الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبذلك يمكننا أن نتصور في الدولة الإسلامية وزارة عامة تتبع الخليفة ثم وزارات إقليمية تتعدد بتعدد الأقاليم وهو ما يشبه إلى حد ما ما هو معروف في النظام الأمريكي الآن، توجد حكومة مركزية عامة ثم يوجد لكل ولاية بعد ذلك جهاز إداري خاصّ بها، يقول الماوردي في هذا الشأن: وإذا فوّض الخليفة تدبير الأقاليم إلى ولاتها ووكّل النظر إلى المسئولين عليها كالذي عليه أهل زماننا جاز لمالك كل إقليم أن يستوزر -يعني: يعين وزيرًا- وكان حكم وزيره كحكم وزير الخليفة مع الخليفة في اعتبار الوزارتين وأحكام النظرين.
مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ
والآن نريد أن نعقد مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ، وسوف نذكر في هذه المقارنة بين الوزارتين أوجه الاتفاق ثم أوجه الاختلاف بينهما، وبذلك نتعرف على أهم ملامح كل منهما.
أولًا: أوجه الاتفاق:
تتفق الوزارتان في أن الوزير في كل منهما يجب أن يتوفر فيه ما يلي:
1 -
أن يكون بأعباء الوزارة ناهضًا يعني: قادر على القيام بها، وأن يقدم الصالح العام على صالح نفسه.
2 -
أن يكون على الكدّ والتعب قادرًا، وفي السخط والرضا صابرًا.
3 -
أن يخلص نيته في طاعة الخليفة ويكون سره كعلانيته.
4 -
أن يستوفي للملك ولا يستوفي عليه، ويتأول للملك ولا يتأول عليه، بمعنى: أن يكون معينًا للخليفة وللإمام في الأمور، لا أن يكون ضدّ أوامر الإمام أو يقف حجر عسرة في سبيل تنفيذ أوامر الإمام أو الخليفة.
5 -
أن يجعل الوزير لله تعالى على سره رقيبًا.
6 -
أن يقدم حق الله تعالى على حق غيره، إذ أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى)).
7 -
أن يكون الوزير خبيرًا بأحوال الرعية، وأن يشارف بنفسه الأعمال، وعليه ألا يكل إلى غيره ما يختصّ بمباشرة طلبًا للراحة وللدعة.
هذه هي الأمور التي تتفق فيها الوزارتان وزارة التفويض ووزارة التنفيذ، فكل هذه الأمور التي ذكرناها يجب أن يتصف بها وزير التفويض ويتصف بها أيضًا وزير التنفيذ.
ثانيا: أوجه الاختلاف بين الوزارتين:
تظهر هذه الاختلافات بين الوزارتين من جهة أصل التقليد، ومن جهة الشروط المطلوبة في كل وزير، ومن جهة حقوق النظر أو الاختصاص كما يلي:
فمن ناحية أصل التقليد تختلف الوزارتان، إذ يلزم لوزارة التفويض عقد وتولية وليس كذلك وزارة التنفيذ، بل يكتفى فيها بمجرد الإذن كما تقدم، ومن ناحية الشروط المعتبرة في الوزارتين نجد أن الحريّة معتبرة في وزارة التفويض دون وزارة التنفيذ وكذلك الإسلام، وأيضًا العلم بالأحكام الشرعية المفتقر لأن يكون الوزير مجتهدًا فهو معتبر في وزارة التفويض دون وزارة التنفيذ، وكذلك المعرفة بأمري الحرب والخراج معتبرة في وزارة التفويض فقط.
وأما من ناحية حقوق النظر أو الاختصاصات المنوطة بالوزراء فتختلف الوزارتان فيما يلي:
1 -
يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم والنظر في المظالم وليس ذلك لوزير التنفيذ.
2 -
يجوز لوزير التفويض أن يستقلّ بتقليد الولاة وليس ذلك لوزير التنفيذ.
3 -
يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحروب وليس ذلك لوزارة التنفيذ.
4 -
يجوز لوزير التفويض أن يتصرف في أموال بيت المال بقبض ما يستحق له وبدفع ما يجب فيه وليس ذلك لوزير التنفيذ.
5 -
وفي وزارة التفويض لا يجوز تعدد الوزراء على اجتماع كما لا يجوز تولية إمامين، أما في وزارة التنفيذ فالأصل هو تعدد الوزراء، إذ يجوز للخليفة أن يعيّن أكثر من وزير تنفيذ ليقوموا بتنفيذ الأوامر الصادرة إليهم، إذ ليس هناك تعارض بين صلاحيات وزراء التنفيذ؛ لأن أعمالهم ليست من باب الولاية، وإنما هي من باب النيابة بعكس وزراء التفويض.
6 -
في وزارة التفويض يجوز للوزير أن يعين نائبًا عنه يقوم بمساعدته في الشئون المرتبطة به إلا إذا نهاه الخليفة عن ذلك، أما في وزارة التنفيذ فليس للوزير أن يعين نائبًا له؛ لأن مهمته تقتصر على التنفيذ دون أن يكون له الحق في تولية أحد من الناس إلا إذا سمح له الخليفة بذلك.
وبعد استعراضنا لأحكام الوزارة في النظام الإسلامي فإننا نلاحظ أن منصب وزير التفويض يقترب إلى حدّ ما مما تعرفه الدول الحديثة الآن بمنصب رئيس الوزراء أو الوزير الأول؛ لأن مثل هذا الوزير في الوزارات المعاصرة لا يجوز أن يتعدد، وهو مطلق التصرفات ويقوم مقام رئيس الدولة فهو عامّ الولاية والنظر، وبذلك يمكن القول بأن منصب رئيس الوزراء أو الوزير الأول أو وزير التفويض سبق بتقريره فقهاء المسلمين قبل غيرهم من رجال الفقه الدستوري المعاصر، إذ لم يعرف هذا المنصب إلا بعد زمن الماوردي بقرون عديدة في القرن السابع عشر الميلادي مما يؤكد أصالة الفقه السياسي عند المسلمين.
وإذا جاز لنا أن نقارن وزير التفويض برئيس الوزراء في النظم المعاصرة فإنه يمكن اعتبار بقية الوزراء في الحكومات الحديثة وزراء تنفيذ، تقتصر مهمتهم على تنفيذ