‌وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة

- ‌التوظيف حسب الجدارة

- ‌وجود قيادة سوية

- ‌الدرس: 14 المنهج الإداري في الإسلام

- ‌مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري

- ‌ التخطيط لنشر الدعوة

- ‌التخطيط للهجرة

- ‌تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة

- ‌المنهج الإسلامي في التنظيم

- ‌المنهج الإسلامي في الرقابة

- ‌الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإدارة في عهد أبي بكر رضي الله عنه

- ‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

- ‌الدواوين التي أنشاها عمر بن الخطاب

- ‌التجنيد الإجباري، ونشأة بيت المال

- ‌ رقابة عمر بن الخطاب لعماله

- ‌الإدارة عند الأمويين

- ‌الدرس: 15 أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات

- ‌مقدمة عن الوزارة في الدولة الإسلامية

- ‌وزارة التفويض

- ‌وزارة التنفيذ

- ‌مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ

- ‌الإمارة على الأقاليم

- ‌ أنواع الإمارة على الأقاليم

- ‌الأسس التي قامت عليها علاقة المسلمين بغيرهم

- ‌حرية العقيدة

- ‌العدل

- ‌الوفاء بالعهد

- ‌الفضيلة

- ‌التسامح

- ‌الرحمة

- ‌أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم

- ‌أحكام الدارين

- ‌مقدمة عن المعاهدات في الإسلام

- ‌أنواع المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌الدرس: 16 القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي

- ‌ مشروعية القضاء وأهميته

- ‌تاريخ القضاء في الإسلام

- ‌أركان القضاء

- ‌الدعوى وشروطها

- ‌ الدعوى:

- ‌تعارض الدعويين مع تعارض البينتين

- ‌وسائل الإثبات

- ‌ التثبت من وسائل الإثبات

- ‌الحكم

- ‌القضاء في المملكة العربية السعودية

الفصل: ‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

يقول: ((من قال: لا إله الله. عصم مني ماله ودمه إلا بحقها)) وهذا حق الإسلام وهي الزكاة، ولذلك قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق.

إذن سيدنا عمر الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان الحق يجري على لسانه كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم وافق أبا بكر على ما فعل، وهو أنه أراد محاربة هؤلاء الذين يمتنعون عن الزكاة -هذا المورد الإسلامي- وبين له سيدنا أبو بكر السبب، فاقتنع ووافقه على ذلك.

‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

ثم ننتقل الآن إلى تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب:

كشفت الموارد الجديدة التي تدفقت على الدولة الإسلامية زمن الخلفاء الراشدين عن طلائع التجاوب الحضاري بين العهد الإسلامي الجديد وحضارات البلاد المفتوحة في ميدان التنظيم المالي، ووضع أسس هذا التجاوب، كذلك الخليفة عمر بن الخطاب الذي سارت أعماله في تلك السبيل تمثل بدورها قاعدةً أساسيةً إلى جانب القواعد المالية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والتي التزم به من بعدها كافة الخلفاء المسلمين؛ إذ استهدف هذا الخليفة -عمر بن الخطاب -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- إنقاذ أهالي البلاد المفتوحة مما سبق أن تردوا فيه من مظالم ومتاعب مالية باهظة، والعمل في نفس الوقت على أن يهيئ للدولة الناشئة الموارد التي تحقق مطالبها السياسية، والاقتصادية، والحربية كذلك، واعتمد الخليفة عمر بن الخطاب في حل هذه المعادلة الجديدة، المعادلة في ماذا؟.

المعادلة تكمن في أن الدولة الإسلامية تريد الأموال من أجل الإنفاق على متطلباتها الكثيرة، وفي نفس الوقت عدم ظلم هؤلاء الناس الذين تؤخذ منهم هذه الموارد المالية.

