المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وعلى كل حال فيجب أن نلاحظ دائمًا أن هذه الحريات - السياسة الشرعية - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها

- ‌ مفهوم السياسة الشرعية

- ‌شروط العمل بأحكام السياسة الشرعية

- ‌موضوعات علم السياسة الشرعية

- ‌مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام

- ‌اعتبار المصالح المرسلة دليلًا لاعتبار أحكام السياسة الشرعية

- ‌الدرس: 2 مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة

- ‌خبرة النبي عليه الصلاة والسلام بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة

- ‌القواعد التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة

- ‌أهم المعالم للنظم الانتقالية التي وضعها النبي في المدينة

- ‌النظم الأساسية التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌تابع: النظم التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌الدرس: 3 النظام المالي للدولة الإسلامية

- ‌الزكاة من أهم الموارد المالية في عهد النبي

- ‌أهم الموارد المالية في عهد النبي: الغنائم، الفيء، الجزية

- ‌النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق

- ‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌تابع: تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌النظام المالي في عهد عثمان بن عفان

- ‌النظام المالي في عهد علي بن أبي طالب

- ‌المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌تابع: المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌موقف عمر بن عبد العزيز من الأخطاء المالية في عهد الأمويين

- ‌الدرس: 4 العمومية المعنوية والمادية للزكاة

- ‌المقصود بالشخص الطبيعي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون

- ‌الخلطة في الأنعام كمثال للشخص المعنوي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء من تأثير الخلطة في الزكاة

- ‌حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌تابع: حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌تابع: الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌الدرس: 5 بقية أنواع الزكوات والعوامل التي تساعد على تحقيق العمومية فيها

- ‌الزكاة في الذهب والفضة

- ‌الزكاة في الحلي المباح والمحرم، وآراء الفقهاء

- ‌ما تجب فيه الزكاة من الحرث

- ‌زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر

- ‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

- ‌تجنب الازدواج في أداء الزكاة، وتجنب الراجعية في الزكاة

- ‌محاربة التهرب من أداء الزكاة

- ‌الدرس: 6 الجزية والخراج والعشور

- ‌العمومية في الجزية

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

- ‌مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تاريخ الخراج، والعمومية فيه

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج

- ‌مراعات ظروف الممول في الخراج

- ‌من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور

- ‌الدرس: 7 النظام السياسي الإسلامي

- ‌مصطلح السياسة منذ بداية الدولة الإسلامية

- ‌مرتكزات السياسة في الإسلام

- ‌مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم

- ‌السنة

- ‌حجيه السنة بجميع أنواعها

- ‌الإجماع

- ‌القياس

- ‌الاستحسان

- ‌المصالح المرسلة

- ‌العرف

- ‌الدرس: 8 قواعد النظام السياسي الإسلامي

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: أولا: الحاكمية لله

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: ثانيا: الشورى

- ‌تابع: أدلة الشورى

- ‌تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها

- ‌كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى

- ‌مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك

- ‌أهل الشورى، والشروط اللازم توافرها فيهم

- ‌الدرس: 9 قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌ العدالة

- ‌صور العدالة في القرآن

- ‌مسئولية الحكام

- ‌تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام

- ‌مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي

- ‌ الحريات الشخصية

- ‌الحرية الفكرية

- ‌تابع: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي: حرية التجمع

- ‌الحريات الاقتصادية

- ‌الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي

- ‌سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌الدرس: 10 الإمامة

- ‌مسئولية الحاكم أمام الأمة الإسلامية "مشروعية المسئولية

- ‌ الحكم عند العرب قبل الإسلام

- ‌الإمامة مبحث فقهي

- ‌معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام

- ‌معنى الإمامة العظمى

- ‌حكم نصب الإمام

- ‌القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ

- ‌الدرس: 11 شروط الإمامة العظمى

- ‌شروط الإمامة العظمى

- ‌العدالة

- ‌صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب

- ‌الكفاية الجسمية، والكفاية النفسية

- ‌شرط القرشية، وتولية الأفضل

- ‌الدرس: 12 طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌تابع انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة

- ‌انعقاد الإمامة بطريق النص

- ‌واجبات الإمام

- ‌حقوق الإمام

- ‌ تابع حقوق الإمام

- ‌انتهاء ولاية الإمام

- ‌الدرس: 13 توجيهات الفكر الإداري الإسلامي

- ‌العمل فريضة إسلامية

- ‌خصائص العمل في الإسلام

- ‌طبيعة تكوين المنظمة

- ‌تابع طبيعة تكوين المنظمة

- ‌الرقابة ومتابعة الإنجاز

- ‌العلاقات الإنسانية في العمل الجماعي

- ‌وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة

- ‌التوظيف حسب الجدارة

- ‌وجود قيادة سوية

- ‌الدرس: 14 المنهج الإداري في الإسلام

- ‌مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري

- ‌ التخطيط لنشر الدعوة

- ‌التخطيط للهجرة

- ‌تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة

- ‌المنهج الإسلامي في التنظيم

- ‌المنهج الإسلامي في الرقابة

- ‌الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإدارة في عهد أبي بكر رضي الله عنه

- ‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

- ‌الدواوين التي أنشاها عمر بن الخطاب

- ‌التجنيد الإجباري، ونشأة بيت المال

- ‌ رقابة عمر بن الخطاب لعماله

- ‌الإدارة عند الأمويين

- ‌الدرس: 15 أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات

- ‌مقدمة عن الوزارة في الدولة الإسلامية

- ‌وزارة التفويض

- ‌وزارة التنفيذ

- ‌مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ

- ‌الإمارة على الأقاليم

- ‌ أنواع الإمارة على الأقاليم

- ‌الأسس التي قامت عليها علاقة المسلمين بغيرهم

- ‌حرية العقيدة

- ‌العدل

- ‌الوفاء بالعهد

- ‌الفضيلة

- ‌التسامح

- ‌الرحمة

- ‌أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم

- ‌أحكام الدارين

- ‌مقدمة عن المعاهدات في الإسلام

- ‌أنواع المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌الدرس: 16 القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي

- ‌ مشروعية القضاء وأهميته

- ‌تاريخ القضاء في الإسلام

- ‌أركان القضاء

- ‌الدعوى وشروطها

- ‌ الدعوى:

- ‌تعارض الدعويين مع تعارض البينتين

- ‌وسائل الإثبات

- ‌ التثبت من وسائل الإثبات

- ‌الحكم

- ‌القضاء في المملكة العربية السعودية

الفصل: وعلى كل حال فيجب أن نلاحظ دائمًا أن هذه الحريات

وعلى كل حال فيجب أن نلاحظ دائمًا أن هذه الحريات لا يجوز بحال أن تمس المصالح العامة للمجتمع؛ ولذلك فمن الطبيعي أن الدولة تملك تقييد هذه الحريات الشخصية ببعض القيود لصالح الجماعة، وبخاصة عندما تطغى الأنانية الفردية، ويعم الفساد، وتفسد الذمم، وتضعف الضمائر، ففي هذه الحالة تملك السلطة الشرعية العادلة أن تتّخذ من الإجراءات والقيود ما يدفع الأخطار، ويوفر الأمن، ويحقق مصلحة المجتمع.

‌الحرية الفكرية

ثانيًا: الحرية الفكرية:

ويقصد بهذه الحرية في الفكر الدستوري الحديث:

- حرية العقيدة.

- وحرية الرأي والتفكير.

- وحرية التعليم والتعلم.

وفي النظام الإسلامي تُعتبر الحرية الفكرية بمشتملاتها المختلفة، من أهم الحريات التي تتوقف عليها حياة الإنسان كما أرادها له الخالق سبحانه وتعالى وإذا كانت الحريات الشخصية -التي أسلفت الحديث عنها- تحمي جانب المادي في الإنسان، فإن الحريات الفكرية تحمي الجوانب المعنوية، وهي أهم بالنسبة للإنسان من الجوانب المادية؛ ولذلك وردت الآيات صريحةً في كتاب الله تعالى تقرِّر حرية الإنسان الفكرية، وتحثّه على استعمال عقله الذي ميزه الله به عن سائر خلقه، كما قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} (سبأ: من الآية: 46).

وقال سبحانه وتعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية: الآية: 13).

وقال سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام: الآية: 50).

ص: 413

وغير ذلك كثير في آيات الكتاب العزيز يحض على التفكير في خلق الله، وينعي على تعطيل العقل عن وظائفه، واتباع الآباء، والتقليد الأعمى، وقد مارس سلفنا -معشر المسلمين- الحرية الفكرية كأعظم ما تكون؛ ولذلك أُثِرَ عنهم نتاج تفكيرهم في تلك العلوم النافعة المفيدة، ولعل أبرز مثال على ذلك تلك المدارس الفقهية المختلفة، التي تقرّرت في الفقه الإسلامي وفقًا للقواعد والأصول المسلَّمة لدى أئمة المذاهب في الاستنباط، وسوف نذكر مشتملات هذه الحرية الفكرية على التقسيم المعمول به في الفقه الدستوري الحديث؛ لنعرف ما جاء في النظام الإسلامي بهذا الشأن:

