المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور - السياسة الشرعية - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها

- ‌ مفهوم السياسة الشرعية

- ‌شروط العمل بأحكام السياسة الشرعية

- ‌موضوعات علم السياسة الشرعية

- ‌مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام

- ‌اعتبار المصالح المرسلة دليلًا لاعتبار أحكام السياسة الشرعية

- ‌الدرس: 2 مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة

- ‌خبرة النبي عليه الصلاة والسلام بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة

- ‌القواعد التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة

- ‌أهم المعالم للنظم الانتقالية التي وضعها النبي في المدينة

- ‌النظم الأساسية التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌تابع: النظم التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌الدرس: 3 النظام المالي للدولة الإسلامية

- ‌الزكاة من أهم الموارد المالية في عهد النبي

- ‌أهم الموارد المالية في عهد النبي: الغنائم، الفيء، الجزية

- ‌النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق

- ‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌تابع: تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌النظام المالي في عهد عثمان بن عفان

- ‌النظام المالي في عهد علي بن أبي طالب

- ‌المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌تابع: المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌موقف عمر بن عبد العزيز من الأخطاء المالية في عهد الأمويين

- ‌الدرس: 4 العمومية المعنوية والمادية للزكاة

- ‌المقصود بالشخص الطبيعي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون

- ‌الخلطة في الأنعام كمثال للشخص المعنوي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء من تأثير الخلطة في الزكاة

- ‌حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌تابع: حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌تابع: الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌الدرس: 5 بقية أنواع الزكوات والعوامل التي تساعد على تحقيق العمومية فيها

- ‌الزكاة في الذهب والفضة

- ‌الزكاة في الحلي المباح والمحرم، وآراء الفقهاء

- ‌ما تجب فيه الزكاة من الحرث

- ‌زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر

- ‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

- ‌تجنب الازدواج في أداء الزكاة، وتجنب الراجعية في الزكاة

- ‌محاربة التهرب من أداء الزكاة

- ‌الدرس: 6 الجزية والخراج والعشور

- ‌العمومية في الجزية

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

- ‌مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تاريخ الخراج، والعمومية فيه

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج

- ‌مراعات ظروف الممول في الخراج

- ‌من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور

- ‌الدرس: 7 النظام السياسي الإسلامي

- ‌مصطلح السياسة منذ بداية الدولة الإسلامية

- ‌مرتكزات السياسة في الإسلام

- ‌مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم

- ‌السنة

- ‌حجيه السنة بجميع أنواعها

- ‌الإجماع

- ‌القياس

- ‌الاستحسان

- ‌المصالح المرسلة

- ‌العرف

- ‌الدرس: 8 قواعد النظام السياسي الإسلامي

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: أولا: الحاكمية لله

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: ثانيا: الشورى

- ‌تابع: أدلة الشورى

- ‌تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها

- ‌كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى

- ‌مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك

- ‌أهل الشورى، والشروط اللازم توافرها فيهم

- ‌الدرس: 9 قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌ العدالة

- ‌صور العدالة في القرآن

- ‌مسئولية الحكام

- ‌تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام

- ‌مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي

- ‌ الحريات الشخصية

- ‌الحرية الفكرية

- ‌تابع: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي: حرية التجمع

- ‌الحريات الاقتصادية

- ‌الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي

- ‌سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌الدرس: 10 الإمامة

- ‌مسئولية الحاكم أمام الأمة الإسلامية "مشروعية المسئولية

- ‌ الحكم عند العرب قبل الإسلام

- ‌الإمامة مبحث فقهي

- ‌معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام

- ‌معنى الإمامة العظمى

- ‌حكم نصب الإمام

- ‌القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ

- ‌الدرس: 11 شروط الإمامة العظمى

- ‌شروط الإمامة العظمى

- ‌العدالة

- ‌صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب

- ‌الكفاية الجسمية، والكفاية النفسية

- ‌شرط القرشية، وتولية الأفضل

- ‌الدرس: 12 طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌تابع انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة

- ‌انعقاد الإمامة بطريق النص

- ‌واجبات الإمام

- ‌حقوق الإمام

- ‌ تابع حقوق الإمام

- ‌انتهاء ولاية الإمام

- ‌الدرس: 13 توجيهات الفكر الإداري الإسلامي

- ‌العمل فريضة إسلامية

- ‌خصائص العمل في الإسلام

- ‌طبيعة تكوين المنظمة

- ‌تابع طبيعة تكوين المنظمة

- ‌الرقابة ومتابعة الإنجاز

- ‌العلاقات الإنسانية في العمل الجماعي

- ‌وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة

- ‌التوظيف حسب الجدارة

- ‌وجود قيادة سوية

- ‌الدرس: 14 المنهج الإداري في الإسلام

- ‌مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري

- ‌ التخطيط لنشر الدعوة

- ‌التخطيط للهجرة

- ‌تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة

- ‌المنهج الإسلامي في التنظيم

- ‌المنهج الإسلامي في الرقابة

- ‌الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإدارة في عهد أبي بكر رضي الله عنه

- ‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

- ‌الدواوين التي أنشاها عمر بن الخطاب

- ‌التجنيد الإجباري، ونشأة بيت المال

- ‌ رقابة عمر بن الخطاب لعماله

- ‌الإدارة عند الأمويين

- ‌الدرس: 15 أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات

- ‌مقدمة عن الوزارة في الدولة الإسلامية

- ‌وزارة التفويض

- ‌وزارة التنفيذ

- ‌مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ

- ‌الإمارة على الأقاليم

- ‌ أنواع الإمارة على الأقاليم

- ‌الأسس التي قامت عليها علاقة المسلمين بغيرهم

- ‌حرية العقيدة

- ‌العدل

- ‌الوفاء بالعهد

- ‌الفضيلة

- ‌التسامح

- ‌الرحمة

- ‌أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم

- ‌أحكام الدارين

- ‌مقدمة عن المعاهدات في الإسلام

- ‌أنواع المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌الدرس: 16 القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي

- ‌ مشروعية القضاء وأهميته

- ‌تاريخ القضاء في الإسلام

- ‌أركان القضاء

- ‌الدعوى وشروطها

- ‌ الدعوى:

- ‌تعارض الدعويين مع تعارض البينتين

- ‌وسائل الإثبات

- ‌ التثبت من وسائل الإثبات

- ‌الحكم

- ‌القضاء في المملكة العربية السعودية

الفصل: ‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

ذلك بما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله ألا يأخذ من السمك شيئًا حتى يبلغ مائتي درهم، فإذا بلغ مائتي درهم فليأخذ منه الزكاة، وهذه الأقوال موجودة في كتاب الأموال لأبي عبيد صـ434 وما بعدها.

الرأي الراجح:

ونحن نرى أن الرأي الراجح هو الذي يفرض الزكاة في الأسماك وهو ما نختاره؛ لأن ما يصطاد من الأسماك قد يبلغ كميات كبيرة تقدر بأموال طائلة، فقد أصبح صيد الأسماك في عصرنا الحاضر تقوم به شركات كبيرة مجهزة بأحدث الأجهزة اللازمة لذلك، فمن العدل ألا يعفى ما يستخرج من البحر من السمك متى بلغ النصاب ينبغي ألا يعفى من حق يفرض عليه، وبهذا تتحقق المساواة بين المواطنين في تحمل التكاليف العامة المالية المقررة في الدولة.

‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

ومما يتصل بموضوع العمومية المادية في الزكاة الأموال النامية التي جدت في هذه العصور: هل تفرض عليها الزكاة أم لا تفرض عليها الزكاة؟ لقد جدّت صور من الأنشطة وألوان من الاستثمار لم تكن موجودة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الخلفاء الراشدين، فقد ظهرت إلى الوجود شركات المساهمة والبنوك، وتطور النشاط التجاري والمالي وازداد الدخل من كسب العمل فضلًا عن ازدياد الاستثمارات التي تدر دخولًا عالية في مجال الإسكان، ومن ثمّ لم تعد بعض الأموال تعدّ من الحاجات الأصلية المعفاة من الزكاة كأدوات الصناعة الأولية والدور المخصصة للسكنى، حيث أصبحت المصانع وأدوات الصناعة نفسها رأس مالها النامي مما يقتضي إخضاعها للزكاة، وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد

ص: 214

أبو زهرة: إن العلة في فرضية الزكاة التي يناط بها الحكم بوجوبها هو المال النامي بالفعل أو بالقوة، أي: القدرة على تنميته وإن لم يعمل على تنميته بالفعل، وأن هذه العلة تؤخذ من تعليلات الفقهاء في مواضع مختلفة، وبتتبع الأموال التي تجب فيها الزكاة.

ثم يقول: فهل إذا جدّ في هذه العصور أموال نامية، بعضها لم يكن ناميا في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في عصر الصحابة، ولا الأئمة المجتهدين، فهل يسوغ لنا أن نفرض فيها الزكاة تطبيقًا للعلة التي استنبطها الفقهاء لحكم وجوب الزكاة، وإذا فعلنا ذلك لا نكون قد أتينا ببدع من الأحكام الشرعية، والجواب عن ذلك أن هذا سائغ لنا ونحن فيه لا ننشئ اجتهادًا، ولكن نطبق علة القياس. وهذا مقال للشيخ أبي زهرة ضمن أبحاث المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية لعام 1385 هجرية 1965م بحث بعنوان (الزكاة) صـ179 وما بعدها.

