الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته
ونبدأ بالنوع الأول وهو زكاة الحيوان:
وزكاة الحيوان تجب في النعم أي الإبل، والبقر، والغنم الإنسية بالنص والإجماع، ومن هذه النصوص حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأثمن، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، فكلما تعدت أخراها عادت إليه أولها حتى يقضي بين الناس).
وشروط زكاة الحيوان -أي المواشي- ستة: هي الإسلام، والحرية، والملك التام، والنصاب، والحول، والسوم، ويشترط في الحيوان الذي تجب في جنسه الزكاة أن يكون مملوكًا لمسلم بالإجماع، ومعنى ذلك أنه إذا كان مملوكًا لكافر فلا تجب فيه الزكاة؛ لأن من شروط صحة الزكاة الإسلام، وأيضًا أن يكون سائمًا، والسوم معناه أن يرعي لوحده أي بدون أن يكلف صاحبه مئونة المرعى، وأن يكون سائما مدة الحول عند جمهور الفقهاء، وذلك لأن الزكاة عبادة، وهي لا تصح من الكافر حالة كفره، ولأن السائمة لا مئونة فيها؛ لأنها ترعي في كلأ مباح، بخلاف المعلوفة في غير هذا الكلأ المباح؛ لأنها تحتاج إلى مئونة لطعامها وشرابها من مال صاحبها، وكذا الماشية العاملة.
أي أنه من الشروط اللازمة حتى تجب الزكاة في الحيوان أن يكون سائمًا بمعنى أن يرعى بنفسه في كلأ مباح، فإذا كان صاحبه هو الذي يقوم بعلفه، فإنه في هذه الحالة لا تجب في الزكاة، وكذلك بالنسبة للماشية يعتبر ألا تكون عاملة يعني يستعملها الإنسان الذي يزرع الحقل أو المزارع في العمل في الزراعة، فإذا كانت عاملة يعني يستعملها في عمل الزراعة فلا تجب فيها الزكاة، وهذا عند جمهور الفقهاء لكنها حكي عن مالك في الماشية العاملة والمعلوفة الزكاة إذا بلغت نصابًا
استنادًا لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: في زكاة الإبل ((في كل خمس شاة)) وبهذا عمل أهل المدينة وليس عندهم أصل في ذلك.
إذن معنى ذلك أنه لا يشترط حتى تجب الزكاة في الماشية أن تكون سائمة، ولا أن تكون غير معلوفة، فعنده في هذا القول -أي عند مالك- أن الزكاة تجب في الماشية حتى ولو كانت معلوفة، يعني يقوم صاحبها بعلفها، وحتى ولو كانت عاملة يعني يستعملها صاحبها في عمل الزراعة، والإمام مالك عندما أوجب الزكاة في العاملة والمعلوفة استند في ذلك -كما قلنا- إلى عموم الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للإبل:((في كل خمس شاة)) وعندما قال صلى الله عليه وسلم: ((في كل خمسة شاة)) يعني في كل خمس من الإبل شاة، جاء الحديث عامًّا، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين ما إذا كانت هذه معلوفة أو غير معلوفة، ولم يفرق بين ما إذا كانت هذه تعمل أو لا تعمل؛ لذلك الإمام مالك نظر إلى هذا العموم الوارد في الحديث، وأوجب الزكاة في الماشية حتى ولو كانت عاملة، حتى ولو كانت معلوفة.
لكن للجمهور أدلة في اشتراط السوم لوجوب الزكاة، فالجمهور استدلوا على أنه يشترط السوم لوجوب الزكاة، والسوم -كما قلنا- أن ترعى الماشية في كلأ مباح، استدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم:((في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون)) فدل ذلك على أنه لا زكاة في غيره، فهم يقولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص في هذا الحديث على السوم، فقال:((في كل سائمة)) وبمفهوم المخالفة أن غير السائمة وهي المعلوفة لا تجب فيها الزكاة، فإذن استدل الجمهور على أنه يشترط السوم لوجوب الزكاة في الماشية استدلوا بهذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم:((في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون)) فهذا حديث -كما قلنا- يدل بمفهوم المخالفة على أن التي تُعلف لا زكاة فيها.
