المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها

- ‌ مفهوم السياسة الشرعية

- ‌شروط العمل بأحكام السياسة الشرعية

- ‌موضوعات علم السياسة الشرعية

- ‌مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام

- ‌اعتبار المصالح المرسلة دليلًا لاعتبار أحكام السياسة الشرعية

- ‌الدرس: 2 مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة

- ‌خبرة النبي عليه الصلاة والسلام بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة

- ‌القواعد التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة

- ‌أهم المعالم للنظم الانتقالية التي وضعها النبي في المدينة

- ‌النظم الأساسية التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌تابع: النظم التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌الدرس: 3 النظام المالي للدولة الإسلامية

- ‌الزكاة من أهم الموارد المالية في عهد النبي

- ‌أهم الموارد المالية في عهد النبي: الغنائم، الفيء، الجزية

- ‌النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق

- ‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌تابع: تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌النظام المالي في عهد عثمان بن عفان

- ‌النظام المالي في عهد علي بن أبي طالب

- ‌المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌تابع: المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌موقف عمر بن عبد العزيز من الأخطاء المالية في عهد الأمويين

- ‌الدرس: 4 العمومية المعنوية والمادية للزكاة

- ‌المقصود بالشخص الطبيعي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون

- ‌الخلطة في الأنعام كمثال للشخص المعنوي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء من تأثير الخلطة في الزكاة

- ‌حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌تابع: حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌تابع: الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌الدرس: 5 بقية أنواع الزكوات والعوامل التي تساعد على تحقيق العمومية فيها

- ‌الزكاة في الذهب والفضة

- ‌الزكاة في الحلي المباح والمحرم، وآراء الفقهاء

- ‌ما تجب فيه الزكاة من الحرث

- ‌زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر

- ‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

- ‌تجنب الازدواج في أداء الزكاة، وتجنب الراجعية في الزكاة

- ‌محاربة التهرب من أداء الزكاة

- ‌الدرس: 6 الجزية والخراج والعشور

- ‌العمومية في الجزية

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

- ‌مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تاريخ الخراج، والعمومية فيه

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج

- ‌مراعات ظروف الممول في الخراج

- ‌من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور

- ‌الدرس: 7 النظام السياسي الإسلامي

- ‌مصطلح السياسة منذ بداية الدولة الإسلامية

- ‌مرتكزات السياسة في الإسلام

- ‌مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم

- ‌السنة

- ‌حجيه السنة بجميع أنواعها

- ‌الإجماع

- ‌القياس

- ‌الاستحسان

- ‌المصالح المرسلة

- ‌العرف

- ‌الدرس: 8 قواعد النظام السياسي الإسلامي

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: أولا: الحاكمية لله

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: ثانيا: الشورى

- ‌تابع: أدلة الشورى

- ‌تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها

- ‌كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى

- ‌مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك

- ‌أهل الشورى، والشروط اللازم توافرها فيهم

- ‌الدرس: 9 قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌ العدالة

- ‌صور العدالة في القرآن

- ‌مسئولية الحكام

- ‌تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام

- ‌مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي

- ‌ الحريات الشخصية

- ‌الحرية الفكرية

- ‌تابع: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي: حرية التجمع

- ‌الحريات الاقتصادية

- ‌الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي

- ‌سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌الدرس: 10 الإمامة

- ‌مسئولية الحاكم أمام الأمة الإسلامية "مشروعية المسئولية

- ‌ الحكم عند العرب قبل الإسلام

- ‌الإمامة مبحث فقهي

- ‌معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام

- ‌معنى الإمامة العظمى

- ‌حكم نصب الإمام

- ‌القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ

- ‌الدرس: 11 شروط الإمامة العظمى

- ‌شروط الإمامة العظمى

- ‌العدالة

- ‌صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب

- ‌الكفاية الجسمية، والكفاية النفسية

- ‌شرط القرشية، وتولية الأفضل

- ‌الدرس: 12 طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌تابع انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة

