المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها

- ‌ مفهوم السياسة الشرعية

- ‌شروط العمل بأحكام السياسة الشرعية

- ‌موضوعات علم السياسة الشرعية

- ‌مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام

- ‌اعتبار المصالح المرسلة دليلًا لاعتبار أحكام السياسة الشرعية

- ‌الدرس: 2 مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة

- ‌خبرة النبي عليه الصلاة والسلام بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة

- ‌القواعد التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة

- ‌أهم المعالم للنظم الانتقالية التي وضعها النبي في المدينة

- ‌النظم الأساسية التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌تابع: النظم التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌الدرس: 3 النظام المالي للدولة الإسلامية

- ‌الزكاة من أهم الموارد المالية في عهد النبي

- ‌أهم الموارد المالية في عهد النبي: الغنائم، الفيء، الجزية

- ‌النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق

- ‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌تابع: تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌النظام المالي في عهد عثمان بن عفان

- ‌النظام المالي في عهد علي بن أبي طالب

- ‌المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌تابع: المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌موقف عمر بن عبد العزيز من الأخطاء المالية في عهد الأمويين

- ‌الدرس: 4 العمومية المعنوية والمادية للزكاة

- ‌المقصود بالشخص الطبيعي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون

- ‌الخلطة في الأنعام كمثال للشخص المعنوي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء من تأثير الخلطة في الزكاة

- ‌حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌تابع: حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌تابع: الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌الدرس: 5 بقية أنواع الزكوات والعوامل التي تساعد على تحقيق العمومية فيها

- ‌الزكاة في الذهب والفضة

- ‌الزكاة في الحلي المباح والمحرم، وآراء الفقهاء

- ‌ما تجب فيه الزكاة من الحرث

- ‌زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر

- ‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

- ‌تجنب الازدواج في أداء الزكاة، وتجنب الراجعية في الزكاة

- ‌محاربة التهرب من أداء الزكاة

- ‌الدرس: 6 الجزية والخراج والعشور

- ‌العمومية في الجزية

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

- ‌مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تاريخ الخراج، والعمومية فيه

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج

- ‌مراعات ظروف الممول في الخراج

- ‌من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور

- ‌الدرس: 7 النظام السياسي الإسلامي

- ‌مصطلح السياسة منذ بداية الدولة الإسلامية

- ‌مرتكزات السياسة في الإسلام

- ‌مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم

- ‌السنة

- ‌حجيه السنة بجميع أنواعها

- ‌الإجماع

- ‌القياس

- ‌الاستحسان

- ‌المصالح المرسلة

- ‌العرف

- ‌الدرس: 8 قواعد النظام السياسي الإسلامي

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: أولا: الحاكمية لله

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: ثانيا: الشورى

- ‌تابع: أدلة الشورى

- ‌تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها

- ‌كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى

- ‌مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك

- ‌أهل الشورى، والشروط اللازم توافرها فيهم

- ‌الدرس: 9 قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌ العدالة

- ‌صور العدالة في القرآن

- ‌مسئولية الحكام

- ‌تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام

- ‌مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي

- ‌ الحريات الشخصية

- ‌الحرية الفكرية

- ‌تابع: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي: حرية التجمع

- ‌الحريات الاقتصادية

- ‌الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي

- ‌سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌الدرس: 10 الإمامة

- ‌مسئولية الحاكم أمام الأمة الإسلامية "مشروعية المسئولية

- ‌ الحكم عند العرب قبل الإسلام

- ‌الإمامة مبحث فقهي

- ‌معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام

- ‌معنى الإمامة العظمى

- ‌حكم نصب الإمام

- ‌القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ

- ‌الدرس: 11 شروط الإمامة العظمى

- ‌شروط الإمامة العظمى

- ‌العدالة

- ‌صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب

- ‌الكفاية الجسمية، والكفاية النفسية

- ‌شرط القرشية، وتولية الأفضل

- ‌الدرس: 12 طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌تابع انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة

- ‌انعقاد الإمامة بطريق النص

- ‌واجبات الإمام

- ‌حقوق الإمام

- ‌ تابع حقوق الإمام

- ‌انتهاء ولاية الإمام

- ‌الدرس: 13 توجيهات الفكر الإداري الإسلامي

- ‌العمل فريضة إسلامية

- ‌خصائص العمل في الإسلام

- ‌طبيعة تكوين المنظمة

- ‌تابع طبيعة تكوين المنظمة

- ‌الرقابة ومتابعة الإنجاز

- ‌العلاقات الإنسانية في العمل الجماعي

- ‌وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة

- ‌التوظيف حسب الجدارة

- ‌وجود قيادة سوية

- ‌الدرس: 14 المنهج الإداري في الإسلام

- ‌مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري

- ‌ التخطيط لنشر الدعوة

- ‌التخطيط للهجرة

- ‌تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة

- ‌المنهج الإسلامي في التنظيم

- ‌المنهج الإسلامي في الرقابة

- ‌الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإدارة في عهد أبي بكر رضي الله عنه

- ‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

- ‌الدواوين التي أنشاها عمر بن الخطاب

- ‌التجنيد الإجباري، ونشأة بيت المال

- ‌ رقابة عمر بن الخطاب لعماله

- ‌الإدارة عند الأمويين

- ‌الدرس: 15 أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات

- ‌مقدمة عن الوزارة في الدولة الإسلامية

- ‌وزارة التفويض

- ‌وزارة التنفيذ

- ‌مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ

- ‌الإمارة على الأقاليم

- ‌ أنواع الإمارة على الأقاليم

- ‌الأسس التي قامت عليها علاقة المسلمين بغيرهم

- ‌حرية العقيدة

- ‌العدل

- ‌الوفاء بالعهد

- ‌الفضيلة

- ‌التسامح

- ‌الرحمة

- ‌أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم

- ‌أحكام الدارين

- ‌مقدمة عن المعاهدات في الإسلام

- ‌أنواع المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌الدرس: 16 القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي

- ‌ مشروعية القضاء وأهميته

- ‌تاريخ القضاء في الإسلام

- ‌أركان القضاء

- ‌الدعوى وشروطها

- ‌ الدعوى:

- ‌تعارض الدعويين مع تعارض البينتين

- ‌وسائل الإثبات

- ‌ التثبت من وسائل الإثبات

- ‌الحكم

- ‌القضاء في المملكة العربية السعودية

الفصل: ‌تابع: أدلة الشورى

والحرب والمكيدة)) فقال الحباب: يا رسول الله!! فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالمنزل حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لقد أشرت بالرأي)) وفعل صلى الله عليه وسلم ما أشار به الحباب.

ويضيف ابن سعد على هذه الرواية بأن الوحي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر، ومن هذه الرواية نتبين: أن الرسول صلى الله عليه وسلم تشاور وعمل برأي من شاروه.

وفي غزوة أحد شاور الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين، وبعد أن قص عليهم رؤيا رآها تنبئ بوقائع حدثت فيما بعد، فقال:((فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا المدينة قاتلناهم فيها)) فانقسم المسلمون إلى فريقين، الأول ويحبذ الخروج إلى قريش حبًا في الشهادة؛ لأن بعضهم كان قد فاته ملاقاة العدو ببدر، وفريق آخر يرى عدم الخروج والبقاء في المدينة كما كان يرى صلى الله عليه وسلم ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأغلبية ترى الخروج لملاقاة العدو نزل على رأي الأغلبية.

وحين حاولوا بعد ذلك أن يثنوه عن الخروج عندما تبين لهم أنهم قد أكرهوا الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، قال لهم:((ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل)).