ص: 100

سيدنا عمر بن الخطاب هو الذي فكر في المواءمة والموازنة بين هذين الأمرين: كيف نحصل للدولة على الأموال، وفي نفس الوقت لا نظلم هؤلاء الناس الذين نأخذ منهم هذه الأموال؟

أقول: اعتمد الخليفة عمر بن الخطاب في حل هذه المعادلة الجديدة التي واجهت دولته على نفس القاعدة التي اتبعها في التنظيم الإداري، وذلك بالإبقاء على النظم المالية التي سبق اتباعها في البلاد المفتوحة مع تجديد ماء حياتها بعدالة الإسلام، وتشريعاته المالية السامية، وأظهر في تلك السبيل جرأةً نادرةً المثال، وأفقًا واسعًا وحنكةً عاليةً جعلته حريًّا أن يدعى المؤسس الثاني للدولة الإسلامية، ذلك أن مشكلةً خطيرةً ثارت عقب فتح الشام والعراق ومصر مباشرةً، حين طالب الجند الفاتحون بتقسيم الأراضي في تلك البلاد بينهم وفق القاعدة الخاصة بغنائم الحروب التي تقضي بأن يتم التقسيم وفق خمسة أقسام، أحدها يوزع طبقًا للآية الكريمة عن الغنائم، والأربعة الأخماس الأخرى تكون ملكًا للفاتحين.

فهؤلاء الذين غنموا هذه الأرض من سواد العراق كان من ضمن هذه الغنائم التي استولوا عليها الأراضي، أخذوا هذه الأراضي بما عليها من ناس، فقالوا: هذه غنيمة وطالبوا سيدنا عمر بأن يطبق نظام الغنيمة وتقسيم الغنيمة الذي ورد في "سورة الأنفال" في قول الله تبارك وتعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين} (الأنفال: من الآية: 41) فكأن الآية -كما قلنا- آية الغنيمة تبين أن هناك خمسًا لله وللرسول، والخمس الآخر إنما يعطى للغانمين والفاتحين، وهذا ما طبقه النبي صلى الله عليه وسلم في عهده،

ص: 101

فالغنائم كانت توزع على هذا، تقسم خمسة أقسام، قسم في سبيل الله، ثم الأربعة الأخماس الباقية إنما توزع على الغانمين.

كما قلنا هذا ما طبقه النبي صلى الله عليه وسلم في عهده وطبقه أيضًا أبو بكر الصديق -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- فكانت الغنائم توزع على هذا المنوال: خمس لله ولرسوله، والأربعة الأخماس الباقية إنما توزع على الغانمين، وهذا ما طلبه الغانمون، ونقصد بالغانمين هنا الذين قاتلوا الكفار، واستولوا منهم على هذه الأرض -أي المقاتلين- فالآية تبين أن لهم الأربعة الأخماس؛ ولذلك تمسكوا بالآية، وطالبوا من سيدنا عمر -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- أن يوزع عليهم هذه الأرض، وكانت أرضًا كثيرة، وأرضًا خصبة للغاية، وطالبوا منه أن يوزع عليهم هذه الأرض.

أقول كتب قادة الجند في الأمصار إلى الخليفة عمر بن الخطاب يسألونه الرأي، إزاء طلب الجند بتقسيم الأراضي المفتوحة فيما بينهم، ومنهم سعد بن أبي وقاص الذي كان أول من تلقى هذه المشكلة في سواد العراق، يعني: أرض العراق، ثم تلى ذلك كتاب من أبي عبيدة عامر بن الجراح إلى عمر بقسمة المدن وأهلها والأرض بالشام، وما فيها من شجر وزرع.

أقول: سيدنا عمر عندما بلغه هذا الأمر، وبلغه أن الجند الذين غنموا هذه الأرض، يطالبون بتقسيم هذه الأرض، أربعة الأخماس بينهم، سيدنا عمر بن الخطاب لم يرض بذلك، وكان له رأي مخالف لذلك.

