الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الدولة الإسلامية غير أنه قد يقتضي الأمر الاستعانة بخبرة أجنبية، فهل يعد ذلك خرقًا لقواعد القانون الإسلامي يجب هنا أن نميز بين أمرين:
الأمر الأول: في مجال التشريع، فإن شرط الإسلام من الشروط الضرورية والحتمية التي يجب توفرها في أهل الشورى لتعلق هذا الشرط بالنظام الأساسي للدولة الإسلامية، ومن ثم لا يجوز أن يشترك غير المسلمين في نطاق الشورى التي يكون الهدف من إعمالها وضع قواعد قانونية، وذلك في الأحوال التي لا يوجد فيها نص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، ومن ثم يستبعد غير المسلم من نطاق الشورى في المسائل التشريعية.
الأمر الثاني: أما في مجال التنفيذ ولاسيما في نطاق المسائل الفنية البحتة، فقد يتطلب الأمر الاستعانة بغير المسلمين وهذا فيما نرى لا يتعارض مع قواعد الإسلام، طالما ظلت سلطة التقدير وموائمة القرار مع مصلحة المجتمع الإسلامي في يد السلطة العامة في الدولة الإسلامية، فاستشارة غير المسلمين، وإن كنا نرى أنها من الأمور الجائزة، إلا أنها لا تأخذ الصفة الإلزامية، بحيث يكون من المحتم العمل بها؛ لأن هذا القول يعطي لغير المسلمين حق الولاية العامة على المسلمين وهو ممنوع بنص الشارع؛ لكونه يمس النظام العام في الدولة الإسلامية، بل تكون من الأمور التقديرية التي تخضع لاعتبارات الملائمة، وما يتفق مع المصلحة العامة للأمة الإسلامية.
كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى
ثم نتحدث الآن عن كيفية إعمال واجب الشورى:
أما كيف يطبق واجب الشورى الذي حتمه الشارع الإسلامي فإنه لكي نوضح ذلك فيجب علينا أن نميز بين وجوب هذا المبدأ وحتمية كفالته وبين أسلوب
تنفيذه، فيجب أن نميز بين المبدأ وأسلوب تنفيذه، فإذا كان الإسلام قد أوجب الشورى وكفل بمقضى إيجابها حق الأمة في المشاركة في الحكم وفي البت في أمورها العامة وأمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم يلتزم بها خلفاءه من بعده إلى جانب أنه جعلها صفة من صفات المؤمنين بشرعته الملتزمين بأحكامها، فإن هذا لا يؤدي مطلقًا إلى أن نخلط بين هذه القاعدة التي تقرر المبدأ الواضح والصريح والتي تمثل ركيزة أساسية من الركائز التي يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي، وبين أسلوب التنفيذ وصورة التطبيق التي نتجت عن إعمال هذا المبدأ، فالشريعة الإسلامية قد تجنبت التفصيلات التي يقتضيها تنفيذ مبدأ الشورى، وهذا مسلك يقتضيه سمو الشريعة وصلاحيتها لكي تجابه كافة التطورات التي تقتضيها ظروف الزمان والمكان.
إذ إن صور التطبيق ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتغيرات التي تجد على المجتمع، ولو أن الشرعية الإسلامية قد نهجت إلى التفصيل في صور التطبيق لبدت أمام الباحثين جامدة لا تقوى على الوقوف في مواجهة ما يجد على المجتمع من تطور، إلى جانب أن القاعدة التي تتواءم مع زمن معين لا يجوز القول بأنها صالحة لكل زمان، والتي تصلح للمسلمين الأول مع بساطة البيئة وسذاجتها، لا يكن أن تكون صالحة للتطبيق بعد أن نما الإسلام، وتطور وواجه ظروفًا وأوضاعًا تختلف كلية عن الظروف التي واجهها المسلمون في البداية، ومن هنا اكتفى القرآن الكريم بالنص على وجوب المبدأ، وحتميته، أي: مبدأ الشورى، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو وضع قواعد للشورى، بحسب ما يتلاءم مع البيئة وظروف عصره لاتخذها المسلمون دينًا وحالوا العمل بها في كل زمان ومكان، وما هي من أمر الدين، فكان الأحكم والأصلح أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم وضع التفصيلات الخاصة بمبدأ الشورى للأمة، تضع منها في كل حال ما يليق بها، ويصلح لها.