أيها الأخوة ونكتفي بهذا القدر ونكمل في المحاضرة القادمة -إن شاء الله- استودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

2 -

قواعد النظام السياسي في الإسلام (2)

‌تابع: أدلة الشورى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

تحدثنا في المحاضرة السابقة عن بقية مصادر الأحكام السياسية في الإسلام، ثم انتقلنا إلى الحديث عن قواعد النظام السياسي في الإسلام، فتحدثنا عن القاعدة الأولى وهي الحاكمية لله وحده، ثم بدأنا الحديث عن القاعدة الثانية التي تتمثل في الشورى في الإسلام، وذكرنا دليلها من الكتاب، وها نحن نواصل الآن الحديث عن دليلها من السنة، فنقول: وفي غزوة أحد شاور الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين وبعد أن قص عليهم رؤيا رآها تنبئ بوقائع حدثت فيما بعد، فقال: فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا المدينة قاتلناهم فيها.

فانقسم المسلمون إلى فريقين الأول: ويحبذ الخروج إلى قريش حبًّا في الشهادة؛ لأن بعدهم قد فاته ملاقاة العدو ببدر، وفريق آخر يرى عدم الخروج والبقاء في المدينة، كما كان يرى صلى الله عليه وسلم ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأغلبية ترى الخروج لملاقاة العدو نزل على رأي الأغلبية، وحين حاولوا بعد ذلك أن يثنوه عن الخروج عندما تبين لهم أنهم قد أكرهوا الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، قال لهم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لَأْمَتَه أن يضعها حتى يقاتل.

ويعقب البعض على ذلك فيقول على ما حدث في غزوة أحد: بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان يرى أنه من الخير للمسلمين كما دلت الوقائع بعد ذلك عدم خروجهم لملاقاة قريش الذين كانوا يفوقونهم في العدد والعدة في ساحة المعركة المكشوفة، وأن يعسكروا في المدينة، ويدافعوا عنها إذا هوجمت، ولكن لما كانت

ص: 350

الأغلبية ترى خلاف ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأقلية التي رأت رأيه فقد نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأي الأغلبية، ومن هذه الواقعة نتبين أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم التزم بما انتهى إليه المتشاورون مع أن رأيه الشخصي كان خلاف رأيهم، حيث كان يرى أنه من الأفضل البقاء في المدينة والتحصن بها، فهذا أخذ بمبدأ الشورى في الإسلام إلى أقصى درجة.

وهناك سابقة حدثت في عهد النبوة تعطي تأكيدًا قاطعًا لمسلك النبي صلى الله عليه وسلم بصدد الشورى، وقد رواها البخاري وغيره من الفقهاء ومجمل القصة أن وفدًا من هوازن قدم إليه أي: إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد غزاهم وأخذ منهم الأموال والسبايا، وهم يردون أن يستردوا هذه الأشياء، فلما جاءوا إليه صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، قال لهم: معي من ترون. يعني: كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: معي الصحابة سوف آخذ رأيهم في هذا الموضوع، ولن أستطيع أن أبدي رأيًا دون الرجوع إليهم، قال لهم: معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبي وإما المال.

النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: لن تأخذوا السبي والمال معًا، لكن اختاروا إما السبي وإما المال، وقال لهم: كنت قد استأنيت بكم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أنذرهم بضعة عشرة ليلة حين قفل ورجع من الطائف، ولما تبين لهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يرد إليهم إلا إحدى الطائفتين اختاروا السبي فقام الرسول صلى الله عليه وسلم وقال أما بعد: فإن إخوانكم قد جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك، فليفعل. أي: من أحب منكم أن يرد إليهم السبي الذي أخذه فليفعل -يعني يرده إليهم، وله الثواب من الله تبارك وتعالى، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل.

ص: 351

أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة من كان عنده شيء من السبايا فإن اختار أن يرد ذلك إلى هؤلاء القوم، أي إلى اليهود بدون مقابل فليفعل، أما من كان عنده شيء من السبايا ولا يريد أن يرده بدون مقابل فليرده وسوف نعطيه ما يقابل ذلك عندما يفيء الله علينا يعني عندما يمن الله علينا بالمال، فقال الناس: قد طبنا ذلك يا رسول الله.

