الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأعينوني، وإن أسأت فقوموني وجاهرت به الرعية في وجه عمر في قول أحد المسلمين له: والله لو وجدنا فيك اعوجاج لقومناه بسيوفن أليس الأحرى بمونتسكيو -وهو الباحث المدقق- ألا يقحم الدين في وهم بدا له، أو إن احتجاجه بصنيع الأتراك لا قيمة له، وليس بشيء؛ لأنهم ليسوا حجة على الإسلام -وإن كانوا من مسلمين- لأنهم أخذوا من الإسلام شكل الخلافة، وطرحوا مضمونها جانبًا؛ لأسباب سياسية، وضعية بحتة، لا صلة لها بالدين.
نخلص من ذلك إلى أن سياسة الدولة الإسلامية سياسة مقيدة بحكم الشريعة الإسلامية ذلك التقييد الذي لا يؤدي إلى تعطيل نص، أو الخروج عليه أو مجافاة قاعدة من القواعد الإسلامية.
مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم
نتحدث الآن عن مصادر النظام السياسي في الإسلام النظام السياسي، والدستوري في الإسلام هو جزء من مجموعة الأحكام الشرعية التي تشكل في مجموعها ما يعرف بالفقه الإسلامي؛ ولذا كان على من يريد بيان مصادر النظام السياسي في الإسلام أن يتحدث عن مصادر الفقه بصفة عامة؛ لأن مصادر التشريع الإسلامي، واحدة، سواء كان ذلك في مجال التشريع المدني، أو التشريع الدولي، أو التشريع الاقتصادي، أو التشريع السياسي، أو حتى في مجال العبادات؛ فجميع هذه التنظيمات تستقي أحكامها من معين واحد هو: مصادر الفقه الإسلامي، أو أدلة الأحكام التي بحثها علماء أصول الفقه بشكل لا مزيد عليه.
ولكن هذا لا يمنعنا بطبيعة الحال من أن نتعرف على هذه المصادر؛ لنرى كيف يمكن أن نستنبط منها الأحكام السياسية، والدستورية في النظام الإسلامي،
ومعلوم أن مصادر الفقه الإسلامي تنقسم إلى: مصادر نقلية تتمثل في الكتاب، والسنة؛ لكونها نقلت إليها عن طريق الوحي، ولم يكن للعقل مجال في وضعها، وإن كان لا بد من إعمال العقل في فهمها، واستنباط الأحكام منها. وتقسم كذلك إلى مصادر أخرى عقلية، وتشمل جميع تلك المصادر التي تتم عن طريق الاجتهاد -بمعناه الواسع- ومن الأصوليين من يقسم هذه المصادر إلى: مصادر أصلية هي القرآن والسنة، وأخرى تبعية أرشدت إليها النصوص، واعتبرتها في استنباط، أو تأسيس الأحكام عليها -عند عدم، وجود النص- وذلك كالإجماع، والقياس، والمصالح المرسلة، ونحوه.
ولذلك فسوف نجعل دراستنا في هذا متضمنة لمصادر النظام السياسي الإسلامي، سواء منها الأصلية، أو التبعية؛ فنتحدث أولًا عن القرآن الكريم كمصدر للأحكام السياسية، والدستورية.
القرآن الكريم: هو كلام الله سبحانه وتعالى الذي نزل به جبريل الأمين عليه السلام على نبينا صلى الله عليه وسلم وهو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، وقد اهتم الصحابة -رضوان الله عليهم- بنقله وتجريده عما سواه، وبالغوا في ذلك؛ حتى أنهم كرهوا التشكيل، والنقط؛ كي لا يختلط بالقرآن غيره، فالمكتوب بين دفتي المصحف هو القرآن كاملًا غير منقوص؛ إذ يستحيل في العرف، والعادة -مع توفر الدواعي على حفظ القرآن ونقله- أن يهمل بعضه؛ فلا ينقل، أو يخلط به ما ليس منه.