وكما قلنا فإن سيدنا عمر بن الخطاب ينظر دائمًا إلى مصلحة المسلمين العليا؛ ولذلك ماذا فعل سيدنا عمر بن الخطاب، إزاء هذه المشكلة التي تعرض لها؟ المشكلة أنه يريد أن تبقى هذه الأرض في يد أصحابها ويفرض عليها الخراج، وهذا الخراج يكون للمسلمين الموجودين الآن والذين يأتون بعد ذلك، لكن المقاتلين أو الغانمين لا يريدون ذلك، ويريدون أن توزع عليهم الغنائم كما كان متبعًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر الصديق -رضوان الله تبارك وتعالى عليه.

ص: 102

أقول: سيدنا عمر بن الخطاب -كما كان دائما- عندما يعرض له أمر من هذه الأمور الخطيرة والأمور الكبيرة، كان لا يستأثر بالرأي، وإنما كان يستشير، وكيف لا وهو الذي قرأ قول الله تبارك وتعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (آل عمران: من الآية: 159) وقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم} (الشورى: من الآية: 38)؟ كان سيدنا عمر من أكثر الناس تطبيقًا لآيات القرآن الكريم، ولذلك كانت عادته في أي أمر من الأمور التي تعرض له أن يعرض هذا الأمر على المسلمين يشاروهم فيه، ويأخذ الرأي الذي يتفقون عليه.

رأى الخليفة عمر أن يستشير الصحابة وعلماءهم في هذا الموضوع الجديد الخطير؛ إذ لم يسبق للمسلمين الاستيلاء على مثل تلك الأراضي الشاسعة، الحافلة بالخصب العامر، بالسكان والمدن والثروات، ووقع الخلاف بين عمر وبين مستشاريه من الصحابة من المهاجرين؛ إذ كانت وجهة نظر الخليفة عمر -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- أن تقسيم الأرض بين الجند، يحرم الدولة من مصدر هام من المصادر المطلوبة للإنفاق على المرافق العامة، وحماية البلاد وغيرها من متطلبات التطور الاجتماعي والاقتصادي.

وخالف هذا الرأي نفر من كبار المهاجرين، يعني: بعض المهاجرين خالفوا سيدنا عمر في هذا الرأي، على رأس هؤلاء الذين عارضوا سيدنا عمر في هذا الرأي عبد الرحمن بن عوف، الذي شدد القول على الخليفة عمر، قائلًا: إن عدم تقسيم الأرض يحرم الفاتحين حقًّا من حقوقهم الأساسية، ويقصد بذلك عبد الرحمن بن عوف بهذه الحقوق الأساسية، الحقوق التي قررتها لهم آية الغنيمة {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين} (الأنفال: من الآية: 41) إلى آخر ما جاء في الآية، فالآية تقرر أن الغنيمة أربعة أخماسها إنما يكون للغانمين؛ ولذلك سيدنا عمر عبد الرحمن بن عوف يبين للخليفة عمر أن تقسيم الأرض بين الغانمين، إنما هو حق من

ص: 103

حقوقهم؛ لأنهم يستندون في ذلك إلى آية صريحة، وهي آية الغنيمة:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} (الأنفال: من الآية: 41).

وعندئذ رأى الخليفة أن يشكل لجنة من عشرة من كبار الأنصار، يحتكم إليها المسلمون، وتألفت من خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج -كما قلنا- وجد سيدنا عمر بن الخطاب من يعارضه في رأيه، سيدنا عمر بن الخطاب يريد إبقاء الأرض في يد أصحابها، ويفرض عليها الخراج، أو ضريبة، وهذا الخراج أو الضريبة إنما توضع في بيت المال وينفق منها على مصالح المسلمين الكثيرة، لكن الذين خالفوه وعلى رأسهم الجند، يقولون بأن هذه الأرض تقسم على الغانمين، ولا تبقى في يد أصحابها من أجل أن يوضع عليها الخراج أو الضريبة، كما قلنا سيدنا بن عمر الخطاب اختار عشرة من أكابر الصحابة خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج، أراد أن يعرض عليهم المشكلة، ويعرض عليهم هذا الخلاف الذي نشب بينه وبين الغانمين وبعض الصحابة، فيريد أن يعرض الرأي عليهم ثم بعد ذلك يأخذ رأيهم في هذه المشكلة.