واستدلوا أيضًا بما روي أن أبا بكر رضي الله عنه لما كتب كتاب الصدقة الواجبة إلى عماله كتبه وفيه: "صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها صدقة" يعني كأن سيدنا أبا بكر يبين أن الزكاة في الغنم إنما تجب إذا بلغت أربعين، لكن اشترط أن تكون سائمة عندما قال:"صدقة الغنم في سائمتها" فهنا نص سيدنا أبو بكر -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- نص على السوم أيضًا، بالمفهوم أيضًا لا تجب الزكاة في المعلوفة.
وقالوا أيضًا أن العوامل -يعني الماشية التي تعمل- والمعلوفة من المواشي لا تُقتنى للنماء، وإنما لمصلحة الإنسان وضرورته، فصارت كثياب البدن وآساس الدار التي لا زكاة فيها بلا خلاف بين الفقهاء، أيضًا جمهور الفقهاء يقولون لابد وأن يُشترط السوم استدلوا على ذلك بأن العوامل والمعلوفة من المواشي لا تقتنى للنماء يعني الذي يقتنيها في الغالب أنه يقتنيها من أجل مصلحته وحاجته الضرورية، والزكاة إنما تجب في الأصل في المال النامي، لكن هذه لا تتخذ بالنماء، وبالتالي أصبحت شبه ثياب البدن يعني الثوب الذي يلبسه الإنسان هذا من ضرورياته، وبالتالي فلا يجب فيه الزكاة.
ولا تجب الزكاة فيما سوى ذلك من المواشي، نحن قلنا المواشي التي تجب فيها هي الإبل والبقر والغنم، هل تجب في أنواع أخرى غير هذه الأنواع الثلاثة؟ لا تجب الزكاة فيما سوى ذلك من المواشي كالخيل والبغال والحمير لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) فهذا نص على أن الزكاة لا تجب في العبد ولا في الفرس، معنى ذلك أنها لا تجب إلا في هذه الأنواع التي نص عليها في الحديث، وهي الإبل، والبقر، والغنم.
كما لا تجب فيما تولد بين حيوان أهلي وحيوان وحشي، ولا فيما لا يملكه المسلم ملكًا تامًّا، ولا فيما يحول عليه الحول، لما رُوي عن أبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم-
وهو مذهب علماء المدينة، وأهل الأمصار، ولأنه لا يتكامل نماء هذا غالبًا قول الحول، فإذن لابد من مرور الحول، لماذا اشترطوا الحول حتى تجب الزكاة في هذه الحيوانات؟ قالوا لأن مرور الحول هذا دليل على النماء، يعني الغالب أنه يحصل النماء في أثناء سنة كاملة، أما قبل السنة فالغالب أنه لا يحدث نماء؛ لذلك جعلوا الحول واشترطوا الحول، والبقر يتناول البقر الوحشي، والغنم يشمل الضأن والمعز أيضًا.
وقد اشترط الحنفية السوم كالجمهور، ولكنهم لم يشترطوا السوم كل الحول، وإنما أغلب الحول فقط، وهو ما يزيد على النصف، ولهذا لو علفها نصف الحول لا تجب فيها الزكاة؛ لأنها لا تعد سائمة.
وفي اشتراط الحول -أي تمام الحول- حديث أبي داود بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) المال لا يتكامل نماؤه غالبًا -كما قلنا- إلا بعد تمام الحول، وفي اشتراط السوم كل الحول للجمهور عموم خبر أنس رضي الله عنه:"وفي صدقة الغنم في سائمتها الزكاة" وخبر أبي داود وغيره: "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون" وهو صحيح الإسناد كما قال الحاكم وحكاه الخطيب.