1 -

حرية العقيدة:

ويقصد بها في الفقه الدستوري الوضعي حرية الشخص في أن يعتنق الدين، أو المبدأ الذي يريده، وحريته في ألا يعتنق الدين أو المبدأ الذي يريده، وحريته في أن يمارس شعائر ذلك الدين، سواء في الخفاء أو علانية، وحريته في ألا يعتقد بأيّ دين، وحريته في ألا يفرض عليه دين معين، أو أن يجبر على مباشرة المظاهر الخارجية، أو الاشتراك في الطقوس المختلفة للدين، وحريته في تغيير دينه. كل هذا في حدود النظام العام والآداب، هذا بالنسبة للقوانين الوضعية وتفسيرها لحرية العقيدة.

وفي الواقع لم تصل الإنسانية إلى تقرير هذه الحرية إلا منذ عهد قريب؛ فكثيرًا ما كان الأفراد يجبرون على اعتناق عقائد معينة، ولا نزال نجد إلى اليوم أن حريّة العقيدة غير متوافرة في كثير من الدول المعاصرة؛ إذ يجبَر كثيرٌ من الأفراد على ترك دينهم، أو لا يسمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية، ويلاقون كثيرًا من العنف والاضطهاد؛ بسبب حفاظهم على عقائدهم التي يؤمنون بها.

ص: 414

أما النظام السياسي الإسلامي فهو يعلن منذ نشأته عن الحرية الدينية أو حرية العقيدة، كما قال تعالى:{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} (البقرة: من الآية: 256).

وقال تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: الآية 99).

قال الشوكاني في تفسيره: أي ليس ذلك في وسعك يا محمد، ولا داخل تحت قدرتك، وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم ودفع لما يضيق به صدره من طلب صلاح الكل، الذي لو كان لم يكن صلاحًا محققًا، بل يكون إلى الفساد أقرب لحكمة يعلمها الحق تبارك وتعالى فليس في الإسلام إكراه لأحد على تبديل عقيدته واعتناق الإسلام بدلا عنها، حقًّا في الإسلام دعوة إلى الدين كما قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: الآية: 125).

ولكن الدعوة شيء والإكراه على الدخول في الدين شيء آخر، فالمقرر في الإسلام أن نتركهم وما يدينون، فلا تتعرض الدولة الإسلامية لغير المسلم في عقيدته وعبادته، ومن المقرر في النظام الإسلامي مشروعية القتال للدفاع عن حرية العقيدة؛ نظرًا لأن المشركين كانوا يقفون للمسلمين بالمرصاد، فيمنعونهم من ممارسة شعائرهم، ويضطهدونهم بسبب ذلك، كما قال تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 39، 40).

وإذا رجعنا إلى تاريخ أهل الذمة الذين كانوا يعيشون في كنف الدولة الإسلامية؛ لوجدنا أنهم كانوا يعامَلون معاملةً كريمةً لا اضطهاد فيها ولا إكراه، وكثيرًا ما

ص: 415

كان الخلفاء المسلمون يقرّبونهم إليهم في كثير من الأمور، ويحسنون معاملتهم، ويسندون إليهم مناصب هامّةً في الدولة، حتى إن الخليفة هارون بن الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة "يوحنا بن ماسويه" وهذا دليل على أنهم كانوا يعامَلون معاملةً طيبةً؛ وبناء على ذلك فما يوجد أحيانا من اضطهاد لغير المسلمين، أو معاملتهم بغير كرم، يعتبر تجاوزًا لأحكام الإسلام وخروجًا عليها، وهو يرجع في المقام الأول لأسباب سياسية لا دينية؛ لأن أوربا المسيحية نفسها هي التي بدأت واستثارت حفيظة المسلمين منذ تلك الحروب المدمرة، التي نظمتها تحت راية الصليب، وانتهكت بها حرمة المسلمين ومقدساتهم.

تبقى مسألة مهمة يجب أن نعالجها في هذا المقام، وهي تجريم الردة عن الإسلام، وتقرير عقوبة بشأنها؛ مما حمل بعض أعداء الإسلام على اتهامه بالتعصب:

وفي الواقع إن حرية العقيدة كمبدأ مقرّر في الإسلام منذ نشأته -كما سبق أن ذكرنا- ولا إكراه على الدخول في الدين بنص القرآن، ولكن حينما يدخل بعض الناس في الدين خداعًا ويخرجون منه ضرارًا، فماذا ينتظر من الإسلام؟ ماذا ينتظر منه أن يفعل مع هؤلاء إلا أن يضرب على أيديهم؟ وإلا فقد رأينا أن الإسلام يكفل للذميين وغيرهم في دولته ممن يختارون الإقامة في كنف المسلمين، يكفلونهم مستوًى رائعًا من الحقوق؛ بحيث يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فلماذا إذن يتركون دينهم ويدخلون في الإسلام ثم يخرجون منه بعد ذلك؟! إن المنطق يفرض بطبيعة الحال أن يكون الغرض من وراء ذلك هو إحداث الفتنة بين المسلمين، والإساءة إلى دولتهم ودينهم، كما قال تعالى:{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (آل عمران: الآية: 72).