شرح الخليفة عمر بن الخطاب وجهة نظره إزاء المشكلة المطروحة أمام لجنة العشرة الكبار، فقال: أرأيتم هذه الثغور، هذه الثغور يقصد الأماكن التي من الممكن أن يأتي منها العدو إلى الدولة الإسلامية، ويعتدي عليها، يعني الأماكن التي ينبغي أن يكون فيها جند لحراسة الدولة الإسلامية من جيرانها الأعداء، أرأيتم هذه الثغور، لا بد لها من رجال يلزمونها، يلزمونها مثل ما هو معلوم هؤلاء الذي يدافعون عن حدود الدولة من الأماكن المختلفة، يلزمونها يعني لا بد وأن يكون هناك جند منقطعون للحفاظ على أمن الدولة الإسلامية في هذه الثغور، أي الأماكن التي يتوقع أن يأتي منها الخطر من الأعداء على الدولة الإسلامية، أرأيتم هذه الثغور، لا بد لها من رجال يلزمونها يعني يجلسون فيها، يجلسون في هذه الثغور ويحافظون على أمن الدولة الإسلامية، أو رأيتم هذه المدن العظام لا بد لها من أن تشحن بالجيوش، ويدرى عليها العطاء.

بعد أن وجه نظرهم إلى هذه الثغور التي تحتاج إلى جنود يقيمون فيها وهؤلاء الجنود يحتاجون إلى مرتبات وإلى نفقات عليهم، وإلى أسلحة يتسلحون بها، يقول لهم: كل الأشياء المقاتلين الذين في حاجة إلى مرتبات، الذين هم في حاجة إلى وسائل يحاربون بها أو أسلحة يحاربون بها الأعداء، إذا أرادوا الاعتداء على الدولة الإسلامية، كل هذه الأشياء تحتاج إلى نفقات فمن أي نأتي بهذه النفقات، وكذلك يقول لهم: هذه المدن العظيمة التي افتتحها المسلمون، لا بد

ص: 104

لها أيضًا من جيوش إسلامية تحافظ على الأمن، والنظام فيها، وهذه الجيوش الإسلامية أيضًا في حاجة إلى نفقات، لا بد من مرتبات للجند، لا بد من الإنفاق عليهم في المأكل والمشرب، لا بد من أسلحة، كل هذه الأمور تحتاج إلى نفقات كبيرة، فمن أي يعطى هؤلاء، يعني لا بد ما دام نحن في حاجة أو الدولة الإسلامية في حاجة إلى موارد من أجل الإنفاق على هذه الجيوش التي تحمي المدن التي فتحها المسلمون أو تحمي ثغور الدولة الإسلامية من الأعداء تحتاج إلى نفقات كثيرة، فمن أي يعطى هؤلاء، أي: فمن أين توجد الأموال التي تنفق على هؤلاء الجند الذين يقومون بمهمة الدفاع عن الدولة الإسلامية، من أي يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون ومن عليها، يعني: يقول إذا قسمنا هذه الأرض بين المقاتلين كما هو كان متبعًا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وأيام الخليفة أبو بكر -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- فإذا قسمنا عليهم هذه الأرض فمن أي نأتي بهذه النفقات.