ثم يقول الشيخ: إن تعميم الأحكام الخاصة بالزكاة في كل ما يتحقق فيه العلة يؤدي إلى أمر حق، ويمنع أمرًا ظالمًا؛ لأنه يؤدي إلى المساواة العادلة بين الناس، فلا تجب الزكاة في زرع من يملك فدادين، ويُعفى منها من يملك عمارات فخمة، تدر عليه درًّا كثيرًا يساوي عشرات الأفدنة، ويُعفى من كان له رأس مال وضعه في مصنع يُدِرّ عليه ربحًا فائضًا كبيرًا، والأمر الظالم الباطل الذي يمنع فرض الزكوات على الأموال التي تدر مالًا كثيرًا، ولم تكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هو أن يفر الناس مما تجب فيه الزكاة إلى ما لا تجب فيه الزكاة، فتكون الكثرة الكاثرة في جانب من أبواب الكسب، والقلة في باب آخر، وربما كانت حاجة الأمة إليه أمس وأشد.

على ضوء هذه الحقائق المقررة نقول: إن كل مالك يتحقق فيه النماء، والشروط التي ذكرها الفقهاء تجب فيه الزكاة، ولو لم يكن جاء به النص عن رسول الله

ص: 215

-صلى الله عليه وسلم فإن القياس ثابت في الفقه الإسلامي، وتطبيق موجب القياس ثابت في كل العصور والأزمان، وهو نوع من الاجتهاد لا يصح أن يخلو منه عصر من العصور، ليمكن تحقيق علة النصوص تحقيقًا علميًّا سليمًا.

والآن نتكلم عن بعض هذه الأموال التي جدت في هذه العصور:

أولًا- النقود الورقية: لم تُعرف النقود الورقية إلا في العصور المتأخرة، حيث أصبحت أساس التعامل بين الناس، وقد اختفت العملة الذهبية والفضية من حياة الناس، وأصبحت النقود الورقية هي عماد الثروات والمبدلات وأثمان للأشياء، ومنها تصرف الرواتب والأجور، وعلى قدر ما يملك منها المرء يعتبر غناه، ولها في المبادلات وقضاء الحاجات قوة الذهب والفضة، فهي بهذا الاعتبار أموال نامية أو قابلة للنماء، شأنها شأن الذهب والفضة.

وخلاصة ذلك أن النقود الورقية تجب فيها الزكاة، ويُرجع في هذا الأمر إلى (فقه الزكاة) للشيخ القرضاوي الجزء الأول صـ273 وما بعدها، واحتساب نصاب الزكاة فيها -أي في هذه النقود الورقية- يكون بمقدار قيمتها ذهبًا؛ لأن ذلك هو تقدير الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أساسه كان جمع الزكاة من بعده، وبإيجاب الزكاة في النقود الورقية تتحقق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل، وبالتالي تتحقق المساواة بين المواطنين في تحمل الأعباء العامة المالية المقررة في الدولة.

أيضًا من الأموال التي أصبحت نامية في هذه العصور الحيوانات السائمة غير الإبل والبقر والغنم والخيل، لو حدث واكتشف الناس نوعًا أو أنواعًا من الحيوانات يسمنونها ويتخذونها للنماء والكسب من ورائها، فهل من الممكن أن تخضع للزكاة مثل الإبل والبقر والغنم أم لا؟ فهناك حيوانات لم تكن متخذة للنماء، بل كانت للحاجات الشخصية كالبغال مثلًا، ثم اتخذت بعد ذلك للنماء.

ص: 216

لقد بحث علماء حلقة الدراسات الاجتماعية هذا الموضوع، وحلقة الدراسات الاجتماعية هي كانت نابعة عن جامعة الدول العربية، نقول: بحث علماء حلقة الدراسات الاجتماعية هذا الموضوع، فاستنبطوا من الخبر الذي ثبت عن عمر وهو قياس الخيل على الغنم حيث قال: أفنأخذ من كل أربعين شاة شاةً، ولا نأخذ من الخيل شيئًا؟ فضرب على الخيل دينارًا. أقول: استنبطوا من هذا الخبر أنه يسوغ لنا القياس في أمر الزكاة، فقد قالوا إن الخبر الذي ثبت عن عمر لا يسوّغ لنا القياس في أمر الزكاة، فليست نصوصها غير معللة بل هي نصوص لها علة تقبل التعدية، وقد عدها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأوجب في الخيل الزكاة؛ لتحقق العلة وهي النماء، وتبعه في قياسه شيخ فقهاء القياس أبو حنيفة رضي الله عنه ثم يقولون: وإذا كان الإمام عمر قد اعتبر النماء هو العلة، وتبعه أبو حنيفة فيصح بالتخريج على هذا المنهاج أن نقول: إن الزكاة تجب في كل الحيوانات التي تتخذ للنماء وترعى في كلأ مباح وبلغت النصاب وهو ما قيمته عشرة مثقالًا من الذهب، فإنه تكون فيها الزكاة بمقدار ربع العشر. حلقة الدراسات الاجتماعية للدول العربية صـ246وما بعدها.