إذن السوم -كما قلنا- اشتراطه جمهور الفقهاء ماعدا المالكية في قوله، وإن كان جمهور الفقهاء قد اتفقوا على أنه يُشترط في الحيوان حتى تجب فيه الزكاة أن يكون سائمًا يعني في كلأ مباح لا يكلف صاحبه مئونة الأكل والشرب، إذا كانوا قد اتفقوا على ذلك إلا أنهم اختلفوا: هل يشترط أن يكون السوم طوال العام، أم أنه يكفي أكثر العام؟ الأحناف قالوا يكفي أكثر من النصف يعني معظم العام النصف فأكثر، ففي هذه الحالة يشترطون أو لا يشترطون أن يكون السوم في كل الحول، لكن جمهور الفقهاء قالوا لابد وأن يكون السوم في كل الحول.
ونأتي الآن إلى نصاب الزكاة في الإبل، أول نصاب الإبل خمس بالإجماع، فلا تجب الزكاة فيها إلا إذا بلغت خمسة سائمة لمدة عام كامل عند جمهور الفقهاء، وذلك لحديث الصحيحين:((ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة)) الذود نوع من الإبل، فهذا الحديث يقول إنه إذا لم تصل إلى خمس من الإبل فلا صدقة فيها، ليس فيما دون خمس زود من الإبل صدقة، فِإذا بلغت الإبل خمسًا هنا يبلغ النصاب، لكن هل نُخرج الزكاة من جنس الإبل أو لا؟ هنا نقول: إذا بلغت الإبل خمسًا وجب فيها الزكاة، والواجب شاة من الضأن، وهو من غير جنس المال، وذلك على خلاف الأصل.
الأصل أن الزكاة تخرج من جنس المال، لكن جاء هنا بين الفقهاء أن الإبل إذا بلغت خمسًا فهنا بلغت نصابًا أي أنه تجب فيه الزكاة، لكن المقدار الواجب إخراجه ليس من جنسها، وإنما نخرج شاة عن هذه الخمس من الإبل، وهذا كما قلنا خلاف الأصل، لماذا إنما كان على خلاف الأصل للرفق بصاحب المال والفقير معًا؛ لأن الأصل أن زكاة المال تخرج المال أي تخرج من المال ولو خرج الواجب هنا من جنس المال فإن كان بعيرًا كاملًا تضرر المالك؛ لأنه كثير، وإن أوجبنا جزء البعير فقط تضرر به الفقراء، بل وصاحب المال أيضًا لعجزه عن تسليمه الجزء لهم بدون الكل إلا بذبحه، وهذا ضرر بالنسبة له، وقد ينقص هذا من قيمته، وقد يكون الفقراء في غير حاجة إلى اللحم، بل هم في حاجة إلى الخبز أو اللبس مثلًا، ولا يجدون من يشتري اللحم منهم، فلذلك أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أي أمر بأن نخرج شاة بدل أن نخرج واحدة من الإبل؛ لأن قيمة الشاة كما قلنا أقل بكثير من قيمة الواحدة من الإبل، ولذلك -كما قلنا- إن وجب فيها شاة؛ لأن في ذلك تحقيق لمصلحة الطرفين.
مصلحة الفقير حتى لا يحرم من الزكاة في هذا المقدار من المال، وأيضًا مصلحة صاحب المال؛ لأننا لو أوجبنا عليه واحدة من الأربعة من الإبل، لو أوجبنا عليه
واحدة من الإبل من هذه الخمسة فإن ذلك سوف يترتب عليه ضرر بالنسبة له؛ لذلك -كما قلنا- كانت هناك موازنة بين الفقير من ناحية أو بين الفقراء من ناحية وبين صاحب المال من ناحية أخرى، كما قلنا أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أي أمر أن نخرج عن الخمسة من الإبل شاة، وصار عليه الخلفاء الراشدون والمسلمون من بعده.