لكن إذا أبقينا هذه الأرض تحت يد أصحابها ثم فرضنا عليها الضرائب أو الخراج، معنى ذلك أنه سوف يكون هناك مورد لبيت المال من هذه الضرائب أو من هذا الخراج نستطيع منه أن ننفق على مصروفات الدولة الإسلامية، والتي في مقدمتها الجيوش الإسلامية التي تحتاج إلى مرتبات وتحتاج إلى مأكل ومشرب وتحتاج إلى أسلحة، يقول لهم: من أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرض ومن عليها، ثم استشهد الخليفة بآيات من القرآن الكريم في أن الأرض المفتوحة يجب ألا تقسم بين الفاتحين، وإنما يجب اعتبارها ملكًا عامًا للدولة وأهلها في الحاضر والمستقبل على حد سوء، قائلا: وقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعًا، فكيف نقسمه لهؤلاء وندع من يجيء بعده؟.

يعني كأن سيدنا عمر بن الخطاب يبين أن الآيات القرآنية تبين أنه هناك يأتي أو بعض المسلمين يأتي بعد ذلك فإذا قسما هذه الأرض الغنية الخصبة على هؤلاء المقاتلين

ص: 105

فكأنهم أخذوا الجزء الأكبر من الثروة في الدولة الإسلامية فماذا يتبقى لمن يأتي بعدهم: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} (الحشر: من الآية: 6) ثم يقول تبارك وتعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (الحشر: من الآية: 7) فسيدنا عمر: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} فسيدنا عمر يبين أننا لو أعطينا هذه الأرض الخصبة الواسعة الكبيرة لو أعطيناها لهؤلاء الفاتحين أو الغانمين أو المقاتلين لأصبحوا طائفة تحوز كل الثروة وبقية المسلمين لا يحوزون شيئًا وهذا هو الذي منعه الله تبارك وتعالى بقوله: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} ولهذا قال لهم: أعطيكم أنتم، وماذا تبقى للمسلمين الذين يأتون من بعدكم، عندما قالوا له: يعني تعطي ما غنمناه لأناس لم يحضروا القتال، ولأبناء أناس لم يحضروا القتال، فكيف ذلك فقال لهم كيف أعطيكم أنتم هذه الأرض تفوزون بها وتصبحون الأغنياء وبقية المسلمين فقراء، إذا أعطيتكم هذه الأرض ماذا يتبقى للمسلمين الذين يأتون بعدكم.

أقول جاء بهذه الآيات واستدل بها، وفي خضم هذا كان سيدنا عمر يحكي هذا ويدلل على رأيه وسط اللجنة أو أمام اللجنة التي شكلها للاستشارة، وهي -كما قلنا- العشرة: خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج، من أكابر الصحابة الخبراء بأمور المسلمين، عندئذٍ وافقت اللجنة أو هيئة الشورى إن صح لنا التعبير، على وجهة عمر الخليفة عمر التي حددت مفهوم الغنيمة، والفيء بعد أن كان الخلط بين مدلوليهما سببًا في إثارة قضية تقسيم البلاد المفتوحة، إذ جعل الخليفة معنى الغنيمة منحصر في المال المنقول الذي يأتي نتيجة الحرب، أما معنى الفيء فقد وسع الخليفة مدلوله ليشمل ما يؤخذ عنوة وما يؤخذ عن طريق الصلح وأن الأرض المفتوحة وما ارتبط بها من فرض الجزية على أهلها إنما يدخل في مدلول الفيء، وصار من حق الأمة أن تجتهد ممثلة في مجلس الشورى.

ص: 106

كما قلنا اللجنة التي شكلها وافقت على ذلك، وهذه اللجنة بينت أنه ليس هناك تعارض، الرأي الذي به سيدنا عمر وهو إبقاء الأرض وعدم توزيعها على الغانمين وإبقائها في يد أصحابها الذين سيطر وانتصر عليهم المسلمون، هذا ليس مخالف لآية الغنيمة:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} يعني: ممكن الجمع بين هذه الآية آية الغنيمة وآية الفيء، والجمع بينهم يكون: أن الغنيمة التي تقسم خمسة أخماس، خمس لله ورسوله وأربعة أخماس للمقاتلين، إنما تكون في الأموال المنقولة أما بالنسبة للعقارات، مثل الأرض، فهذه لا تشملها الغنيمة وأن هذه الأرض إنما تبقى في يد أصحابها من أجل أن يفرض عليها أو تفرض عليها الضريبة أو يفرض عليها الخراج، ويصبح هذا الخراج أو تلك الضريبة موردًا ماليًا للدولة الإسلامية يوضع في بيت المال وينفق في مصالح المسلمين.