ونرى أنه بإيجاب الزكاة في كل الحيوانات التي تُتخذ للنماء والكسب من روائها، إيجاب الزكاة في هذه الحيوانات تحقق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل، وبالتالي لا يكون هناك مجال للتفرقة بين مال نامٍ وآخر، وبهذا تتحقق المساواة الكاملة بين من يمتلكون تلك الحيوانات التي تتخذ للنماء والكسب، وذلك في تحمل التكاليف العامة المالية المقررة في الدولة كل حسب مقدرته المالية.

ثالثًا- المصانع وحكم زكاتها: أعفى الفقهاء القدماء أدوات الصناعة الأولية مثل آلة النجّار الذي يعمل بيده، وآلة الحداد؛ لأن هذه الأموال تعد من الحاجات الأصلية، ولأنها لا تعد نامية

ص: 217

بذاتها ولا بالقوة، وفي العصر الحاضر ظهرت أموال نامية بالفعل لم تكن معروفة بالنماء والاستغلال في عصر الاستنباط الفقهي، وهي أدوات الصناعة التي تعتبر رأس مال للاستغلال وهي وسيلة الاستغلال بالنسبة لصاحبها، مثل صاحب مصنع كبير يستأجر العمال لإداراتها، فإن رأس ماله للاستغلال هي تلك الأدوات الصناعية، فهي بهذا الاعتبار تعد مالًا ناميًا؛ إذ الغلة تجيء إليه من هذه الآلات فلا تعد كأدوات الحداد الذي يعمل بيده، ولا أدوات النجار الذي يعمل بيده، وهكذا؛ ولهذا رأى العلماء المحدثون أن الزكاة تجب في هذه الأموال باعتبارها مالًا ناميًا، وليست من الحاجات التي تعد بإشباع الحاجات الشخصية بذاتها، فيقول فقهاء حلقة الدراسات الاجتماعية في هذا الشأن:

وإذا كان الفقهاء لم يفرضوا الزكاة في أدوات الصناعة في عصورهم، فلأنها كانت أدوات أولية لا تتجاوز الحاجة الأصلية للصناعة والإنتاج لمهارته، فلم تعتبر مالًا ناميًا منتجًا، إنما الإنتاج فيها للعامل، أما الآن فإن المصانع تعد أدوات للصناعة نفسها رأس مالها النامي؛ ولذلك نقول: إن أدوات الصناعة التي يملكها صانع يعمل كأدوات الحلاق الذي يعمل بيده ونحوه تعفى من الزكاة؛ لأنها تعد بالنسبة إليه من الحاجات الأصلية، أما المصانع فإن الزكاة تفرض فيها، ولا نستطيع أن نقول: إن تلك مخالفة لأقوال الفقهاء؛ لأنهم لم يحكموا عليها إذ لم يروها، ولو رأوها لقالوا مثل مقالتنا، فنحن في الحقيقة لم نخرج على أقوالهم، أو نطبق المناط التي استنبطوه في فقههم رضي الله عنه يراجع في ذلك حلقة الدراسات الاجتماعية للدول العربية صـ241 وما بعدها.

وتنصّ التوصية الثلاثة من توصيات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في شأن زكاة المصانع على أنه:

ص: 218

1 -

لا تجب الزكاة في أعيان العمائر الاستغلالية، والمصانع، والسفن، والطائرات وما شبهها، بل تجب الزكاة في صافي غلتها عند توافر النصاب وحولان الحول.

2 -

مقدار النسبة الواجب إخراجها هو ربع العشر من صافي الغلة في نهاية الحول. المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية صـ403 الدار القومية للطباعة والنشر 1965.

ونحن نرى أن إيجاب الزكاة في الأموال التي تديرها المصانع يحقق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل؛ لأن مما يخالف العدالة أن تبقى تلك الأموال بعيدة عن وعاء الزكاة وهي تدر لأصحاب المصانع بكثرة طائلة في الوقت الذي يخضع فيه للزكاة من يمتلك نصابًا من الحاصلات الزراعية ذات القيمة المالية المنخفضة إذا ما قورنت بالأموال التي تديرها المصانع، فهذا الإيجاب للزكاة إذن يحقق المساواة بين المواطنين في تحمل التكاليف العامة المالية المقررة في الدولة.