يعني: وافقنا يا رسول الله على ما تقول وسوف نرد هذه السبايا بدون مقابل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، يعني: كأنه صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنا لم أتأكد من الذي أذن ورضي، ومن الذي لم يأذن ولم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم.

فهذه الواقعة تبين من ناحية أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشاور المسلمين فيما يعرض عليه من حوادث ووقائع، ومن ناحية أخرى فإنها تدل على الأخذ بنظام التمثيل والنيابة وهو ما يستدل من قوله صلى الله عليه وسلم حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم يعني إناس تختارونهم يوصلون إلينا أمركم.

ولم يقتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على المشاورة في الأمور العامة والخطيرة التي تهم المسلمين جميعًا، وإنما شاورهم في أخص أموره الشخصية، كما حدث عندما أخذ يشاور كبار الصحابة فيما يتخذه مع أم المؤمنين عائشة، عندما رماها أهل الإفك من المنافقين بتهمة باطلة وكان القصد من ذلك الإساءة إلى الإسلام والمسلمين على النحو المعروف في القصة الشهيرة بقصة الإفك، ولما كان البت في مثل هذه المسألة له تأثير كبير على نفوس المسلمين، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستقل فيها برأي، وإنما طرح المسألة على المؤمنين، ليأخذ رأيهم وقد نزل القرآن بعد ذلك يثبت براءة عائشة رضوان الله تبارك وتعالى عليها.

ص: 352

أيضًا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمدح الشورى ويحث المسلمين على تحقيقها ويشاور المسلمين في معظم الأمور التي تعرض له كما بينا، وقد أكد أبو هريرة رضي الله عنه ذلك بقوله: لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد روى الفقهاء أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الشورى منها: ((المستشار مؤتمن)) ومنها: إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنه قال أيضًا: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم وقال: ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار وقال: ما شقي قط عبد بمشورة وقال أيضًا: المشورة حصن من الندامة، وأمان من الملامة وقال أيضًا: من أراد أمرًا فشاور فيه امرءا مسلمًا وفقه الله لأرشد أموره وقال: رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس وقال: وما استغنى مستبد برأيه، وما هلك أحد عن مشورة وفي رواية: وما يستغني رجل عن مشورة وقال: أما إن الله ورسوله لغنيان عنها -أي: المشاورة- ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا، ومن تركها لم يعدم غيًّ ويعقب الشيخ/ رشيد رضا على ذلك بقوله: أي: شرعها الله سبحانه وتعالى لتحقق الرشد في المصالح ومنع المفاسد؛ فإن الغي هو الفساد والضلال، وقال صلى الله عليه وسلم: استعينوا على أموركم بالمشاورة.

وفي كثير من الأمور الدنيوية كان صلى الله عليه وسلم يرجع إلى المسلمين، وفي هذا النطاق يروى عنه صلى الله عليه وسلم قوله:((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) وقوله: ((ما كان من أمر دينكم فإليّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به)) ومن هنا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينزل على آرائهم في أمور الدنيا.

ص: 353

وبعد عرض هذه السوابق التي حدثت إبان عصر النبوة، فنأتي إلى الإجابة على السؤال الذي طرحناه في بداية حديثنا عن الشورى، وهو هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم ملتزمًا بمشاورة الصحابة، فيما يريد أن يقدم عليه من الأمور.

مدى التزام الرسول صلى الله عليه وسلم بالشورى: اختلف الفقهاء في الإجابة على هذا التساؤل فذهب رأي إلى أن هذا الأمر ليس ملزِمًا للرسول صلى الله عليه وسلم أي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ملزمًا بأن يستشير الصحابة في الأمور التي تحدث له، ذهب رأي إلى أن هذا الأمر ليس ملزمًا للرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الإيجاب وإنما هو من قبيل الاستحباب؛ لتطييب خاطر المسلمين وتألفًا لقلوبهم، ولأن ذلك أعطف لهم وأذهب لأضغانهم كما أن ذلك من باب التكريم والاعتبار لهم وتألفًا لهم على دينهم، وإن كان الله سبحانه وتعالى قد أغناه عن هذه المشاورة بتدبير أموره وسياسته إياه.