هكذا فهم سيدنا عمر -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- والذي دفع سيدنا عمر إلى هذا الموقف وإلى التمسك بهذا الرأي على الرغم من هذه المعارضة الكبيرة التي رآها سيدنا عمر من المقاتلين ومن كثير من الصحابة خالفوه في هذا الرأي لكنه تمسك به تمسك به لماذا هذه سياسة مالية نظر إليها سيدنا عمر بن الخطاب ووجد أن هذه السياسة المالية إنما تحقق مصلحة المسلمين، الآن وفي المستقبل، ولذلك صار من حق الأم أن تجتهد ممثلة في مجلس الشورى، مثل مجلس الشورى الذي شكله سيدنا عمر بن الخطاب في هذه المشكلة التي حدثت بينه وبين المقاتلين أو الغانمين شكل مجلسًا للشورى، وهذا معناه أن الشورى أمر يجب أن يأخذ به المسلمون في جميع شئونهم خصوصًا الشئون العامة التي تخص الدولة الإسلامية.

ص: 107

نقول: يصير من حق الأمة أن تجتهد في مجلس الشورى في إقرار تشريع مالي جديد ينص على اعتبار الأرض المفتوحة وقفًا على المسلمين، وذلك بعد أن اقتنع أصحاب الشورى بوجهة نظر الخليفة عمر بن الخطاب، وقالوا له: الرأي رأيك يا عمر، فنعم ما قلت وما رأيت.

وهكذا وافق هذا المجلس -مجلس الشورى الذي شكله عمر بن الخطاب- على رأي عمر بن الخطاب بعد أن ذكر لهم الحجج والأدلة التي استند إليها، ولما وافقوا على ما رآه عمر عندئذٍ كتب الخليفة عمر بن الخطاب إلى قادة الجيوش في الولايات بهذا القرار، أبلغهم بهذا القرار الذي اتخذ بناء على مجلس الشورى الذي كونه، والقرار -كما قلنا- إبقاء الأرض وقفًا على المسلمين، أي: أن الأرض تستمر في يد أصحابها يفرض عليها الخراج أو ضريبة الخراج، وتفرض طبعا الجزية على سكانها، كتب الخليفة عمر بن الخطاب إلى قادة الجيوش في الولايات بهذا القرار، ومن بينهم سعد بن أبي وقاص الذي كان أول من أثار جنده بالعراق تلك القضية، فقال له أن ينظر ما أجلب به الناس من كراع أو مال -الكراع يقصد بها الأسلحة هنا- فيقسمه بين من حضر من المسلمين، ويترك الأرض والأنهار لعمالها وأصحابها، ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، أي ليكون ذلك مصدرًا من مصادر أو موردًا من موارد الدولة الإسلامية أو يدفع منها أعطيات المسلمين ويتحقق بها مصلحة المسلمين، وصارت الأرض المفتوحة تكون موردًا ماليًا ثابتًا ووقفًا على الأمة بتعاقب أجيالها.