- ‌انعقاد الإمامة بطريق النص

- ‌واجبات الإمام

- ‌حقوق الإمام

- ‌ تابع حقوق الإمام

- ‌انتهاء ولاية الإمام

- ‌الدرس: 13 توجيهات الفكر الإداري الإسلامي

- ‌العمل فريضة إسلامية

- ‌خصائص العمل في الإسلام

- ‌طبيعة تكوين المنظمة

- ‌تابع طبيعة تكوين المنظمة

- ‌الرقابة ومتابعة الإنجاز

- ‌العلاقات الإنسانية في العمل الجماعي

- ‌وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة

- ‌التوظيف حسب الجدارة

- ‌وجود قيادة سوية

- ‌الدرس: 14 المنهج الإداري في الإسلام

- ‌مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري

- ‌ التخطيط لنشر الدعوة

- ‌التخطيط للهجرة

- ‌تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة

- ‌المنهج الإسلامي في التنظيم

- ‌المنهج الإسلامي في الرقابة

- ‌الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإدارة في عهد أبي بكر رضي الله عنه

- ‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

- ‌الدواوين التي أنشاها عمر بن الخطاب

- ‌التجنيد الإجباري، ونشأة بيت المال

- ‌ رقابة عمر بن الخطاب لعماله

- ‌الإدارة عند الأمويين

- ‌الدرس: 15 أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات

- ‌مقدمة عن الوزارة في الدولة الإسلامية

- ‌وزارة التفويض

- ‌وزارة التنفيذ

- ‌مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ

- ‌الإمارة على الأقاليم

- ‌ أنواع الإمارة على الأقاليم

- ‌الأسس التي قامت عليها علاقة المسلمين بغيرهم

- ‌حرية العقيدة

- ‌العدل

- ‌الوفاء بالعهد

- ‌الفضيلة

- ‌التسامح

- ‌الرحمة

- ‌أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم

- ‌أحكام الدارين

- ‌مقدمة عن المعاهدات في الإسلام

- ‌أنواع المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌الدرس: 16 القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي

- ‌ مشروعية القضاء وأهميته

- ‌تاريخ القضاء في الإسلام

- ‌أركان القضاء

- ‌الدعوى وشروطها

- ‌ الدعوى:

- ‌تعارض الدعويين مع تعارض البينتين

- ‌وسائل الإثبات

- ‌ التثبت من وسائل الإثبات

- ‌الحكم

- ‌القضاء في المملكة العربية السعودية

الفصل: ‌خصائص العمل في الإسلام

وفي التجارة:

سما الرسول صلى الله عليه وسلم بشأن المشتغلين بها إلى مصف الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، إذا التزموا جانب الصدق في ممارستها، فيقول صلى الله عليه وسلم:((التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين)) ويؤكد -صلوات الله وسلامه عليه- أهمية التجارة كمصدر رئيسي للربح، إذ يقول صلى الله عليه وسلم:((تسعة أعشار الرزق في التجارة)) فالتجارة تعني: تسويق الإنتاج، وتصريفه، أيًّا كان نوعه؛ ابتغاء الكسب المشروع الذي أحله الله دون الربا؛ لقوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة: من الآية: 275).

ويرجع تحريم الربا -على حد قول الإمام الرازي- إلى أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب؛ وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدًا، كان أو ناسيًا، خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات، والحرف، والصناعات، والعمارات.

فالإسلام يحرم الربا؛ لآثاره السيئة، إذ يُقعد صاحب المال عن العمل، والسعي للكسب والاستثمار، فضلًا عما فيه من استغلال لإنسان آخر، مما يؤدي إلى التخلف الاقتصادي والاجتماعي.

‌خصائص العمل في الإسلام

رأينا أن الإسلام جعل من العمل فريضة عامة؛ إعمالًا لمبدأ في المساواة بين بني آدم، كما أنه دعا انطلاقًا من ذاتيته إلى اتباع الصراط المستقيم، ومقتضاه انتهاج

ص: 597

السلوك السوي السليم؛ ولذا وضع مواصفات وضوابط العمل، التي تحقق هذا السلوك، وحسبنا أن نعرض هنا لبعضها -أي: لبعض هذه الخصائص للعمل-:

فنقول: الإيمان والعمل الصالح؛ أول خاصية من خصائص العمل في الإسلام ارتباط الإيمان بالعمل الصالح، فالإسلام عقيدة عمل وعمل عقيدة، وهو ما يؤكده القرآن الكريم في أكثر من خمسين آية، بالربط بين الإيمان وعمل الصالحات، سواء بصيغة الفرد في قوله تعالى:{مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} (الكهف: من الآية: 88) أو بصيغة الجماعة في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} (البقرة: من الآية: 25).