والاتجاه الثاني يرى أن الأمر الوارد في الآية الكريمة هو على سبيل الوجوب، فيما لم يرد فيه وحي فقد يكون لدى المسلمين ما ينتفع به، ومن ثم فيجب الرجوع إليهم. ووفقًا لهذا الرأي فالمشورة إنما هنا تكون على سبيل الوجوب، كما أننا من خلال السوابق النبوية التي أشرنا إلى بعضها أكدنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخرج عما انتهى عليه المتشاورون.

وإذا رجعنا إلى نطاق هذا الواجب فما هو نطاق هذا الواجب يعني إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الأمر هل يشاورهم في كل الأمور سواء أمور دينية أو أمور دنوية أو أمور حربية أو اقتصادية أم ماذا؟ هذا هو ما يعرف بنطاق هذا الواجب.

ص: 354

نقول: وأما نطاق هذا الواجب، وهو واجب المشاورة، فهو ما لم تتفق عليه الآراء، فرأي يذهب إلى أن ذلك قاصر على المسائل الدنيوية كأمور الحرب وغيرها، أما المسائل الدينية فهي تخرج عن نطاق المشاورة، وليس الرسول ملزمًا بمشاورة المسلمين فيها، حتى في الأمور التي لم ينزل عليه صلى الله عليه وسلم فيها وحي؛ لأن هذه الأمور مرجعها إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بجميع أقسامها وجوبًا وندبًا وإباحة وكراهة وتحريمًا، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ملتزمًا بالمشاورة في هذه الأحكام الدينية؛ لأن الرأي فيها لله عز وجل وحده عن طريق الوحي؛ لذلك فإن بعض الفقهاء يفسر اللفظ الوارد في آية الشورى، وهي قوله تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: من الآية: 38) واللفظ الوارد في سورة آل عمران: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (آل عمران: من الآية: 159) بأن المراد هو الأمر الدنيوي الذي يقوم به الحكام عادة، لا أمر الدين المحض، الذي مداره الوحي دون الرأي.

إذ لو كانت المسائل الدينية كالعقائد والعبادات والحلال والحرام مما يقرر بالمشاورة لكان الدين من صنع البشر، وهذا محال وباطل، وإنما هو صنع إلهي، ليس لأحد فيه رأي لا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا بعد عهده صلى الله عليه وسلم ولهذا فإننا نرى الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يعرضون رأيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن يتأكدوا بأن ما يعرضون إليه من رأي إنما هو من الأمور التي لم ينزل فيها وحي، وهذا واضح من المناقشة التي جرت بينه صلى الله عليه وسلم وبين الحباب بن المنذر يوم بدر، إذ أن الحباب قال له عندما نزل في مكان: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

فمعنى كلام الحباب بن المنذر أن هذا الرأي لو كان الله هو الذي جعلك تقف فيه فليس لنا أن نبدي برأي، أما إذا كان أمور دنيوية وأمور حرب وكذا فنبدي

ص: 355

رأينا، هذا معناه أن الصحابة كانت الأمور الدينية لا يبدون فيها رأيًا ويسألون أولًا النبي صلى الله عليه وسلم هل هذا الأمر يتصل بالدين أو يتصل بأمور الدنيا فإن كان يتصل بأمور الدين لا يبدون رأيًا، أما إذا كان يتصل بأمور الدنيا كالحرب مثلًا فكانوا يبدون رأيهم في ذلك، ومن بين من قالوا بذلك يذهب إلى أن استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم في المسائل الدينية، وإن لم يكن على سبيل الحكم والإلزام إلا إنها كانت تطييبًا لنفوس المسلمين، وهذا لا ينافي أن مرجع الأمور الدينية هو الوحي.