والسبيل إلى ذلك لا يكون أيضًا إلا بإعمال مبدأ الشورى، فالوسيلة التي تتمسك في صورة وتفصيلات الشورى يمكن أن يعاد فيها النظر دائمًا، حسب ما يتفق مع ظروف العصر ومقتضيات الزمان، دون أن يكون ذلك ماسًا بأصل الشورى؛ لأن القواعد التي أتى بها القرآن والسنة في هذا النطاق غير قابلة للتعديل؛ لأنها تمثل المبدأ العام والقاعدة العريضة التي لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان.
لهذا فإن محاولة النيل من الشريعة الإسلامية لأنها لم تضع قواعد محددة ونماذج تفصيلية لصيغ وتطبيقات الشورى، تكشف عن جهل فاضح بطبيعة النظام الإسلامي، وحقيقته؛ لأنه يتعين أن نميز بين المبدأ وأسلوب وصيغ إعمال هذا المبدأ وتطبيقه، فالله عز وجل أراد أن يجعل من الإسلام الدعوة الخالدة والرسالة الأزلية إلى البشر جميعًا، فكان من المطلوب بل ومن المحتم أن تقتصر الشريعة في نطاق المعاملات، وما يتعلق بتنظيم المجتمع على وضع قواعد كلية ومبادئ شاملة ثابتة، لا تتعدل ولا تتبدل، ولكنها في مجال التنفيذ وصيغ التطبيق تسمح بأن تتواءم مع كل ما يجد على المجتمع من تطور، فهي لا تقتصر على أسلوب واحد في التنفيذ لا تتعداه إلى غيره دائمًا، وإنما تضع القاعدة العامة والمبدأ العريض الذي يسمح دومًا وأبدًا بالوفاء بحاجة المجتمع، وهو ما نلاحظه بالنسبة للتعاليم التي قررها الشارع بالنسبة لتنظيم المجتمع في أوضاعه السياسية والاقتصادية والدولية.
فقد اكتفى المشرع بوضع توجيهات عامة جاءت في شكل قواعد كلية غير مفصلة حتى لا تتقيد الأجيال بهذه التفصيلات والتطبيقات، بل تركها المشرع للأمة كي تكون حرة تضع ما يلائمها بحسب حاجة الزمان والمكان ما دامت في نطاق ما رسمته الشرعية من قواعد وأحكام.
ويترتب على منحى الشريعة في هذا النطاق أمران:
الأمر الأول: أن التعاليم التي جاء بها الشارع في نطاق تنظيم المجتمع، ومنها ما يتعلق بتنظيم الحكم في الدولة الإسلامية، ليست تعاليم منصبة في قوالب جامدة، لا تقبل التطبيق، إلا على أسلوب واحد، بل الأمر على خلاف ذلك فالهدف واضح ومحدد، ولا مجال لتغييره وتبديله إلا إن أسلوب التنفيذ وصيغ التطبيق قابلة لهذا التغير والتطور، وواجب كل جيل أن يستبين الهدف، ثم يتخير الأسلوب الذي يتواءم معه على ضوء ظروف البيئة، وما يقتضيه العصر، مستفيدًا في ذلك بكل ما استحدثه العلم الذي أمرنا الله عز وجل باجتلاء أفاقه مع مراعاة الظروف التي تحيط بالدولة الإسلامية، وأي جيل في أي زمن سيجد دائمًا النصوص تتسع لتنظيم المجتمع، وفقًا لحاجاته المستجدة، وما انتهى إليه التطور.
الأمر الثاني: أن القواعد الكلية والأصول الشاملة التي جاءت بها الشريعة تبقى بعد ذلك كفرائض إلزامية، وواجبات محددة، يجب العمل بها ولا يجوز الخروج عنها بأي حال من الأحوال؛ لأنها تمثل الإطار العام للنظام العام الإسلامي، والتي لا تقبل تغييرًا ولا تبديلًا.
إذن فالمبدأ ثابت ولا رأي لأحد فيه ولا تملك الأمة تغييره، أما أساليب التنفيذ وصور التطبيق فمتغيرة ومتطورة دون أن يكون في ذلك ما يغاير المضمون أو يضيف إليه، ويكون للأمة في أي وقت حسبما يقتضي ذلك مصلحتها أن تعيد النظر في التطبيق طبقًا لما تحتمه الظروف والأوضاع التي تواجهها.