ص: 416

قال ابن عباس في معناها: كانوا يكونون معهم في أول النار، ويجالسونهم، ويكلمونهم، فإذا أمسوا وحضرت الصلاة كفروا به وتركوه.

فهل يقف الإسلام مغلول اليدين ويسمح لأعدائه باسم حرية العقيدة التي أرساها هو وأساءوا هم استعمالها؟

هل يسمح لهم بذلك: أن يسيئوا إليه، ويهينوا عقيدته، ويحتالوا على شريعته، ويوقع الفتنة بين أتباعه؟!

لذلك تقرر في النظام الإسلامي عقوبة الردة، وأنها القتل بعد الاستتابة؛ دفعًا لما يلحق الجماعة الإسلامية من الضرر بسببها، ولقد تأسست هذه العقوبة في النظام الإسلامي على أساس أن المرتدّ بخروجه عن الإسلام يخل بالتزام كان قد رتبه على نفسه، مختارًا مريدًا، ويسيء إلى الدولة في عقيدتها ونظامها؛ ولذلك يستوجب القتل جزاء الإخلال بهذا الالتزام، كما هو مقرّر في الشرائع السماوية والوضعية على حد سواء، وإذا كان أعداء الإسلام يتهمون المسلمين بالتعصب الديني، فإن التاريخ المدون والثابت يؤكد لنا بشكل قاطع أن غير المسلمين كانوا يعامَلون في الدولة الإسلامية أكرم معاملة، ويعترف لهم بحقوقهم، فتصان حرياتهم الدينية والفكرية، في الوقت الذي كانت فيه أوربا المسيحية في الأندلس تذيق المسلمين ألوان العذاب، وتضطهدهم بأبشع أنواع الاضطهاد، وتحملهم على ترك دينهم والدخول في النصرانية، وتعذّب بأقصى ألوان التعذيب مَن يتأبّى عليها فيبقى على إسلامه؛ حتى استحالت بلاد -أي تحولت- بلاد الأندلس في فترة وجيزة تحت سياط التعذيب والبطش المسيحي، تحولت بلادًا مسيحيةً لم يبقَ فيها من المسلمين أحد ولم، يحدث إطلاقًا أن أكره المسلمون أحدًا على ترك دينه، أو اضطهدوه بسبب عقيدته، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: {لا إِكْرَاهَ فِي

ص: 417

الدِّينِ} قال ابن كثير في تفسيره: أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بين، واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونوّر بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره؛ فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكرهًا مقصورًا.

وقال بعض المفسرين: أي لم يجد الله تعالى أمر الإيمان على الإجبار والقصر، ولكن على التمكين والاختيار ونحوه، يقول تعالى:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} أي لو شاء لقصرهم على الإيمان، ولكن لم يفعل وبنى الأمر على الاختيار.

2 -

حرية الرأي والتفكير:

من المقرر في النظام الإسلامي أن أعظم ما يتميّز به الإنسان عن سائر المخلوقات هو العقل؛ ولذلك نجد القرآن الكريم يشجّع الناس على إعمال العقل باستمرار؛ ليقودهم إلى الحق والصواب، ففي آيات القرآن كثيرًا ما ترد عبارات:{يَعْقِلُونَ} (العنكبوت: من الآية: 35){يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: من الآية: 21){يَعْلَمُونَ} (البقرة: من الآية: 230){يَتَدَبَّرُونَ} (النساء: من الآية: 82){يَفْقَهُونَ} (الأنعام: من الآية: 65){لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَاب} (الزمر: من الآية: 21).