وقد ابتدئ نزول القرآن على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة عام 610 ميلاديا، وذلك في اليوم السابع عشر من رمضان للسنة الحادية والأربعين من ميلاده صلى الله عليه وسلم-
واستمر نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم إلى تاسع ذي الحجة يوم الحج الأكبر للسنة العاشرة من الهجرة، والثالثة والستين من ميلاده صلى الله عليه وسلم وكان القرآن الكريم ينزل منجمًا مفرقًا؛ ليتثبت به فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وليكون مواكبًا للأحداث التي كانت تمر بالمجتمع الإسلامي من بداية البعثة، إلى واخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.
وقد مر القرآن الكريم -في نزوله- بفترتين متميزتين: هما الفترة المكية -وفيها نزل معظم القرآن- ويطلق على الآيات والسور التي نزلت بمكة: القرآن المكي، وتمتاز هذه الآيات والسور بكونها تهدف إلى تكوين العقيدة الصحيحة، وتنقيتها من الخرافات، والضلالات القديمة عن طريق الحجة، والمنطق.
ثم الفترة المدنية، وتمتد من الهجرة، وحتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها اكتمل التشريع، ويطلق على الآيات والسور التي نزلت في هذه الفترة: القرآن المدني. ويمتاز التشريع في هذه الفترة ببيان الأحكام، والتكاليف الشرعية بعد أن أصبح المكلفون مهيئين لذلك بتصحيح عقيدتهم في الفترة المكية.
ولم يجمع القرآن الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان مكتوبًا في الصحائف، ومحفوظًا في صدور الصحابة، وأول من قام بجمعه أبو بكر رضي الله عنه لما تولى خلافة المسلمين، وقُتل عدد كبير من الحفظة لكتاب الله تعالى في موقعة اليمامة.
ثم لما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وتفرق الصحابة في الأمصار المفتوحة؛ خشي عثمان رضي الله عنه أن يختلف المسلمون في القرآن؛ فقام بعد استشارة الصحابة بجمعه للمرة الثانية، معتمدًا في ذلك على جهود أبي بكر السابقة، وكتب نسخًا متعددة من المصحف، ووزعها على الأمصار الإسلامية المختلفة، وأحرق ما عداه؛ حتى لا يختلف المسلمون في القرآن.
ويبلغ مجموع سور القرآن 114 سورة، ومجموع آياته: 6341، وهذه الآيات، والسور مرتبة، والأكثر من أهل العلم على أنها ترتيبها توقيفي، لا رأي للصحابة فيها، ثم توالت جهود المسلمين بعد ذلك -وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- على العناية بالمصحف الشريف كتابة، وطباعة، وحفظًا، وشرحًا، وصدق الله العظيم الذي يقول:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9).
وتنقسم الأحكام الواردة في القرآن الكريم إلى: أحكام اعتقاديه تهدف إلى تصحيح عقيدة الإنسان من حيث إيمانه بالله تعالى، وبما جاء من عنده مما أخبر به الرسل -عليهم الصلاة والسلام.
وأيضًا أحكام خلقية تتعلق بفضائل الأعمال، ومحاسن الأخلاق.
وهناك أيضًا -ثالثًا- أحكام عملية تتعلق ببيان حكم الله تعالى فيما يصدر عن المكلف من الأقوال، والأفعال، والتصرفات، وهو ما يطلق عليها اسم: الفقه، أو التشريع الإسلامي.
خلاصة هذا أن الأحكام التي تضمنها القرآن الكريم تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحكام اعتقاديه، وأحكام خلقية، وأحكام عملية.
وآيات الأحكام في القرآن لا تزيد عن خمسمائة آية، وتنقسم إلى أحكام العبادات، ويقصد بها تنظيم العلاقة بين الإنسان، وربه، وتشمل 140 آية، وأحكام المعاملات، وهي التي تعني ببيان التنظيم التشريعي لكافة علاقات الأفراد -فيما بينهم، أو فيما بينهم، وبين الحاكم، أو فيما بينهم، وبين الدول الأخرى- وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب خلاف أن هذا النوع من الأحكام ينقسم إلى عدة أقسام:
1 -
أحكام الأحوال الشخصية، أو أحكام الأسرة، وتشمل أحكام الزواج، والطلاق، والإرث، والوصية، والحجر، وتشمل نحو سبعين آية.
