الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لإبطال الدفع، فليس الإعذار مخصوصًا بالمدعى عليه.
ولا يخلو المعذور إليه من إحدى حالتين:
الحالة الأولى: أن ينفي وجود العذر فيما قام ضده من حجة أو شهادة، وفي هذه الحالة يحكم عليه القاضي بعد نفي العذر مباشرة.
الحالة الثانية: أن يدعي العذر فيما قام ضده، وفي هذه الحالة قد لا تكون بينة العذر قائمة، فله طلب التأجيل لإحضارها، فقد ورد في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما قوله: ومن ادعى غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا، أي: أجلًا ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر.
وأما مدة التأجيل: فإنها تختلف باختلاف القضايا والأحوال والظروف؛ ولذلك ذهب العلماء إلى أن ضرب الأجل مصروف إلى اجتهاد الحاكم بحسب حسن النظر في أمر الخصمين وليس فيه حد محدود لا يتجاوزه، إنما هو للاجتهاد.
الحكم
ونتكلم الآن عن الحكم في القضايا، فنقول:
إن النتيجة الأخيرة في عملية القضاء والمحاكمة بعد إجراء الدعوى على أصولها الشرعية هي إظهار الحكم الشرعي على حسب ما يتبين للقاضي، وهذا إذا لم تنتهِ بعارض كالصلح أو التنازل أو نحو ذلك، ولكي يحكم القاضي في القضية يقتضي الحال أن يحيط بأمور ثلاثة:
الأول: معرفته بالدليل الشرعي الثابت بالكتاب أو السنة أو المستنبط منهما.
الثاني: معرفته البينات التي يتضح بها طريق الحكم عند التنازع.
الثالث: معرفته بسبب الحكم، وشروطه، وموانعه، وهذا يعلم بالحس أو الخبر أو العادة، ومعرفة هذا الأمر يؤدي إلى بيان صلاحية الحكم في المحل المعين، أو انتفائه عنه، ومتى أخطأ في واحد من هذه الأمور أخطأ في الحكم.
ويقصد بالحكم في اللغة: القضاء في الشيء بأنه كذا أو ليس بكذا، أما في الاصطلاح فعرفه بعض العلماء بأنه: أمر نفساني يعبر عنه تارة بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بالإشارة.
وهذا يعني أن الحكم غير القول والفعل والإشارة، وإنما هذه الأمور دالة عليه.
أنواع الحكم:
للحكم أنواع كثيرة من وجوه عدة، ولكن أهمها نوعان:
النوع الأول: الحكم بالصحة، وهو الحكم بصحة التصرف في المحكوم به، وهذا النوع يرد على التصرفات من عقود وغيرها، وهو أعلى درجات الحكم لاستكمال شروطه، وهي: ثبوت ملك المالك، وحيازته للشيء المتصرف فيه، وأهلية المتصرف، وصحة التصرف.
النوع الثاني: الحكم بالموجب، وهو الحكم بالآثار المترتبة على التصرف على من صدر منه التصرف بموجب ذلك التصرف، وهذا النوع لا يشترط فيه ثبوت الملك للمتصرف، وإنما يكتفى بشرطين: أهلية التصرف، وصحة صيغته، وإنما جاز الحكم بالموجب مع عدم ثبوت الملك لأنه قد يعسر إثبات الملك، فإن تبين بعد ذلك عدم الملك وجب نقض الحكم.
شروط الحكم:
لكي يكون الحكم صحيحًا ومعتبرًا للتنفيذ اشترط الفقهاء لذلك شروطًا نذكر منها ما يلي:
أولًا: أن تتقدمه دعوى صحيحة، ويشترط هذا لصحة الحكم في حقوق العباد، إذا الحكم في حقوق العباد لا يجوز إلا بمطالبة ممن يدعي الحق، وهذا بخلاف الحكم في حقوق الله تعالى، فلا يتوقف على هذا الشرط، وذلك لصحة الحكم فيها من غير مطالبة؛ لأن تحصيلها واجب على الكل من حاكم وغيره.