وإذا نظرنا إلى نظام العطاء في زمن الخليفة عمر بن الخطاب نقول: استلزم تطبيق التشريع المالي الجديد الخاص بالأراضي المفتوحة خلق أداة تنفيذية تشرف على متطلباته، ذلك أن هذا التشريع نص على تعويض الجند بمنحهم أعطيات مقابل الأرض التي كانوا يتطلعون إلى قسمتها فيما بينهم، يعني سيدنا عمر بن الخطاب وإن كان لم يقسم الأرض على الغانمين وعلى المقاتلين إلا أنه عوضهم عن ذلك، ببعض الأموال الأخرى، وجاء الإحصاء الخاص بمساحة تلك الأراضي المفتوحة

ص: 108

ومن عليها من السكان مليئًا بأرقام هائلة وخيالية؛ لأنها كانت أرضٍ كثيرةً للغاية، وكانت السلطات الساسانية والبيزنطية -وهي السلطات التي كانت تحكم تلك البلاد قبل أن يسيطر المسلمون على تلك البلاد- صاحبة السيادة على تلك الأراضي قبل الفتح الإسلامي، كانت تفرض على الأرض خراجًا -وهي ضريبة عينية فادحة ظالمة كثيرة- وكانت تفرض على السكان جزية -وهي أيضًا ضريبة مالية جائرة- ولذلك رأى الخليفة عمر بن الخطاب أن يبقى على كل من الخراج والجزية، ولكن بصورة تتفق مع عدالة الإسلام ومراعاة الصالح أو مراعاة لصالح الرعايا الجدد للدول للدولة الإسلامية، فصار تقدير الخراج يراعى فيه واقع الأرض وإنتاجها وما يحفظ لها الازدهار والنماء، أما الجزية التي قررها الإسلام فلم تكن تحمل المعنى القديم الدال على القهر والذلة والاستغلال، وإنما كانت تؤدى في ظل الإسلام مقابل حماية الدولة لدافعيها ولحريتهم ومعابدهم، أي أشبه بضريبة الدفاع وسبيلًا لخلق توازن بين دافعي الجزية من رعايا الدولة، الذين صاروا يعرفون باسم أهل الذمة، وبين المسلمين من رعايا الدولة الذي يؤدون الزكاة على أموالهم.

خلاصة القول في هذا أن سيدنا عمر بن الخطاب بعد أن اتخذ القرار مع مجلس الشورى الذي كونه من عشرة من كبار الصحابة، واتخذ القرار بأن توقف هذه الأرض على المسلمين، يستفيد بها الأجيال الحاضرة والأجيال القادمة، واتخذ هذا القرار، وأن تبقى الأرض مع أصحابها تفرض عليها، أو يفرض عليها الخراج، ويفرض على سكانها الجزية، سيدنا عمر بن الخطاب وجد أن نظام الجزية ونظام الخراج -نظام الجزية على الرءوس يعني: على الناس أصحاب هذه الأرض. ونظام الخراج الذي كان يوضع على الأرض في حد ذاتها- وجد أن هذا النظام كان موجودًا في هذه البلاد، كان يطبقه حكام هذه البلاد قبل أن

ص: 109

يسيطر المسلمون ويفتحون هذه البلاد، سيدنا عمر بن الخطاب استبقى هذا النظام، وهو أن الأرض يفرض عليها الخراج، والخارج إنما هو ضريبة مالية تفرض على الأرض أو ما يسمى في الوقت الحاضر إيجار الأرض الزراعية.

لكن سيدنا عمر خالف الحكام الذي كانوا يسيطرون على هذه البلاد في أمر مهم للغاية، وهو أن الحكام الذين كانوا يحكمون هذه البلاد كانوا يفرضون ضريبة على الأرض جائرة وظالمة، لا تتناسب مع ما تأتي به الأرض من زرع، وكذلك كانوا يفرضون قدرًا من الجزية ظالمًا لا يتناسب مع مقدرة الناس الذين تفرض عليهم هذه الجزية، سيدنا عمر بن الخطاب لم يأخذ بذلك؛ لأن الإسلام هو دين العدالة؛ ولذلك فرض عليهم جزية، لكنها جزية تتمشى مع مقدرتهم المالية، إذن سيدنا عمر راعى المقدرة المالية للمولين كما يقال في العصور الحاضرة، لم يأخذ من الناس بالنسبة للجزية إلا ما يقدرون عليه، ولذلك كانت تقسم على حسب الغنى وعلى حسب التوسط وعلى حسب الفقر، فالفقير كانت لا تؤخذ منه جزية المتوسط تأخذ منه جزية متوسطة، الغني تأخذ منه جزية أكبر ولذلك راعى ظروف الناس أو ظروف الممولين كما نقول.