رابعًا: أيضًا من الأمور التي صار بشأنها التساؤل: العمارات، وحكم زكاتها لم يتعرض الفقهاء القدامى إلى موضوع فرض الزكاة على الدور؛ لأن الدور في عهدهم لم تكن مستغلة بل كانت مخصصة للسكنى الشخصية، فاعتبرها من الحاجات الأصلية، وكان ذلك عدلًا اجتماعيًا في هذا الوقت، أما الآن فقد شيدت الدور والمباني لطلب النماء، وهي تدر الربح الوفير فيجب أن تخضع إرادتها للزكاة؛ لأن السبب الذي من أجله فرضت الزكاة في المال وهو النماء قد تحقق، خاصة وأنه في عصرنا الحاضر أصبح استثمار الأموال في قطاع الإسكان بهدف الاستغلال من أهم أنواع الاستثمار المجزية، والتي تدر عائدًا كبيرًا

ص: 219

لصاحبها، والقول بإخضاع الدور المستغلة أي العمارات للزكاة لا يخالف أقوال الفقهاء القدامى عندما قرروا أن الدور لا زكاة فيها؛ لأن الدور في عصورهم لم تكن مستغلة إلى في القليل النادر بل كانت للحاجة الأصلية، لذلك لم يلتفتوا إلى النادر؛ لأن الحكم للأغلب الشائع، والنادر لا حكم له في الشرائع، بل إن الإمام أحمد كانت له غلة تجيئه من حوانيت يؤجرها، فكان يخرج زكاتها مع أنه لا مورد لعيشه سواها، ولما قيل له في ذلك قال: أن أذهب في ذلك إلى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد، إذ كان يخرج منها الزكاة.

قد رأت حلقة الدراسات الاجتماعية قياس زكاة العقارات المبنية على زكاة الزروع والثمار حيث أن كلًا منهما يعتبر أصلًا ثابتًا يدر إيرادًا فتجب الزكاة في إيراده بنسبة تتراوح بين 10% و 5% حسب عنصر التكليف، ينظر في ذلك إلى حلقة الدراسات الاجتماعية للدول العربية صـ241 وما بعدها.

وقد ورد في التوصية الثلاثة من التوصيات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية أنه:

1 -

لا تجب الزكاة في أعيان العمائر الاستغلالية، بل تجب الزكاة في صافي غلتها عند توافر النصاب وحولان الحول، وبإيجاب الزكاة في العمارات المتخذة للنماء تتحقق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل، إذ ليس من العدالة أن يخضع للزكاة من يستثمر أمواله في الأراضي، ويُعفى منها من يستثمر أمواله في العمارات، فهذا يُعتبر بمثابة حكمين مختلفين لشيئين متماثلين وهما الاستثمار في الأرض والاستثمار في العمارة، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى انعدام المساواة بين المكلفين في هذا الشأن، أما إيجاب الزكاة في العمارات الاستغلالية فإنه يحقق تلك المساواة المجهولة.

ص: 220

خامسًا: أما بالنسبة أيضًا للأشياء التي فيها كلام الأوراق المالية وحكم زكاتها نقول: عرف التطور الصناعي والتجاري لونًا جديدًا من رأس المال عُرف باسم الأسهم والسندات، وهما من الأوراق المالية التي تقوم عليها المعاملات التجارية في أسواق خاصة بها، وهذه الأوراق يطلق عليها في علم المالية "القيم المنقولة" ويفرض على إيرادها المتجدد ضريبة تسمى الضريبة على إيراد القيم المنقولة، وهذه الصورة من صور نماء الأموال لم يكن لها وجود في عصر الفقهاء القدامى، ولكن بعض الفقهاء المحدثين تناول بالكتابة تلك الأموال باعتبارها أموالًا مستحدثة تحقق فيها وصف النماء في زماننا، ومن ثم تجب فيها الزكاة، وسنبين ذلك فيما يلي:

أولًا- الأسهم: وهذه الصورة تتلخص في أن يمتلك شخص جزءًا من رأس مال شركة مقسم رأس مالها إلى أسهم، ويتحدد عائد أسهمه في نهاية السنة وفقًا لنتيجة عمليات المشروع من ربح أو خسارة، وتلك صورة مشروعة في نظر التشريع الإسلامي.

رأي العلماء في ذلك: وقد رأى علماء حلقة الدراسات الاجتماعية أن الأسهم إذا كانت متخذة للاتجار والكسب من تجارتها تعتبر من عُرُوض التجارة، وبذلك تُزكي بالكيفية التي تُزكي بها عُرُوض التجارة، أما إن اتخذت أو اتخذت الأسهم للاقتناء والكسب من غلاتها لا من الاتجار فيها، فإن من يؤخذ من الشركة نفسها سواء كانت صناعية أم كانت غير ذلك فيه الكفاية، فهذا الرأي يفرق بين حالتين:

الأولى أن تتخذ الأسهم موضوعًا للتجارة، فتُشترى في غرض إعادة بيعها والمضاربة عليها في سوق الأوراق المالية، ففي هذه الحالة تجب الزكاة فيها وفقًا لقيمتها في نهاية السنة متى كانت نصابًا وحال عليها الحول.

ص: 221

الحالة الثانية: أن تُمتلك هذه الأسهم بغرض الاستثمار، فتدر ربحًا سنويا وفي هذه الحالة فإن الزكاة الواجبة على الشركة تكفي عن الزكاة عن حملة الأسهم.