والإيمان هو: الاعتقاد، واليقين، والتصديق بفكرة، أو سلوك معين؛ أما عمل الصالحات فيعني: مطلقًا، وعموم العمل الصالح، الذي يحقق صالح وخير ونفع الفرد والجماعة، سواء في شئون الدنيا، أو الدين، ويربط القرآن الكريم الإيمان بالعمل الصالح ارتباط الأصل بالفرع، والأساس بالبناء، وهو ارتباط يستحيل معه تواجد أحدهما دون الآخر، فالإنسان لا يعرف إيمانًا لا يثمر عملًا صالحًا، ولا يقوم عمل صالح غير مستند إلى إيمان ولا يصدر عن عقيدة، وقد خص الله سبحانه وتعالى المؤمنين الذي يعملون الصالحات ببالغ الرعاية، وأجزل لهم الجزاء والأجر في الدنيا والآخرة، إذ لهم جزاء الضعف، وجزاء الحسنى، وأجر كبير، وأجر غير ممنون لا ينقطع، وجنات المأوى، وجنات النعيم، وهم خير البرية، كما حدثنا القرآن الكريم عن هذه الأوصاف.

وهو ما يتجلى في تأكيده سبحانه إذ يقول: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97) وفي قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} (النور: من الآية: 55).

ص: 598

وعليه نخلص مما تقدم إلى التوجيهين التاليين في مجال الفكر الإداري الإسلامي:

1 -

أن المؤمن مطالب بعمل الصالحات جميعًا، سواء ما يتعلق منها بالصالح الفردي للعامل، أو الصالح الجماعي للمنظمة، ويقتضي السلوك المعتدل المنبثق عن ذاتية الإسلام تحقيق التوازن في العمل، بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة.

2 -

أن عمل الصالحات -وهي الأعمال التي تتوخى إصلاح حال الفرد والجماعة- يجب أن يصدر عن إيمان، حتى يحقق ثمرته المرجوة؛ ولذا فالإسلام عمل عقيدة وعقيدة عمل، وهذا هو المدخل العقائدي لأي عمل إصلاحي، والمتعين الأخذ به لنجاح الإصلاح الإداري في موضوع الإدارة العامة، ويتطلب ارتباط الإيمان بالعمل في أي من مجالات الإصلاح توفير الدعوة اللازمة لهذا الإصلاح؛ والتوعية الكافية به لنجاح تطبيقه.

ومن خصائص العمل في الإسلام: أنه ينبغي أن يكون مخططًا، فإن تحقيق الهدف والتخطيط يمثلان الجانب الفكري للعمل، والسابق على إنجازه، فالإنسان الذي ميزه على سائر مخلوقاته بالعقل يصدر في أعماقه وتصرفاته عن تفكير مسبق؛ يتناول تحديد أهداف أعماله، ومقاصدها، والإعداد -أي: التخطيط لها، فالإنسان العاقل يُسائل نفسه ابتداء قبل الإقدام على مباشرة أي عمل: لماذا يقوم به؟ ويجيب عليه في ضوء ما يهديه إليه تفكيره وتحركه إليه؛ دافعًا في ذلك أنه يحدد بدقة وفي وضوح ما يستهدفه بعمله، وفي ضوء تحديده للهدف يبدأ في الإعداد والتحضير لهذا العمل؛ بالبحث في أفضل الأساليب والوسائل لإنجازه، وأنسب الأشخاص والأمكنة والأوقات لإنجازه، وهي عملية التخطيط للعمل -أي: الإعداد له- والتي تعني بها الإدارة باعتبارها تنظيم نشاط بشري جماعي هادف.

ص: 599

والإسلام إذ يُعمل العقل فإنه يعتد إلى درجة كبيرة بالنية -أي: بالقصد في إتيان الأعمال- ويجعلها مناط تقييمها؛ فالنية أساسية في تحديد الأعمال والحكم عليها؛ ولذا يقول الله تبارك وتعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا} (الإسراء: 84) وكذا قوله تعالى {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (البقرة: من الآية 148) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كان هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليها)).

كما أن الإسلام -في ربطه الأعمال بمقاصدها- يدعو إلى نبل هذه المقاصد، وتوخيها الخير، والتنافس على فعله؛ اكتسابًا لرضاء الله سبحانه وتعالى فإنه إذا كان لا بد لكل عاقل من غرض يقصد إليه بعمله فإن ذلك الغرض هو الأساس في قبول الأعمال ورفضها؛ هو الميزان الذي به تعرف درجة الأعمال عند الله، فإذا ما سما الغرض، وكان القصد نبيلًا، واتصل بالإرادة الدائمة، والتُمس به مرضاة الله كان ذلك سببًا قويًّا في تقبل الأعمال، وارتفاع الدرجات، وكان في الوقت نفسه دليلًا واضحًا على قوة إيمان العامل بالله، وشدة مراقبته لمولاه، فيتقي، ويحسن.