ثانيًا: يشترط أن يكون الحكم بلفظ يفيد الإلزام، كأن يقول: حكمت أو قضيت أو أنفذت عليك القضاء، وهكذا.
وقد اختلف الفقهاء في بعض الصيغ: هل تفيد الإلزام أم لا؟ كقول القاضي: ثبت عندي أن لهذا على هذا كذا، أو قوله: ظهر عندي أو صح عندي أو علمت ونحو ذلك، فذهب بعض الأحناف والمالكية والشافعية إلى: أن هذه الصيغ لا تدل على الإلزام، فلا تكون حكمًا، ولذا قال بعض علماء الأحناف: لا بد أن يقول القاضي في حكمه: حكمت أو قضيت أو أنفذت عليك القضاء.
وذهب بعض الأحناف إلى أن الصيغ المتقدمة المختلف فيها تفيد الحكم كالصيغ المتفق عليها، ولكن الأولى: أن يبين أن الثبوت بالبينة أو الإقرار؛ لأن حكم القاضي بالبينة يخالف الحكم بالإقرار، والذي يظهر أن الأولى ما ذهب إليه الجمهور لوجاهته، أي: أنه لا بد من صيغ معينة، كقوله: قضيت أو حكمت، وذلك لوجاهة هذا الرأي، ووجاهة تعليلهم لذلك، ولأن الصيغ المختلف فيها لا تدل على الإلزام بطريق يرفع الاحتمال والإيهام بعدم الانتهاء بالحكم، فكان الأولى التمييز بما يفيد القطع والإلزام، كقوله: حكمت أو قضيت ونحو ذلك.
ثالثًا: يشترط أن يكون الحكم واضحًا، فلا بد من تعيين المحكوم به، وكذا تعيين المحكوم له، والمحكوم عليه بصورة واضحة ترفع أي احتمال أو اشتباه؛ لأن الحكم إذا كان مبهمًا أو فيه إيهام لم يمكن تنفيذه، وبالتالي لم يكن قاطعًا للنزاع بين الخصوم.
رابعًا: يشترط في الحكم أن يتقدمه إعذار لقطع حجة المحكوم عليه، وهذا شرط لصحة الحكم كما هو منصوص عليه عند المالكية.
خامسًا: يشترط حضور الخصمين مجلس الحكم عند صدور حكم القاضي، إلا أن يقوم على المحكوم عليه موجب الحكم، ثم يغيب فيكون حضوره وغيابه سواء، كما إذا أقر بالمدعى به، ثم غاب قبل الحكم فإنه يحكم عليه، وإذا كان هذا الشرط على ما ذهب إليه الأحناف في عدم الحكم إلا بحضور الخصم، وذلك لمنعهم القضاء على الغائب أو له إلا في بعض الحالات.
إلا أن هذا الشرط يجب اعتباره إذا لم تتوفر شروط الحكم في القضاء على الغائب، والتي اشترطها المجيزون غير الأحناف.
سادسًا: أن يكون الحكم القضائي الصادر طبقًا لحكم الدليل المقتضى شرعًا في الواقعة المحكوم فيها، وهذا يقتضي ألا يكون الحكم الصادر مخالفًا للكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي، وهو ما قطع فيه بإلحاق الفرع بالأصل.
وهذا الشرط من أهم شروط الحكم، بل أهمها؛ لأن الخطأ فيه يوقع في الظلم قطعًا.
وتطبيق هذا الشرط يستوجب من القاضي معرفة وجه الحكم، من حيث تصوره لكلام الخصمين، وأحوال الواقعة المطروحة، فإن لم يعرف الوجه لعدم فهم
الواقعة لزمه إعادة النظر حتى يتبين له ذلك صراحة، فإن اشتبه عليه الأمر والتبس عليه حكمه، كأن لم يقف على أصل النازلة في كتاب ولا سنة ولا غير ذلك، أو شك: هل هي من أصل كذا أو أصل كذا؟ أو تجاذبها أصلان؟ ولم يترجح أحدهما؟ شاور أهل العلم، فإن بقي الإشكال فالأولى في ذلك الصلح، وهذا فيما يمكن فيه الصلح لا فيما يمكن فيه الصلح كالطلاق.