ثانيًا- السندات: وهذه الصورة تتلخص في أن يُقرض شخص طبيعي أو معنوي شخصًا آخر طبعيًّا كان أو معنويًّا مبلغًا معينًا بموجب سند كتابي على أن يتقاضي المقرض من المقترِض فائدة محددة سنوية بصرف النظر عن نتيجة استغلال المقترض لهذا المبلغ ربحًا كان أو خسارة، وتلك هي صورة الربا في نظر الشريعة الإسلامية حيث تحدد الفائدة دون نظر إلى الربح أو الخسارة، ومع ذلك نجد أن العديد من العلماء يوجبون الزكاة في تلك السندات، وفي هذا الشأن يقول الشيخ محمد أبو زهرة وذلك في بحثه بعنوان (الزكاة) في المؤتمر الثاني بمجمع البحوث الإسلامية صـ184 وما بعدها يقول الشيخ أبو زهرة: وقد يقول قائل: إن الفائدة التي تؤخذ عن السندات مال خبيث؛ لأنه ربا، فكيف تؤخذ منه الزكاة؟ ونقول في ذلك إننا لو أعفيناها من الزكاة لأدى ذلك إلى أن يقتنيها الناس بدل الأسهم، وذلك تتأدى بالناس إلى أن يتركوا الحلال إلى الحرام، ولأن المال الخبيث إذا لم يُعلم صاحبه إنما سبيله إلى الصدقة، فخبث الكسب داعٍ إلى فرض الصدقة لا إلى إعفائه منها.

ويقول الشيخ محمود شلتوت في هذه الصدد: وحتى فيما هو حرام شرعًا فعندي أن الشريعة الإسلامية تقر خضوعه للضريبة، فالمال المكتسب من حرام مآله الصدقة، ذلك أن الأصل ألا يفيد المخالف من مخالفته، فيصبح بإعفائه من الضريبة في وضع أفضل من ذلك الذي التزم الحلال، والشريعة لا تقر دفع الضرر بضرر مثله، والضرر الثاني هو عدم مساهمته في التكاليف اللازمة للمصالح العامة حين يُعفى من الضريبة. وهذا في كتاب (الفتاوي) للشيخ محمد شلتوت صفحة 620 وما بعدها.

ص: 222

ورد في تقرير حلقات الدراسات الاجتماعية ما يلي: إن هذه السندات صارت سلعة فعلًا، فلو أعفيناها من الزكاة لما يلابسها من محرم لأقبل الناس على شرائها، ولأدى ذلك إلى الإمعان في التعامل بها، فيكون ذلك مشجعًا على المحرم، ولا يكون قطعًا له، ولأن صرف الكسب الخبيث في الصدقات غير ممنوع. (حلقة الدراسات الاجتماعية لجامعة الدول العربية صـ373 وما بعدها).

والدكتور يوسف القرضاوي يرى في السندات أنها تُنمى وتجلب للدائن فائدة وإن كانت محظورة، فإن حظر هذه الفائدة لا يكون سببا لإعفاء صاحب السند من الزكاة؛ لأن ارتكاب الحرام لا يُعطي صاحبه مزية عن غيره، ثم يقول: ولهذا أجمع الفقهاء على وجوب الزكاة في الحُلي المحرم على حين اختلفوا في المباح. (فقه الزكاة) للشيخ القرضاوي الجزء الأول صـ527 وما بعدها.

تلك هي أقوال الفقهاء الذين ذهبوا إلى وجوب الزكاة في السندات وما توصل إليه العلماء في هذا الصدد شبيه بما تسير التشريعات الضريبية الوضعية التي تقضي بأنه لا عبرة لمشروعية الإيراد، فلو تحقق للمموّل إيرادًا غير مشروع خضع للضريبة، فلو أن شخصًا اتّجر في المخدرات مثلًا وحقق من جراء ذلك إيرادًا خضع لضريبة الأرباح التجارية والصناعية دون نظر لمشروعية الإيراد من عدمه.

وفي كيفية زكاة هذه السندات يرى البعض أنها إن اتخذت للتجارة فهي عُرُوض التجارة، يجب فيها ما يجب في عُرُوض التجارة متى بلغت النصاب وحال عليها الحول، وتجب الزكاة في كامل قيمتها في نهاية العام -أي رأس المال مضاف إليه الفوائد- وذلك بمعدل 2.5% سنويًّا أي ربع العشر، أما إذا اقتنيت السندات بغرض الحصول على فائدتها فتؤخذ الزكاة في هذه الحالة من الفائدة فقط باعتبار أن السندات والحالة هذه بمثابة الأموال الثابتة، ويكون المعدل الواجب هو 10% من صافي غلتها حيث لا تكاليف تذكر لتحقيق الإيراد في هذه الحالة.

ص: 223

ونحن نختار ما ذهب إليه الفقهاء بوجوب الزكاة في السندات، وذلك للتبريرات التي ذكروها.