فقد روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب لما وجهه إلى البحرين عاملًا على الزكاة قائلًا: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، في كل خمسة شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض -وبنت المخاض من الإبل هي التي لها سنة، ودخلت في الثانية، وسميت بذلك؛ لأن أمها بعد سنة من ولدتها آن لها أن تحمل مرة أخرى، فتصير بذلك الحمل من ذوات المخاض أو الحوامل- ففيها بنت مخاض أنثى فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى -وابن اللبون هو من له سنتان من الإبل، ودخل في الثالثة؛ لأن أمه آن لها أن تلد فتصير لبونًا أي ذات لبن- فإذا بلغت وستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة -والحقة من الإبل هي من لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك؛ لأنها استحقت أن يتركها الفحل، وفي الذكر استحق أن يكون طروقًا، أو لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها- فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة -والجذعة من الإبل من لها أربع سنين وطعنت أي دخلت في الخامسة، سميت بذلك؛ لأنها أجذعت مقدم أسنانها أي أسقطتها، وقيل لتكامل أسنانها- فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين
ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقة الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة أو حِقة".
والشاه الواجبة فيما دون خمس وعشرين من الإبل إما جذعة ضأن، وهي التي أجذعت مقدم أسناها أي أتمتها أو أسقطتها، سواء بلغت سنة أو أقل منها، وإن كان الصحيح أنها التي بلغت سنة أو أقل منها بما لا يصل إلى ستة أشهر، ويُجزِئ عن جذعة الضأن أو عن جذعة الضأن ثنية المعز وهي التي لها سنتان على الصحيح وقيل سنة.
والمخرج أي الذي يخرج الزكاة مخير في الإخراج من الشياه بين جذعة الضأن أو ثنية المعز على الأصح؛ لأن الشاة تطلق عليهما معًا، ويُشترط في المخرج -يعني الشاة- أو غيرها من الأشياء التي نخرجها كزكاة يشترط فيها أو يشترط في المخرج كونه صحيحًا، وإن كان المخرج عنه مريضًا إذا تمكن من الحصول على هذا الصحيح، يعني إذا كانت الأموال حتى ولو كانت مريضة ينبغي عليه أن يخرج الصحيح إذا تمكن من ذلك، فإن عجز عن الصحيح وجب إخراج قيمة الصحيح من النقود الصحيحة الغالبة في تعامل أهل الصدقات أو أصحاب الأموال المزكّى عنها مع مراعاة الأغبط لهما معًا، ومن لزمه في الزكاة إخراج بنت مخاض من الإبل فعدمها وعنده بنت لبون دفعها للزكاة وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا من الفضة، أو قيمة أحدهما إن تساويًا مع مراعاة أن يكون الخيار للدافع، سواء كان المالك أو عامل الزكاة.
أما نصاب زكاة البقر فأول نصاب زكاة البقر ثلاثون بقرة، قلنا أول نصاب زكاة الإبل خمس من الإبل، لكن زكاة البقر أول نصاب زكاة البقر ثلاثون بقرة، وفيه
تبيع من البقر وهو من له سنة ودخل في الثانية، وفي كل أربعين مسنة من البقر، وهي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة، وهكذا تحسب الزيادة على هذا الأساس، ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة مهما بلغ العدد، وذلك لحديث معاذ:((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من أهل اليمن من كل حالم دينارًا، ومن البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة)).
وأول نصاب الغنم أربعون وفيه شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاثة شياة، ثم في كل مائة شاة، وذلك لما روي عن أنس رضي الله عنه في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه له في الصدقة الواجبة في الغنم:"إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة ومائة شاة يعني إذا كانت أربعين إلى مائة وعشرين ومائة- شاة -أي فيها شاة- فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياة، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة".