ويدعونا الإسلام إلى تمثل الهدف عند البدء في مباشرة أي من الأعمال؛ كي يتسق العمل في أسلوبه وتوقيته وتحديد مكانه مع القصد؛ وذلك باشتراط استحضار النية عند أداء أي من الأعمال، كما في القيام بالفرائض الدينية مثل: الصلاة، والصوم، والحج، وغيرها، ويرى الإسلام في وحدة الهدف: أساس تماسك الجماعة، وترابطها، وهو ما يتجلى في قوله سبحانه:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: من الآية: 103).

ص: 600

ويستتبع تحديد الهدف تخطيط العمل، والإعداد لمواجهة تحديات إنجاز العمل في المستقبل، ولا يترك ذلك تحت رحمة الظروف والمفاجآت، بل نأخذ في الاعتبار توقعات المستقبل، والإمكانيات المتاحة حالًا ومستقبلًا، وهو ما يتجلى في قوله تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (الأنفال: من الآية: 60) وإذا كانت الآية الكريمة قد وردت في خصوص التخطيط العسكري، فإنها تضع لنا توجيهًا عامًّا لمواجهة أي تحديات واحتمالات مستقبلية في سائر مجالات العمل.

ولنا في قصة يوسف عليه السلام نموذجًا للتخطيط المدني في حقل التموين، عندما أنبأ فرعون مصر بتأويل رؤياه، موضحًا له أن البلاد سوف تحقق إنتاجا زراعيًّا وفيرًا لمدة سبع سنوات، تواجه بعدها سبع سنوات عجاف، مما يتعين معه الاستعداد مقدمًا بالادخار من إنتاج سنوات الرخاء؛ لمواجهة سنوات الشدة، وفي ذلك يقول- سبحانه وتعالى:{قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَاّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَاّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} (يوسف: من الآية: 47، 48).

وقد تأكد ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا)) الذي يدعو بل يأمر بالأخذ بالتخطيط للعمل، ليس فقط للمدى القصير، أو المتوسط، أو الطويل، بل لأمد بعيد، والعمل أيضًا ينبغي أن يكون مبسطًا؛ إذ يحض الإسلام على حسن الأداء، وهو ما يؤكده العديد من آي القرآن الكريم؛ فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان والحياة والموت؛ لاختبار البشر في مدى إجادتهم لأعمالهم في دنياهم، فيقول سبحانه وتعالى:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (هود: من الآية: 7) كما يقول سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الكهف: 7) ويقول تبارك وتعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الملك: من الآية: 2).

ص: 601

كما يقرر المولى سبحانه مكافأة العاملين على حسن الأداء، فيقول -جل من قائل-:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (الكهف: من الآية 30) كما يقول سبحانه: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (النور: 38) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن)) فالإسلام يعول على الوازع الديني الذاتي، والحافز العقائدي الداخل في ضمان حسن العمل، وجودة الأداء، هذا بالنسبة لمهام التنفيذ.

أما بالنسبة للمهام الاستشارية، والتي تتمثل في مجرد إبداء المشورة والرأي الفني، فإنه يتعين الرجوع فيها إلى أهل الخبرة والاختصاص والعلم، وهو ما تؤكده آيات القرآن الكريم التالية؛ إذ يقول سبحانه:{وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (فاطر: من الآية: 14) ويقول تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النحل: من الآية: 43) كما يقول سبحانه وتعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النساء: من الآية: 83).

ومما تقدم: يتضح أن الإسلام يوجب مراعاة الاختصاص والخبرة والرجوع إلى أصحابها في كل ما يعن لنا من أمور، لا دراية، ولا علم لنا بها، ولكن ليس لأهل الاختصاص والخبرة سلطة فرض آرائهم، أو إصدار أوامر ملزمة في هذا الصدد، وهو ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى:{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصيْطِرٍ} (الغاشية: من الآية: 21، 22) وهو ما يأخذ به الفكر الإداري المعاصر.