سادسًا- كسب العمل وحكم زكاته: إذا كانت السنة النبوية الشريفة قد سكتت عن بيان حكم كسب العمل بالنسبة للزكاة فإن ذلك يرجع إلى أن معظم المسلمين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يشغلهم سوى الجهاد، وإيجار العمل كان محدودًا كان الأرقاء ومن في حكمهم يقومون بالعمل مما لم يستدعِ الأمر بحث مدى وجوب الزكاة في شأن كسب العمل، ينظر في ذلك إلى كتاب (الخراج) للقاضي أبي يوسف صـ45 الناشر المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة.

لكن لنا في العطاء سند في بحث هذا الأمر، لذلك سوف نحاول في هذا الصدد استعراض بعض النصوص الإسلامية التي تلقي الضوء على مفهوم العطاء، ثم نعلق على هذه النصوص.

أولًا- العطاء في زمن الخليفة الأول أبي بكر الصديق: قال أبو يوسف رحمه الله: وهذا وارد في كتاب (الخراج) صـ45 قال أبو يوسف رحمه الله: وحدثني ابن أبي نجيح قال: قدم على أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- مال، فقال:"من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم عدة فليأتِ يعني من كان قد وعده النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من المال فليأتِ، فجاءه جابر بن عبد الله، فقال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا)) يشير بكفيه. فقال له أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-: "خذ" فأخذ بكفيه، ثم عده فوجده خمسمائة، فقال: "خذ إليها ألفًا" فأخذ ألفًا، ثم أعطى كل إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعده شيئًَا، وبقيت بقية من المال، فقسمها بين الناس بالسوية على الصغير والكبير، والحر والمملوك، والذكر والأنثى، فخرج على سبعة دراهم وثلث لكل إنسان، فلما

ص: 224

كان العام المقبل جاء مال كثير هو أكثر من ذلك، فقسمه بين الناس، وأصاب كل إنسان عشرين درهمًا، قال: فجاء ناس من المسلمين، فقالوا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك قسمت هذا المال، فسويت بين الناس، ومن الناس أناس له فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل بفضلهم، فقال: أما ما ذكرت من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله -جل ثناؤه- وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأفضل".

ثانيًا- العطاء في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: يتابع أبو يوسف حديثه في هذا الصدد، فيقول: فلما كان عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- وجاءت الفتوح، فضل وقال: لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه، ففرض لأهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا خمسة آلاف خمسة آلاف، ولمن لم يشهد بدرًا أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام أهل بدر دون ذلك أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق.

ومن النصوص التي ذكرناها من الممكن أن نستخلص منها الآتي:

العطاء عند أبي بكر: اعتبر أبو بكر الصديق رضي الله عنه العطاء بمثابة معاش للناس ثابت في دوريته كلما كان هناك مال، ولكنه غير ثابت في قدره، فقد بلغ نصيب الفرد -كما ذكرنا- في السنة الأولى سبعة وثلث درهمًا، ارتفع في السنة الثانية إلى عشرين درهمًا.

رأى أبو بكر التسوية بين في هذا المعاش، فسوى بين الصغير والكبير، والحر والمملوك، والذكر والأنثى.

أيضًا اشتمل العطاء بجانب المعاش الثابت للناس على الهبات التي كان وعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعضهم.

ص: 225

وأما بالنسبة للعطاء عند عمر، فقد رأى عمر رضي الله عنه عدم التسوية بين الناس في العطاء -كما رأينا- وجعل عمر رضي الله عنه العطاء كل سنة أي ثابتًا في دورته أيضًا، فهو يقول: فإني أرى أن أجعل العطاء كل سنة، وأجمع المال فإنه أعظم للبركة.

أيضًا كانت العوامل الموجبة لتفضيل بعض الناس على بعض في العطاء في نظر عمر عوامل مختلفة، من بينها ما يقوم به من الأمور، وما يؤديه من عمل، وعلى ما يُصلح معيشته، وعلى قدر فضله أو سبقه أو قدمه في الإسلام، فالرجل وجهاده في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجاته في الإسلام.

كان عمر رضي الله عنه يميل أيضًا إلى المساواة في العطاء إذا وفّر المال وكفى لذلك، يقول أبو عبيد: وقد كان رأي عمر الأول التفضيل على السوابق، والغناء عن الإسلام، وهذا هو المشهور من رأيه، وكان رأي أبي بكر التسوية، ثم قد جاء عن عمر شيء شبيه بالرجوع إلى رأي أبي بكر.

ومن هنا نرى أن الخليفة أبا بكر رضي الله عنه رأى في العطاء معاشًا ثابتًا، بينما رآه عمر بن الخطاب جزاء عمل أو فضل في الإسلام، ولكنه في النهاية رجع إلى رأي أبي بكر.