يبقى أمامنا أن نحدد طريقة اختيار أهل الشورى على ضوء ما أوضحنا من ضرورة التفرقة بين المبدأ وأسلوب التنفيذ، فالشورى قد أكدت حق الأمة في
المشاركة في الحكم، وفي إدارة شئونها العامة وإقامة الصلة الوثيقة بين طرفي المجتمع الحكام من ناحية والمحكومين من ناحية أخرى بتقرير ذلك المبدأ، فكان من الطبيعي أن يشترك الشعب كله في إدارة شئونه العامة، إلا أن ذلك لا يمكن تحقيقه لسببين:
الأول: أن الإسلام لا يهتم بالكثرة، إلا قدرة إيمانها وتقواها وعلمها وثقافتها وإحاطتها، بالقانون الإسلامي، ومن ثم فقد يكون رأي قلة من العلماء، أفضل من رأي أكثرية جاهلة، وهو ما يستدل من قوله عز وجل:{قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} (المائدة: من الآية: 100) والسرخسي يقرر أن محمد بن الحسن يرى أن الترجيح يكون على قدر أكثر الآراء اتفاقًا ويخالف السرخسي ما ذهب إليه محمد بن الحسن بقوله: وهذا خلاف ما هو المذهب الظاهر لأصحابنا في الترجيح، أنه لا يكون بكثرة العدد، وعليه دل ظاهر قوله تعالى:{إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (هود: من الآية: 11) وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: من الآية: 21) وقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (يوسف: 103) الثاني أنه يستحيل في الواقع أن يشترك في المشاورة جميع المسلمين في كل أمر من الأمور حتى، ولو صرفنا النظر عن السبب الأول؛ لأنه من ناحية يستحيل ماديًّا اجتماع الشعب كله في مكان واحد للمشاورة والوصول إلى قرار، وهذا ما عناه ابن حزم، عندما اعترض على الرأي الذي اشترط لصحة اختيار الخليفة، أن يعقدها فضلاء الأمة في أقطار البلاد الإسلامية كلية؛ لأنه كما يرى تكليف بما لا يطاق، وما ليس في الوسع، ولا بد من ضياع أمور المسلمين، قبل أن يجمع جزء من مائة من فضلاء أهل هذه البلاد، ومن ناحية أخرى أنه حتى ولو سلمنا
بعد استحالة جمع الشعب كله في صعيد واحد، فإنه لو تحقق ذلك لأدى إلى استحالة الوصول إلى قرار نتيجة لتشعب الآراء واختلاف المنازع لمجموع أفراج الشعب، فوق أن الأمر قد يتعلق بمسألة فنية بحتة قد تخفى على معظم الناس، ومن ثم فمن العبث الرجوع إليهم جميعًا لكل ذلك، فإن الإنابة في تشكيل أهل الشورى تعد أسلم الطرق لاختيارهم.
وقد سبق أن أشرنا عند تعرضنا للسوابق التي حدثت في عهد النبوة كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار على القوم بالرجوع إلى عرفائهم، يعني المعروفين لديهم حتى يرفعوا إليه الأمر كما وضع ذلك فيما نقلناه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويتحتم أن يشترك الشعب كله في اختيار أهل الشورى؛ لأن لفظ:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} تشير إلى المجتمع كله ولم يخص الشارع فئة من القوم دون سواهم بأداء مقتضيات الشورى فالأمر المعروف هنا هو أمر المسلمين المضاف إليهم، ومن ثم فإن كل مسلم بالغ عاقل ذكرًا كان أو أنثى يجب أن يشترك في عملية اختيار أهل الشورى الذين توافرت فيهم الشروط فالمسلمون سواسية في حق التصويت وإبداء الرأي.
ووجب المشاورة ككل الواجبات التي فرضها الشارع لا مدخل فيه للعصبية أو التعصب لرأي اللهم إلا إذا اعتقد أنه هو الرأي الصواب، ولا بد أن ينزل على حكم الأغلبية، ويقف حيث تقف الجماعة وفي مجلس الشورى، لا مدخل للحزبية، والطائفية فيه؛ لأن الإسلام يأبى أن يتحزم أهل الشورى، ويكون مع أحزابهم في التمسك بالرأي الباطل، وإنما الذي يقتضيه النظام الإسلام هو أن يدوروا مع الحق حيث دار ولا يحيد عنه، ولا بد أن ينزل الواحد عن رأيه إذا تبين له أنه غير صواب وأنه مخالف ولا تثريب على مجلس الشورى إذا ما توصل إلى