وهكذا يحضنا الإسلام على إتقان العمل، سواء بالدعوة إلى حسن الأداء في مجال التنفيذ، أو بالرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص والعلم في مجال المشورة،

ص: 602

وإذا كان لكل عمل إجراءات معينة تقتضيها أصول إنجازه، ويتطلبها حسن أدائه، فإنه يتعين الآخذ في إجراءات العمل بالضروري اللازم لسلامة التنفيذ؛ فالإجراءات وسيلة وليست في ذاتها غاية، ولا شك في أن المبالغة في إجراءات العمل وخطوات إنجازه دون مقتضًى إنما هو انحراف عن القصد والاعتدال؛ الذي ينشده الإسلام في الدعوة إلى السلوك السوي، وهذه هي البيروقراطية التي حاربها الإسلام؛ والبيروقراطية تتمثل في الإجراءات الطويلة للعمل، وخطواته، ولذلك: الإسلام اعتبر هذه البيروقراطية انحرافًا عن القصد والاعتدال الذي ينشده الإسلام في الدعوة إلى السلوك السوي.

هذا فضلًا عن أن الإسراف في اتخاذ الإجراءات لون من الإسراف المحظور في الإسلام، كما يعرض المسرفين في إسرافها لغضب وسخط الله سبحانه وتعالى إذ تقول الآية الكريمة:{وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام: من الآية: 141) والإسلام لا يأخذ بالشكليات والإجرائيات إلا بالقدر الضروري الذي تفرضه سلامة المعاملات؛ فإذا انتفى ذلك تعين استبعادها؛ تيسيرًا للتعامل وسرعته، وتؤكد آية المداينة هذا المعنى، إذ تشترط الكتابة في التعامل الآجلي؛ حفاظًا لحقوق المتعاملين؛ أما في التعامل الحاضر فلا تسريب في التحلل منها؛ إذ يقول سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (البقرة: من الآية: 282) إلى قوله تعالى: {إِلَاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَاّ تَكْتُبُوهَا} .

ومعنى ذلك: أن الإجراءات أو الشكليات التي تسبق المعاملات الإسلام يقتصر فيها إلى أبعد الحدود؛ لأن الزيادة فيها إنما تؤدي إلى البيروقراطية التي تعاني منها الإدارات الحديثة في شتى الدول؛

ص: 603

ولذلك هذه الآية الكريمة -آية المداينة- تبين لنا أن إجراء الشهادة على الدين إنما يكون ذلك بالنسبة للدين المؤجل؛ أما إذا كانت التجارة حاضرة وليس هناك دين فليس هناك ما يدعو إلى هذا الإشهاد؛ وهذا دليل على أن الإسلام لا يريد ولا يرغب في المبالغة في إجراءات العمل، وخطوات إنتاجه، ولا بالشكليات والإجراءات التي لا لزوم لها.

وعليه: فالإسلام يحارب الإسراف في استخدام المكاتبات الورقية في المعاملات؛ وهي تمثل أسوأ أمراض الإدارة، التي تعكس النزوع إلى التعقيدات المكتبية، سمة بَيروقراطية السائدة في الدول النامية، نجد الإسلام يدعو إلى تيسير العمل وتبسيطه، ويستنكر التشدد والتنطع في العمل، وهو ما يستفاد من حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم:((إن الدين يسر، ولن يُشادَّ أحد هذا الدين إلا غلبه، ولكن سددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة، وشيء من الدلجة)) إذ يدعو -صلوات الله وسلامه عليه- إلى القصد والاعتدال في العبادة في غير تشدد، أو إهمال، ولا شك أن الأعمال كلها إنما هي تدخل ضمن العبادات.

وطبقًا للمفهوم الشامل للعبادة -الذي انتهينا إليه آنفًا- تعتبر خدمات الجماهير من قبيل العبادة الواجب عقيدة، تحديد إجراءات أدائها بما لا يؤدي إلى إنعات أو إرهاق لطالبيها؛ ولا يخل بسلامة وجودة إنجازها، أي: دون إفراط، أو تفريط.

ويرتبط بإتقان العمل وتبسيطه أن يكون مقدورًا؛ إعمالًا لقاعدة الإسلام الإنسانية: لا تكليف إلا بمقدور، وفي ذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَاّ وُسْعَهَا} (البقرة: من الآية: 233) وقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} (البقرة: من الآية:286) وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة: من الآية: 286) فلا إرهاق يضر العامل بدنيًّا، أو ذِهنيًّا.

ص: 604