أسباب الحكم:
لا شك أن العلم بأسباب الحكم أمر أساسي لنظر أية دعوى تستوجب الحكم فيها، غير أن الفقهاء لم يذكروا أسباب الحكم كشرط من شروطه، ولعل ذلك لأهميتها، ولكونها أمرًا بدهيًّا، تعتبر قاعدة وأصلًا للحكم، وهذا فيما يخص القاضي عند الحكم.
وأما من حيث دعم الحكم بأسبابه عند البيان أو إحاطة المحكوم عليه به: فقد استحسن الفقهاء فعل ذلك.
يقول الإمام الشافعي: وأحب للقاضي إذا أراد القضاء على غيره أن يجلسه ويبين له، ويقول له: احتججت عندي بكذا، وجاءت البينة عليك بكذا، واحتج خصمك بكذا، فرأيت الحكم عليك من قبل كذا، ليكون أطيب لنفس المحكوم عليه، وأبعد عن التهمة، وأحرى: إن كان القاضي غفل عن ذلك عن موضع فيه حجة أن يبينه، فإن رأى فيها شيئًا يبين له أن يرجع، أو يشكل عليه، أن يقف حتى يتبين له، فإن لم ير فيها شيئًا أخبره أنه لا شيء له فيها، وأخبره بالوجه الذي رأى: أنه لا شيء فيها وإن لم يفعل جاز حكمه، غير أنه قد ترك موضع الإعذار إلى المقضي عليه عند القضاء.
ونقل عن بعض فقهاء الشافعية تصريحهم بأن قاضي الضرورة، وهو من ولي القضاء دون أن تتوفر فيه الشروط المطلوبة لصحة تولية القضاء، يلزمه بيان مستنده في سائر أحكامه، ولا يقبل قوله حكمت بكذا من غير بيان مستنده فيه، وإذا كان هذا مستحسنًا عند الفقهاء، وقد يكون لازمًا في بعض الأحوال، فإنه مما تدعو الضرورة في عصرنا الحاضر لأهميته في مراقبة أعمال القضاة، وتصديق الصحيح منها، ونقد الباطل، وهذا بالإضافة إلى ما تقدم من إدخال الطمأنينة على قلب المحكوم عليه، وإشرافه على الأمر الواقع؛ لقطع عذره، ورفع احتمال التهمة للقاضي.
ومما تجدر الإشارة إليه: أن تسبيب الحكم شرط لصحته في النظم الوضعية، وأن إغفال ذلك يترتب عليه نقض الحكم وإبطاله.
حجية الحكم ونفوذه:
من المعلوم أن إصدار الحكم في واقعة يستلزم معرفة أسبابه، وتوفر شروطه، كما سبق، إضافة إلى الإمام بأحوال القضية وملابستها، وهذا يعني أن للظروف المحيطة بالواقعة أثرًا كبيرًا في تقدير صلاحية الحكم في الدعوى المطلوب الحكم فيها. ولا يتأتى ذلك إلا بنظر القاضي واجتهاده، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن من مرمى الحكم وإحداثه أن يكون موافقًا للحق والحقيقة، فإذا صدر الحكم قضائي وكان مقرون بأسبابه وحيثيته ومستوفيًا بشروطه السابقة كان حجة لازم التنفيذ.
نقض الحكم:
إذا صدر الحكم مستكملًا لوصوله الشرعية، وموافقًا ظاهره لباطنه كان حجة في الواقعة التي صدر فيها، ووجب لزومه وتنفيذه، ولا يجوز نقضه بأي حال.
ولكن الحكم قد يصدر أحيانًا مخالفًا للأصول الشرعية في الظاهر والباطن معًا، فعندئذٍ يتعين نقض الحكم.
