الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعد أيام ليخبره بحاله، فعاد الرجل يشكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعله معه، ويذكر له ما سار إليه من يسر الحال)).
وجود قيادة سوية
ومن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي، وجود القيادة السوية، وفي هذا نقول:
عني الإسلام سواء في توجيهاته الأساسية، أو في تراثه الفكري بإرساء مقومات القيادة السوية، وهو ما نشير إليه بإيجاز فيما يلي:
أولًا: القيادة في التوجيه الإسلامي:
1 -
ضرورة القيادة: يؤكد الإسلام حتمية القيادة كضرورة اجتماعية، إذ روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله:((لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض -أي: في صحراء مثلًا- إلا أمروا عليهم أحدهم)) كما روي قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا عليهم أحدهم)).
ويقول الإمام الشوكاني تعليقًا على هذين الحديثين الشريفين: أن فيهما دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا، أن يؤمروا عليهم أحدهم؛ لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلف والضياع، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه، ويفعل ما يطابق هواه، فيهلكون جميعًا، ومع التأمير يقل الاختلاف، وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض، أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم، وفصل التخاصم أولى وأحرى.
وفي ذلك دليل لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام، فالقيادة يفرضها الإسلام؛ حفاظًا منه على وجود الجماعة وتماسكها واستمرارها محققة لأهدافها في إشباع الحاجات الجماعية الفردية.
2 -
واجبات القيادة: تتسم القيادة وفق توجيهات الإسلام بأنها قيادة سوية لا هي متسلطة فظة، وفق الاتجاه المتطرف في الفكر الإداري العلمي، ولا هي قيادة متراخية غير مبالية، وفق الاتجاه المتطرف في الفكر الإداري الإنساني، بل نجدها بين ذلك قواما، ويتمثل هذا الاتجاه السوي في القيادة الإسلامية في قوله تعالى مخاطبًا رسوله الكريم، باعتباره قائد الأمة الإسلامية:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159).
وفي ضوء هذا الاتجاه القويم للقيادة السوية، نعرض لواجبات القيادة الأساسية في الإسلام، والتي تعكس خصائصها باعتبارها تمثل مقدرة التأثير في الآخرين، فكرًا وسلوكًا.
المشاورة فقد أمر الله رسوله الكريم في الآية السابقة بالمشاورة، وهو ما يقتضي مشاورة القائد أفراد مجموعته، فيما يتخذ من قرارات ويمضيه من تصرفات، وذلك باستطلاع آرائهم في مرحلة إعداد القرار للوقوف على وجهات نظرهم، فإذا ما انتهى إلى رأي مقنع أمضاه، وأصدر قراره على مقتضاه، فالقائد هنا لا ينفرد باتخاذ القرار على نحو ما تجري عليه القيادة المتسلطة، ولا يترك للجماعة أمر اتخاذ القرار بنفسها على نحو ما تأخذ به القيادة المتراخية، إنها قيادة وسط بين الفردية والجماعية، إن هذا الواجب يفرض على أفراد الجماعة بالمقابل واجب الأمانة والإخلاص في إبداء الرأي عند طلبه منهم.
وأيضًا يراعى القدوة الحسنة إذ يجب أن يكون القائد المثل الأعلى لجماعته فكرًا وسلوكًا، فهو قدوتهم الذي يحتذونه في تصرفاتهم؛ لذا ينبغي أن يكون قدوة حسنة في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل، وقد كان الرسول الكريم خير قدوة للمسلمين إذ يقول سبحانه:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} (الأحزاب: 21) وهو ما يقتضي التزام أفراد الجماعة باتباع قائدها، والاقتداء به في تصرفاته.
وأيضًا الرعاية والمسئولية إذ يجب على القائد أن يكون من الجماعة أي: المنظمة التي يديرها، ويتولى رئاستها أن يكون في موقف الراعي لشئونها، الحريص على خيرها وتقدمها، فهذه مسئوليته في الإسلام، إنها قيادة مسئولة عن تحقيق صالح الجماعة، وأفرادها والحفاظ عليها عن طريق الرعاية لا التسلط، وما الإدارة في أساسها سوى رعاية شئون الآخرين.
فالإسلام إذ يوجب على القائد التزام جانب الرعاية، ومسئولية تحقيقها إنما يقدم الجانب الإنساني في القيادة السوية في أسمى صورها، إنها قيادة واعية تشعر بمسئوليتها الاجتماعية، وهو المبدأ الذي قرره الرسول الكريم في الحديث المعروف:((كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته)).
إسداء النصح للجماعة: وأيضًا ينبغي على القائد إسداء النصح لجماعته وأفرادها، وذلك بإصدار ما يلزم من تعليمات مفيدة، وإرشادهم إلى ما فيه خير الجماعة، وأفرادها وتوجيهها إلى
ما يحقق أهدافها، وتزويد أفرادها بما يلزمهم من تدريب ليتسنى لهم القيام بواجباتهم على أحسن وجه، والقيام بدورهم الفعال في بلوغ أهداف الجماعة، ومن ثم تحقيق خيرها؛ ولذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:((ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحته، إلا لم يجد رائحة الجنة)) وعلى القائد أن يتوخى الإخلاص في إسداء النصيحة للجماعة، فضلًا عن الإخلاص في رعايتها، إذ يقول الرسول الأمين:((ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت، وهو غاش لها، إلا حرّم الله عليه الجنة)).
الإقناع بالحسنى: وأيضًا لما كانت القيادة وفق أحدث مفاهيمها تعني التأثير في تصرفات الآخرين، كان على القائد إقناع جماعته بالتزام ما يراه من تصرفات محققة لأهدافها، وأن يلزم جانب الحكمة فيما يدعوهم إليه، وأن يحسن جدالهم ومناقشاتهم، وهو الاتجاه السوي في إقناع الآخرين، ومن ثم التأثير فيهم فكرًا وسلوكًا، وهذه إحدى المهارات القيادة الهامة التي يدعو إليها العلماء المعاصرون، ولنا في التوجيه القرآني خير مرشد في هذا الصدد، إذ يقول المولى سبحانه وتعالى مخاطبًا رسوله الكريم:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: من الآية: 125).