والقرآن الكريم بذلك إنما يريد أن يقيم حياة الإنسان دائمًا على أساس من العلم والمعرفة، القائمة على النظر والاستنباط، والتفكير في مخلوقات الله في السماوات والأرض؛ ولذا فحرية التفكير للإنسان مكفولة في الإسلام منذ نشأته، ما دام يعتصم بسياج الدين والشرع دائمًا، وصحيح أن هذا الحق كان مكفولًا دائمًا للإنسان في القرنين الأول والثاني من الهجرة، وهو إن كان قد تعرض بعد ذلك

ص: 418

لبعض أنواع الاضطهاد، وخصوصًا في عصر العباسيين؛ حيث اضطهد الإمام أحمد بن حنبل بسبب مخالفته المأمون في مسألة خلق القرآن، واضطهد الإمام مالك في عهد أبي جعفر المنصور؛ بسبب فتواه بعدم صحة بيع المكره، واضطهد الإمام أبو حنيفة؛ لعدم توليه القضاء، واضطهد ابن رشد وابن حزم

وغيرهما، ولكن على كل حال لم يكن هذا الاضطهاد الفكري معبّرًا عن رأي الإسلام، فهو واقع مغلوط، أملته بعض الأهواء، ولا يصح أن يكون حجةً على الإسلام.

ومن الأمور التي مُنِيَتْ بها حرية التفكير في النظام الإسلامي، وبخاصة في المجال الفقهي: إغلاق باب الاجتهاد، ومنع العلماء من ممارسته، وكان هذا كالمقدّمة لفترة الجمود التي عانى منها الفكر الإسلامي بعد القرن السادس الهجري؛ حيث اقتَصر عمل العلماء والفقهاء على مجرد ترديد أقوال السابقين، أو تخريجها، ووضع الحواشي عليها، دون أن يكلف الفقهاء أنفسهم معونة البحث والنظر لاستنباط أحكام الوقائع المستحدثة؛ ولذا فمن اللّائق أن تمارس الحرية الفكرية، ولاسيما في المجال الفقهي، لكل من يقدر على ذلك؛ ليستطيع الفكر الإسلامي أن يواكب الأحداث المتطورة، لكن يجب دائمًا ألا يتصدّى للاجتهاد إلا من توافرت فيه الشروط الشرعية المعروفة في الوصول؛ لئلا ينفتح المجال أمام الجهلة للعبث بأحكام الشريعة.

ولكن حرية الرأي في النظام الإسلامي يجب أن تكون مقيدةً بما يلي:

أ- أن يكون القصد من ذلك النصيحة لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، كما صحت بذلك السنة؛ ففي الحديث الشريف:((الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)).

أما أن يكون إبداء الرأي لمجرد التشهير بالحكام، والإساءة إليهم، والانتقام منهم، وحمل الناس على التجرؤ عليهم

ونحو ذلك من الأغراض غير الصحيحة، التي

ص: 419

لا يراد بها وجه الله تعالى، ولا الخير للمنصوح، ولا تحقيق المصلحة العامة، فذلك شيء ليس من الدين، بل هو وقوع في أعراض الناس قد حرّمه الدين وحذر منه.

أيضًا يجب باستمرار أن نلتمس العذر للمخالف فيما هو مجال للاختلاف؛ لأن رأينا ليس أولى من رأيه، ما دامت المسألة اجتهادية؛ وبناء عليه فليس من الإسلام أيضًا حمل الناس وقصرهم على اتباع بعض الآراء والمعتقدات الشخصية، فلا إلزام إلا بحكم الشرع، ولا يستطيع أي فرد كائنًا من كان أن يلزم برأيه إذا كان على خلاف حكم الشرع. فلينتبه لهذا؛ فإنه من المزالق التي يقع فيها بعض الناس أحيانًا بحسن النية.

أيضًا يجب أن يكون المرء وهو يبدي رأيه دائما متخلقًا بأخلاق الإسلام وآدابه، فلا يخوض في أعراض الناس، ولا يسبهم، أو يلصق النقائص بهم، بحجة حريته في إبداء رأيه، فالإنسان حرّ دائمًا ما لم تتحول حريته إلى فساد وإضرار؛ لتكون الحرية بنّاءة؛ ليترتب عليها أثرها، ولا تنقلب الأمور إلى فوق.

3 -

حرية التعليم والتعلم:

يقصد بهذه الحرية في الفقه الدستوري والسياسي الحديث: حق الفرد في أن يلقِّن العلم للآخرين، وحقّه في أن يتلقى قدرًا من التعليم، وحقه في أن يختار من المعلمين من يشاء، وفي النظام الإسلامي حثّ الإسلام على العلم، ورغّب فيه، ودعا إليه، فقال سبحانه وتعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} (الزمر: من الآية: 9).

قال المفسرون: أي الذين يعلمون أن ما وعد الله به من البعث والثواب والعقاب حقّ، والذين لا يعلمون ذلك، أو الذين يعلمون من أنزل الله على رسله والذين لا يعلمون ذلك. أو المراد العلماء والجهّال. ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل.

ص: 420