ومن الحالات التي ينقض فيها الحكم ما يلي:
أولًا: إذا صدر الحكم، وكان مخالفًا لنص في الكتاب أو السنة أو مخالفًا للإجماع فإنه يجب نقضه، ويحرم تنفيذه؛ لأن الحكم في هذه الحالة يكون ظلمًا بالقطع واليقين فيما خالف الكتاب والسنة والإجماع، وما كان بهذه الصفة كان حكمًا بغير ما أنزل الله تعالى، فيجب رده، يقول تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} (المائدة: من الآية: 45) وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) فعلى هذا: يكون النقض لما بان مخالفته للحق، ولم يكن موضع خلاف أو محل اجتهاد، فإن كان محل اجتهاد لم ينقض، كما إذا صدر الحكم بالاجتهاد، ثم ظهر حكم يخالفه حدث باجتهاد آخر فلا يكون هذا مع قبل الأول لنقل الإجماع على ذلك.
ثانيًا -أي من الحالات التي ينتقض بها الحكم-: إذا جرى الحكم على غير الأصول المشروعة المعتبرة لصحة الحكم، ولصدور الحكم على غير الأصول المطلوبة صور منها:
1 -
ما يتعلق بذات الحكم، كعدم استكمال أسبابه وشروطه؛ كأن يصدر الحكم في حقوق العباد من غير سبق دعوى، فهذا الحكم ينقض لتخلف ما هو شرط في صحته، وهو الدعوى. وكذا لو صدر الحكم قبل الإعذار فإنه ينقض؛ لأن الإعذار شرط لصحته وعدم الإعذار حجة لنقضه، وكذا لو حكم القاضي قبل التعديل والتزكية للشهود، فإنه يكون حكمه منقوضًا لأن التعديل للشهود شرطًا لقبول الشهادة واعتبارها حجة.
2 -
إذا صدر الحكم في دعوى لا يجوز للقاضي الحكم فيها، لتعلقها بالقاضي أو لمن له علاقة بالقاضي مما يكون سببًا في جر التهم، وسوء الظنون، كحكم القاضي على عدوه، وحكمه لنفسه أو شريكه أو أصوله كآبائه أو فروعه كأبنائه.
3 -
الأحكام التي تصدر عن قضاة لم تتوفر فيهم أهلية القضاء لنقص في بعض الشروط المطلوبة لتولي القضاء، كالقاضي الجائر، والقاضي الجائر، وفيما يلي إيضاح ذلك:
القاضي الجائر: إذا عرف القاضي بالجور في أحكامه، وكان غير عدل في حاله وسيرته، فإنه تنقض أحكامه جميعًا، سواء كان عالمًا أو جاهلًا ظهر جوره أو خفي؛ لأنه لا يؤمن جانبه، ولو فيما ظاهره الصواب؛ فقد يكون باطنه في الحيف والجور.
القاضي الجاهل: أما القاضي الجاهل إذا كان عدلًا، فإن أحكامه تكشف بتعقبها، فما كان منها صوابًا أنفذ وأمضي، وما كان منها خطأ بينًا نقض، وقال بعض العلماء: ينقض حكمه، وإن كان خطأ مختلف فيه إذا لم يعرف بمشورته لأهل العلم؛ لأن حكمه من غير مشاورة أهل العلم حدس وتخمين، وهذا يعني: أن لمشاورة أهل العلم أثرًا في حجية الحكم، لاسيما إذا كان القاضي تنقصه أهلية العلم.
وإذا صح تعقب الأحكام، ونقض ما هو محل للنقض، فهل يجب ذلك على القاضي في أحكام من سبقه؟
نقول: الظاهر من كلام بعض الفقهاء: أنه لا يجب على القاضي تعقب أحكام من كان قبله، إلا أن يتظلم إليه محكوم عليه قبله، فينظر فيما تظلم فيه، فإن كان الحكم مخالفًا للشرع أو محلًا للنقض نقضه، وإن كان مجتهدًا فيه أبقاه ولم ينقضه.