يعني: وإن قلنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرهم في أمور الدنيا فقط، لكن إنه صلى الله عليه وسلم يشيرهم في بعض الأمر أو يستشيرهم في بعض الأمور الدنيوية فهذا ليس واجبًا عليه، وإنما هو من باب تطييب النفوس فقط.

هذا هو الرأي الأول والذي يقول بأن المشاورة إنما لا تكون في الأمور الدينية وإنما تكون في الأمور الدنيوية فقط.

ويذهب البعض الآخر إلى أن نطاق المشاورة يشمل المسائل الدنيوية كما يشمل أيضًا المسائل الدينية، فيما لم ينزل فيه وحي، والوحي يصوب الرسول صلى الله عليه وسلم في الحالة الأخيرة، إذا ما أخطأ المتشاورن إلا أن هذا الأمر ليس معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في حاجة إلى المشاورة، وإنما هو تنبيه من الشارع الحكيم لما في الشورى من فضل وحتى تقتضي به الأمة من بعده، هذا هو الرأي الثاني، ونحن نرى أن الاتجاه الذي يرى بأن الشورى ملزمة ويحدد نطاقها في المسائل الدنيوية التي لم يرد فيها نص هو الرأي الأدعى للقبول والراجح في نظرنا ذلك أن المسائل الدينية تخرج عن نطاق المشاورة؛ لأن أساسها والمرجع فيها إلى الوحي سواء أكان بطريق مباشر، وهو ما ينزل به الوحي من نصوص الكتاب أو بطريق

ص: 356

غير مباشر فيما سنه لهم الرسول صلى الله عليه وسلم من أحكام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم طاعته واجبة على كافة الخلق فيما أحبوا أو كرهوا ولا يجوز أن يعطى الحق للمسلمين في مشاورة تخرج عن نطاق هذه المسائل، لهذا نجد بعض المفسرين يذكرون عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقرأ الآية الواردة في سورة آل عمران: وشاروهم في بعض الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله أما الجمهور فإنهم لا يأخذون بهذه الزيادة، إلا أنه يرى أن الأمر هنا ليس واردًا على سبيل العموم إذا لا يشاور في التحليل والتحريم، وهذا الاتجاه يتفق مع المنطق والعقل وأساس التشريع الإسلامي.

ويؤيده أن المسائل التي وقعت فيها المشاورة في عهد الني صلى الله عليه وسلم كانت تتعلق بمسائل دنيوية كمسائل الحرب، وما يتعلق بالمعاملات الجارية بين الناس، ثم نتحدث عن موضوع آخر وهو مدى التزام الرسول صلى الله عليه وسلم بإتباع ما انتهى إليه المتشاورون إذا قلنا بان النبي صلى الله عليه وسلم يرجع إلى الصحابة ويستشيرهم في الأمور فإذا اتفقوا على رأي معين فهل يأخذ بهذا الرأي أم أن من حقه أن يخالف هذا الرأي ويأخذ برأي يراه هو نقول: يبقى سؤال أخير فيما يتعلق بالأمر الوارد للرسول صلى الله عليه وسلم بالمشاورة ومؤداه، هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان ملزمًا بالمشاورة على التفصيل الذي بيناه؟ هل كان عليه أن يعمل بما ينتهي إليه أغلبية المتشاورين؟ أي: هل كان ملزمًا بأن يعمل بما انتهى إليه رأي الأغلبية أم لا؟ نقول لم يتفق الفقهاء على إجابة محددة حول هذا السؤال والسبب الذي أدى إلى عدم الجزم بإجابة محددة هو عدم اتفاقهم على تفسير قوله عز وجل: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (آل عمران: من الآية: 159) فيذهب رأي إلى أن الأمر الوارد في الآية ينصرف إلى وجوب المشاورة فإذا انتهت وعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على أمر من الأمور فله أن يمضي فيه ويتوكل على الله تعالى لا على مشاورتهم، أي: أن الشورى واجبة ابتداء لا انتهاء. أي: أنه كان يشاورهم في الابتداء الأمر لكن نتيجة المشاورة لم يكن ملزمًا بها النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 357

في حين يرى رأي آخر إلى أن الشورى ملزمة ابتداء وانتهاءً بمعنى أن الشورى واجبة عندما يراد البت في أي أمر من الأمور الدنيوية، ولا يجوز الإقدام على أمر من الأمور فيما لم ينزل فيه وحي إلا بإتباع المشاورة، فإذا انتهى المتشاورون إلى رأي فإن هذا الرأي يكون واجب العمل به، وهو ما يستدل من قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما وما روي عن علي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم قال: مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم.