أخذ الزكاة في العطاء: قد ثبت أن الزكاة كانت تُستحق على العطاء في زمن الخلفاء الراشدين، رُوي عن هبيرةَ ابن مريم، قال: كان عبد الله بن مسعود يعطينا العطاء في زِبْلِس فصغار -ومعناه القفة- ثم يأخذ منه الزكاة. وأيضًا روي أنه كان عمر بن الخطاب إذا خرج العطاء أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد.

ص: 226

أيضًا كان عمر بن عبد العزيز إذا أعطى الرجل عملته يعني أجره أخذ منها الزكاة، وكان يأخذ الزكاة من الأعطية إذا خرجت لأصحابها.

ونحن نرى أن ما ذكرناها من خضوع العطاء للزكاة له شبيه فيما تسير عليه التشريعات الضريبية في هذا الشأن، فلو نظرنا إلى التشريع الضريبي المصري مثلًا لوجدنا أنه يفرض الضريبة على الإيرادات المعتبرة في حكم المرتبات، حيث تقضي المادة (55) من القانون (157) لسنة 1981م الخاص بالضرائب على الدخل بسريان التشريعات الضريبية على الإيرادات المعتبرة في حكم المرتبات حيث تقضي المادة (55) من القانون (157) لسنة 1981 الخاص بالضرائب على الداخل بسريان الضريبة على المرتبات وما في حكمها مما يعني سريان الضريبة على الإيرادات التي تُدفع بشكل دوري منتظم حتى ولو لم تكن مقابل عمل أو خدمة في الحاضر أو الماضي.

ولو طبقنا ذلك على العطاء لوجدنا أنه يأخذ حكم المرتب في فرض الضريبة عليه، حتى ولو لم يكن مقابل عمل أو خدمة في حالة ما إذا اعتبرناه معاشًا ثابتًا كما ذهب إلى ذلك الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ومن باب أولى يأخذ العطاء حكم المرتب في فرض الضريبة عليه إذا اعتبرناه جزاء عمل أو فضل في الإسلام كما ذهب إلى ذلك الخليفة عمر بن الخطاب، وعلى ضوء ما تقدم لا يمكن القول بإعفاء كسب العمل من الزكاة، خاصة وأن هذا الإيراد أصبح يمثل القسط الأكبر من الدخل القومي في الوقت الحاضر، ولمجافاة إعفائه من الزكاة لمبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل عبء الزكاة.

لذلك نادى بعض الفقهاء المعاصرين بإيجاب الزكاة في كسب العمل، فيقول علماء حلقة الدراسات الاجتماعية في هذا الشأن: ولا شك أنه إذا جُمع منه أي من المرتب ما يساوي نصاب الزكاة، واستمر حولًا كاملًا، ولو نقص في أثناء العام، فإنه تجب في الزكاة مادام كاملًا في طرفي العام أوله وآخره، ولو نقص ولم

ص: 227

يفقد كله في أثناء العام -كما هو مذهب الحنفية- وذلك لأنه إن استمر طول العام من غير أن يُنفق كله يكون ذلك دليلًا على أنه لم يكن من حاجاته الأصلية، وهو نامٍ بالقوة باعتبار أن النقود يعتبرها الإسلام من المال النامي؛ لأنها خلقت للاستعمال أو للاستغلال لا للاكتناز، وبالتخريج على ذلك يمكن فرض الزكاة على كسب العمل كل عام؛ لأنه يندر أن يقطع طوال العام والكثير أن يبلغه في طرفيه، وبهذا التخريج يصح أن نعتبر كسب العمل وعاء للزكاة مع هذا التقييد لتتحقق العلة التي استنبطها الفقهاء، ونعتبرها تابعا للنصاب الذي يعد أساسا للزكاة.

وقد تساهل الحنفية فاكتفوا بإكمال الرصيد في أول العام وآخره من غير أن يذهب كله في أثناء العام، فيجب أن نلاحظ ذلك عند فرض الزكاة على كسب العمل وعلى المهن الحرة لتحقيق الحد الفاصل بين الغنى والفقير. يراجع في ذلك حلقة الدراسات الاجتماعية للدول العربية صـ243 وما بعدها.

ويستخلص من هذا الرأي ما يلي:

خضوع كسب العمل لمعدل زكاة النقدين 2.5% أي ربع العشر، لابد للخضوع للزكاة من وجود النصاب في أول العام وفي آخره وحولان الحول عليه.

يشترط أن يكون هذا النصاب فاضلًا عن حاجة الممول الأصلية، فإن أنفق الدخل من كسب العمل كله فلا زكاة عليه، والخلاصة أنه بإيجاب الزكاة في الأموال المستحدثة، والتي تكلمنا عنها فيما سبق تتحقق العمومية المادية في الزكاة إلى أقصى حد ممكن، وبالتالي تتحقق المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع الذين يملكون نصاب الزكاة من أي نوع من أنواع الأموال التي يتحقق فيها وصف النماء متى

ص: 228