وكنا تحدثنا عن الخُلطة أو زكاة الخلطة ومدى تأثيرها في الزكاة قبل ذلك عندما كنا نتحدث عن العمومية الشخصية بالنسبة للزكاة، وهنا يأتي الكلام في زكاة الشركة والخلطة في المشي، فالمال المشترك من الماشية يعني المشترك بين اثنين، المال المشترك من الماشية يجب فيه الزكاة إذا بلغ نصابًا، سواء كانت الشركة على الشيوع أو كانت على الاختلاط عند جمهور الفقهاء، وبشرط وحدة المسرح، والمراح، والمشرب، والمحلب، والفحل، والراعي، ومرور عام كامل على الشركة، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين، وإن اختلف فقهاء المذاهب فيما بينهم في بعض هذه الشروط فبينما قال بعض أصحاب مالك: لا يعتبر في الخلطة إلا شرطان: الراعي والمرعى، يقول الشافعية والحنابلة: يشترط فيها المسرح والمراح والمشرب والفحل والراعي والمحلب حولًا كاملًا، فيزكى عنه زكاة رجل واحد.
وقال أبو حنيفة: لا تأثير للخلطة في الزكاة، حيث يراعى النصاب لكل واحد من الشركاء منفردًا، فإن بلغ النصاب في ماله وحده وجب فيه الزكاة، وإن لم يبلغ نصابًا لا يجب فيه الزكاة، وعليه لو اشترك -يعني بناء على ذلك- لو اشترك اثنان شركة خلطة في الغنم مثلًا، عددها بلغ النصاب أربعين لكل واحد منهم عشرين أو أقل أو أزيد فلا زكاة على واحدة منهم؛ لأنه لم يملك نصابًا كاملًا وحده، وإن ملك معًا ثمانين لكل واحد منهم أربعين وجب على كل واحد منهم شاة؛ لأنه ملك نصاب مستقلًا، وعليه يجب في الثمانين شاتين.
هذا مذهب من؟ هذا على مذهب أبي حنيفة؛ لأننا ذكرنا قبل ذلك أن الإمام أبي حنيفة يرى أنه لا تأثير للخلطة في الزكاة، ولذلك -كما قلنا- هو يرى أنه لو كانت خلطة بين شخصين في الغنم مثلا على سبيل المثال، وكان لكل واحد منهم عشرون شاة، وكان المجموع أربعين فعنده لا تجب الزكاة في هذا المعز، لماذا؟ لأن مال كل واحد على انفراد لم يصل إلى نصاب الزكاة، وبالتالي لا تجب فيه الزكاة، ولذلك كما قلنا يعني الإمام أبي حنيفة يرى أنه لا تأثير للخلطة في الزكاة، لا في قدر الواجب ولا في النصاب، وكل واحد منهم -أي من الخليطين- يزكي ماله على حدة إن بلغ نصابا، فإن لم يبلغ نصابًا فلا زكاة فيه حتى ولو بلغ نصابا بضمه إلى مال الآخر، لكن -كما قلنا- مذهب جمهور الفقهاء يجيبون الزكاة في حالة ما إذا كان لكل واحد منهم عشرون، وأضيف كل منهما للآخر بحيث بلغت أربعين لماذا؟ لأنهم -كما قلنا- يرون أن للخلطة تأثيرًا في الزكاة، والراجح هو مذهب جمهور الفقهاء.
فحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يُجمع بين متفرق، ولا يُفرق بين مجتمع خشية صدقة)) ويُشترط في الخلطة عند الجمهور أن يكون الخليطان من أهل الزكاة مع تحقق الشروط السابق ذكرها من قبل بالنسبة للمسرح، والمرعى، والمشرب، والراعي
وغير ذلك، فإن كان أحد الخليطين غير مسلم لم يعتدّ بخلطته، ولا تأثير لها في النصاب حيث يُراعى ما يملكه المسلم فقط، فإن بلغ نصابًا زكّي حسبما سبق بيانه في نصاب كل نوع وإلا فلا.
النصاب وحولان الحول في زكاة النعم: ثبت من المروي من الأحاديث أن للنعم نصابًا كما قلنا، فلا زكاة فيها دون الخمس من الإبل، ولا زكاة فيها دون أربعين من الغنم، ولا فيما دون ثلاثين من البقر والجاموس وغيرها سواء، وأن ما بين الحدود عفو لا تحتسب فيه زكاة، فما بين الثلاثين والأربعين من البقر عفو، يعني لا تجب فيه زكاة، معنى ذلك أنه إذا امتلك مثلًا من البقر ثلاثين -كما قلنا- وجبت عليه الزكاة يخرج تَبِيعًا، فإذا كان بدلا من الثلاثين تسعة وثلاثين أيضًا يخرج تبيعا أيضًا.