كذلك بالنسبة للأرض الرزاعية سيدنا عمر بن الخطاب فرض ضريبة الخراج لكن جعل هذه الضريبة تتمشى مع مقدرة الأرض وما تأتي به الأرض، يعني معنى ذلك راعى مقدرة الأرض وما تأتي به من زروع؛ ولذلك كانت ضريبةً عادلةً، وكذلك كانت الجزية على الرءوس عادلةً أيضًا؛ لأن الإسلام إنما راعى ذلك، والإسلام عندما يفرض الجزية لا يريد إذلال الناس إطلاقًا، فالجزية التي كان يفرضها الساسانيون والبيزنطيون قبل دخول الإسلام إلى هذه الأرض كان مقصودًا بها الاضطهاد، كان مقصودًا بها الإذلال والقهر والاستغلال، لكنّ المسلمين عندما ذهبوا إلى هذه الأماكن لم يريدوا بالجزية أبدًا الاستغلالَ، فهذه الجزية التي

ص: 110

فرضها المسلمون إنما هي علامة فقط على خضوع هؤلاء الناس للدولة الإسلامية، وأيضًا الجزية كان سببها أن المسلمين هم الذين سوف يدافعون عن هؤلاء الناس -أهل البلد التي افتتحها المسلمون- فكأن هذه تعتبر ضريبة دفاع وليست جزية، ولذلك كان الذي يحارب مع المسلمين من أهل هذه البلاد تسقط عنه الجزية.

ولذلك بعض الفقهاء -كالشافعية- يقولون بأن الجزية إنما فرضت عليهم مقابل حمايتهم والدفاع عنهم؛ ولذلك إذا قاموا هم بهذه الحماية أو الدفاع أو اشتركوا مع المسلمين في الدفاع عن الدولة الإسلامية، فتسقط عنهم هذه الجزية.

إذن الجزية التي فرضها الإسلام خلاف الجزية التي فرضها غير المسلمين من الملوك المستبدين، فالجزية كانت عادلةً، والجزية كانت ليست للقهر ولا للإذلال -كما قلنا- وإنما هي دلالة وعلامة على خضوع هؤلاء الناس للقانون الإسلامي وللحكم الإسلامي، كذلك الأمر بالنسبة لهذا الخراج الذي فُرض على هذه الأرض التي افتتحها المسلمون، أيضًا كانت ضريبةُ الخراج ضريبةً عادلةً للغاية تناسب الأرض؛ ولذلك كانت قيمة الخراج تختلف من أرضٍ إلى أرضٍ أخرى، فالأرض القوية الخصبة يزيد خراجها، والأرض الضعيفة يقل خراجها.

فكما قلنا لم تكن تحمل الجزية التي قررها الإسلام المعنى القديم الدال على القهر والذلة الاستغلال، وإنما كانت تؤدى في ظل الإسلام مقابل حماية الدولة لدافعيها ولحريتهم ومعابدهم، أي أشبه بضريبة الدفاع وسبيلًا لخلق توازن بين دافعي الجزية من رعايا الدولة الذين صاروا يعرفون باسم أهل الذمة وبين المسلمين من رعايا الدولة الذين يؤدون الزكاة على أموالهم.

إذن الجزية كانت من ناحية أخرى من باب المساواة بين رعايا الدولة الإسلامية، فرعايا الدولة الإسلامية يتكونون من مسلمين وغير مسلمين؛ لأن الذين يدفعون

ص: 111