2 -
الأحكام المدنية، وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد، ومبادلاتهم من بيع، وإجارة، ورهن، وكفالة، وشركة، وما إلى ذلك، وتشمل نحو سبعين آية.
3 -
الأحكام الجناية، وهي التي تتعلق ببيان ما يرتكبه المكلف من الجرائم، وما يستحقه عليها من عقوبات، وتشتمل على نحو ثلاثين آية.
4 -
أحكام المرافعات، وهي التي تتعلق بتنظيم الإجراءات التي تتخذها المحاكم للنظر في حقوق الناس، وبيان أحكام الدعاوى، والبينات، وتشمل نحو 13 آية.
5 -
الأحكام الدستورية، وهي التي تتعلق بنظام الحكم، وأصوله -أي: تحديد العلاقة بين الحاكم، والرعية، وبيان ما لكل منهما من الحقوق، وما عليه من الواجبات، وتشمل نحو عشرة آيات.
6 -
الأحكام الدولية، وتتعلق ببيان علاقة الدولة الإسلامية بغيرها في حالة السلم، وفي حالة الحرب، وتشمل آياتها نحو 25 آية.
7 -
وأخيرًا الأحكام الاقتصادية، والمالية، وهي التي تقوم بتنظيم العلاقات المالية من موارد، وطرق إنفاق، وغير ذلك، وتشمل نحو عشرة آيات.
والذي يهمنا في هذا الصدد أن نقرر أن القرآن الكريم -باعتباره مصدر الشريعة الأول- قد عني بتقرير كثير من الأحكام الدستورية، والسياسية؛ فتكلمت آياته الكريمة عن الحكم، والإمارة، والملك، والسلطان، والولاية، والسيادة، والقضاء، والحرب، والسلم، والمعاهدة، وحقوق الأفراد، وحرياتهم، وحقوق
الحاكم، وحقوق أهل الذمة من المواطنين، أو ما يعرف بمركز الأجانب والأقليات في القانون الدولي الحديث، وتحدث أيضًا عن الشورى كنظام للحكم، وغير ذلك من أمهات المسائل الدستورية، والسياسية، التي أشار إليها القرآن الكريم، وحفظت، ودونت قبل أن تعرف الدول الحديثة فكرة الدساتير المدونة التي تؤصل بها أحكامها السياسة، والدستورية؛ مما يجعل من الشريعة الغراء رائدة في هذا المجال.
ولكن يجب أن يلاحظ أن بيان القرآن الكريم للأحكام السياسية، والدستورية إنما يقتصر على القواعد العامة، والأفكار الإجمالية؛ فهو لا يتصدى للجزئيات، وتفصيل الكيفيات إلا قليلًا؛ لأن هذا مما يخل ببلاغة القرآن، وبكونه كتابًا هو كالدستور لكافة الأحكام الشرعية؛ فينطوي هذا المسلك من البيان -إذن- على حفز الهمم، وحثها على فهم تلك القواعد الكلية، وتطبيقها بصورة مختلفة يحتملها النص، ولا يأباها، وذلك كما ورد في القرآن الكريم من النص على الشورى السياسية دون تعيين شكل خاص لها؛ فكانت بذلك شاملة لكل نظام حكومي يحقق العدل، ويجتنب الظلم، والاستبداد، ورأي الفرد، بغض النظر بعد ذلك عن كون هذا النظام جمهوريًا، أو ملكيا، أو خلافة، أو غير ذلك مما لا استئثار فيه لفرد، أو لفئة بحسب ما تمليه المصالح العامة للمجتمع.
خلاصة القول -في هذا-: أن القرآن الكريم -بالنسبة لمسائل الحكم، والنظم الدستورية- إنما اقتصر على الأحكام العامة، أما التفصيلات؛ فقد تركها، ولم يفصلها، لماذا؟ لأن شريعة الإسلام إنما هي الشرعية الخاتمة -خاتمة الشرائع- ولذلك هي باقية إلى أن تقوم الساعة، ويرث الله الأرض، ومن عليها؛ ولذلك حرص القرآن الكريم على أن يترك للناس مساحة من التفكير -خصوصًا مع تطور المجتمعات، وكثرة الوقائع والأحداث- ولذلك ترك لهم التفصيل، ووضع