فإذن ما زاد من الثلاثين حتى قبل الأربعين عفو، يعني لا تكون عليه زكاة، فما بين الثلاثين والأربعين من البقر عفو، وما بين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين عفو، وقد ورد النص بذلك.
ولا شك أن هذه التقديرات إذا قدرت في عصرنا بالنقود تكون مقاديرها كبيرة، وأن الأحاديث تشير إلى أن قيمتها دون ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدر بدل الشاتين بعشرين درهمًا، وهذا يقتضي أن تكون قيمة الشاة عشرة دراهم، وبذلك تكون قيمة الأربعين شاة في الجملة نحو أربعمائة درهم، فإذا أردنا تطبيق الزكاة في عصرنا ننظر إلى المقادير التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم من غير خروج عليه، ثم ننظر إلى قيمتها في عصرنا، يعني ننظر إلى أربعمائة درهم كما تساوي بالجنية المصري أو بالريال السعودي أو كذا؟ فإذا وصلت قيمة هذه الأشياء نصابًا ففي هذه الحالة تخرج الزكاة.
وأبو حنيفة من بين فقهاء الجمهور أجاز دفع الزكاة بقيمتها، يعني عندما نقول: نقدر أو ننظر إلى هذه القيمة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم والتي بينت أن قيمة الأربعين
شاة في الجملة نحو أربعمائة درهم، ثم ننظر كم تساوي هذه الأربعمائة درهم بالأموال التي نستعملها الآن بالجنية المصري أو الريال السعودي على سبيل المثال، فإذا بلغت قيمة الشياه هذه وصلت إلى النصاب خرجت الزكاة.
هذا طبعًا على رأي الإمام أبي حنيفة، الإمام أبو حنيفة يقول: يجوز إخراج القيمة في الزكاة، لكن طبعًا جمهور الفقهاء منعوا ذلك، وقالوا لابد وأن تخرج الزكاة من جنس المال الذي وجبت فيه، نقول وأبو حنيفة من بين فقهاء الجمهور أجاز دفع الزكاة بقيمتها، ونكون منفذّين بتقدير النبي صلى الله عليه وسلم لأن قيمة المال تحل محله، إنه بلا ريب يكون أخذ القيمة متفقًا مع روح العصر، ومقربًا بين أرباب الأموال، وقد كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا كان قد فات دفع الأموال بأعيانها فإنه لا يفوتنا إعطاء الفقير مقاديرها، ولا يفوتنا أيضًا التقريب بين رءوس الأموال، وهو الأمر الذي كان ملاحظًا في تقديرات النبي صلى الله عليه وسلم وهنا نلاحظ عدة أمور:
أولها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قدَّر قيمة الشاة بعشرة دراهم، وبذلك يكون نصاب الزكاة يصل قيمته في الجملة إلى أربعمائة درهم، وأن في كل أربعين شاة شاة واحدة، أي أن مقدار الزكاة يساوي ربع العشر، أي اثنين ونصف في المائة.
ثانيا- أنه يجب ان نفرض أن قيمة خمس من الإبل هو أربعمائة درهم، إلا أن زكاتها هي شاة، أي أن مقدارها عشرة دراهم، فيكون مقدارها أيضًا 2.5%.
ثالثها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قدر نصاب الفضة بمائتي درهم، وبذلك يكون ثمة تفاوت من حيث القيمة بين نصاب الغنم ونصاب النقود، وفوق ذلك فإنه لا يوجد ما يوجب تساوي النصاب أو قيمته في كل الأشياء، قلنا ثمة تفاوت من حيث القيمة بين نصاب الغنم ونصاب النقود، إلا أنه في نصاب الغنم -كما قلنا- أربعمائة درهم، وفي