وفي نطاق المفاضلة بين هذين الاتجاهين وهذين الرأيين نرى أن ما رواه الذين يقولون بأن المشاورة ملزمة ابتداء وانتهاء. أي أنه يجب العمل بالرأي الذي انتهى إليه المتشاورون هو الأولى بالقبول والراجح، وإذا كان الاتجاه الأول يتلاءم مع عصر النبوية باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم معصومًا عن الخطأ ومنزهًا عن الهوى، ومن ثم فإنه إذا أقدم على رأي حتى ولو كان يخالف ما انتهى إليه المتشاورون فإنه سيكون الرأي الصواب، وإن لم يكن كذلك فإن الوحي كفيل بأن يوجه الرسول صلى الله عليه وسلم أما بعد عصر النبوة وانتهاء الوحي فإن القول بأن المشاورة إن كانت واجبة في البداية فهي ليست واجبة انتهاء بحيث يكون للحاكم أن يعزم على رأي حتى ولو كان مخالفًا لما انتهى إليه المتشاورون، نقول هو قول لا نقبله؛ لأنه من ناحية يجعل الشورى أمرًا صوريًّا ووهميًّا بحيث يكون الحاكم قد امتثل إلى هذا الواجب بمجرد المشاورة، حتى ولو كان قد عزم مسبقًا على رأي محدد يخالف رأي الأغلبية من الأمة.

ومن ناحية أخرى فإن هذا القول من شأنه أن يؤدي إلى الاستبداد، والتسلط حيث ينتهي في النهاية إلى عدم إعطاء أي قيمة أو وزن لآراء أهل الشورى، وهم

ص: 358

علماء الأمة وأهل الحل والعقد فيها، ومن المؤكد أن الشريعة الإسلامية لا تسمح مطلقًا بالتسلط والاستبداد ومن المنهي عنه أن يكون الحاكم طاغوتًا يريد علوًا على الناس، بل يجب أن يخضع لما ينتهي إليه أهل الاجتهاد وينزل على رأيهم، وهذا الرأي يتفق مع ما رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن ولم تمض فيه منك سنة، قال: اجمعوا له العالمين أو قال: العابدين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد لأن القرار الناتج عن الشورى غير ملزم، فإن ذلك سيؤدي إلى الحد من تطبيق الشورى والعمل بها وهو ما يؤدي إلى ضياع هذا الواجب كلية.

ونتحدث الآن عن تطبيقات الشورى في عصر الخلفاء الراشدين:

وإذا ما نحن ألقينا بعض النظر على هذا المبدأ بعد عصر النبوة فإننا نجد بعض الفقهاء يوسع من نطاق الشورى ويجعلها واجبة في كل المسائل التي لم ينزل فيها وحي، بعد أن يخرج أو أن يخرج المسائل الدينية المتعلقة بالعقيدة؛ لأن النصوص قد بينتها على سبيل الحصر، ولا مجال فهيا للمشاورة.

أما عدا هذه المسائل سواء تعلقت بمسائل الحرب أو غيرها من المسائل التي تدخل في نطاق السلطات السياسية إن كانت متعلقة بالأحكام فالشورى فيها واجبة ابتداء على رأي وابتداء وانتهاء على رأي آخر على التفصيل الذي بيناه في الشورى في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا الرأي يجد سنده في السوابق التي حدثت في عصر الصحابة، فقد تشاورا في الخلافة، وفيما يجب إتباعه مع أهل الردة وتشاورا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده وتشاورا في مسائل الحروب وغيرها.

ص: 359