الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلى الرغم من بساطة اللقب فإن عظمة معناه واضحة جلية؛ إذ يفيد أن صاحبه قد جمع بين ناحيتين خطيرتين هما السلطان الدنيوي، والتوجيه العقلي، ومع أن الشيعة مبالغةً منهم في تقديس أئمتهم قد نزهوهم عن الكذب، فقالوا بعصمتهم عنه، فإننا نراهم يتناقضون مع هذا المبدأ فيبيحون للإمام إذا خاف على نفسه أن يقول: لستُ بإمام، وهو إمام، هذا هو معنى التقية، وكان الواجب إذا ما كانت العصمة عن الكذب ثابتة له ألا يكون في بعض أحواله صادقًا وفي البعض الآخر كاذبًا، بل يلازمه الصدق في كل أحواله.
وبما مر من شبههم نجدهم يتعسفون أحيانًا في التدليل على ما ذهبوا إليه في العصمة.
هذه هي شبه الاثنا العشرية، والإسماعيلية، من الشيعة في العصمة للأئمة، وقد بينا هذه الشبه، وقمنا بالرد عليها.
صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب
وننتقل الآن إلى الشرط الثامن من شروط الرئيس وهو صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب، نقول:
لما كان من أهم أعمال الرئيس الأعلى للدولة هو البت في الأمور الهامة التي تمس مصالح الأمة اعتبر الفقهاء أن من ألزم الشروط أن يكون الإمام على مقدار كبير من صحة الرأي، والمعرفة بأمور السياسة والحرب، وعلى كفاءة عالية من إدارة أمور الدولة، ولذلك فإن العلماء يشترطون الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، كما عبر الماوردي، أو كما يقول بعضهم: ذو رأي وبِصارة بتدبير الحرب والسلم، وترتيب الجيوش، وحفظ الثغور ليقوم بأمر الملك، ويعلل البعض اشتراط الرأي بقوله: ليسوس به الرعية، ويدير مصالحهم الدينية والدنيوية، وعلى هذا فإن الإمام إذا لم يكن على جانب كبير من صحة الرأي في نواحي السياسة والإدارة والحرب لا يصلح في نظر جمهور الفقهاء لتولي هذا المنصب
الخطير، ولذلك يقول البعض: فلا تنعقد إمامة ضعيف الرأي لأن الحوادث التي تكون في دار الإسلام ترفع إليه، ولا يتبين له طريق المصلحة إلا إذا كان ذا رأي صحيح وتدبير سائغ، هذا هو ما يذهب إليه جمهور العلماء من وجوب أن يكون بصيرًا بتدبير أمر الحرب والسلم، خبيرًا بتنظيم الجيوش وحماية أطراف الدولة، عارفًا كيف تساس الرعية وتدبر المصالح.
إلا أن هناك من العلماء ما يشترطون هذا الشرط مجوزين الاكتفاء بأن يستشير الإمام أصحاب الآراء الصائبة في كل ما يحتاج إلى البت فيه من الأمور الهامة، معللين ذلك بأنه يندر بأن يتوافر هذا الشرط مع الشروط الأخرى المطلوبة في الإمامة من الاجتهاد وغيره.
ونرى أن اشتراط أن يكون الرئيس صاحب رأي، بمعنى أن يكون ملمًّا بأحوال الحرب كقادتها، ومتخصصًا في السياسة كأحد حاذقيها فيه من المبالغة بعض الشيء؛ لأن هذا وإن كان متيسر الحصول في بعض الأفراد في العصور الماضية قبل أن تعقد العلوم شتى نواحي الحياة، فإنه الآن غير متيسر بهذه البساطة، وأصبح الالتزام بأن يكون الرئيس ذا خبرة ورأي فيما يتصل بالنواحي السياسية والنواحي الإدارية وأمور الحرب لمما يعز اجتماعه في هذا العصر في شخص واحد؛ فإن المسائل السياسة والحربية لم تعد بهذه البساطة التي كانت عليها في عصور مضت، فكل ناحية من هذه النواحي تحتاج إلى تفرغ مجموعات كثيرة من الحائزين على الثقات العالية في الفروع المختلفة من العلم، وإلى تضافر جهود المتخصصين في دراسة مشكلة من مشاكل السياسة، أو الحرب، أو الإدارة، وإعداد البحوث والدراسات المتصلة بها.
وإذا كان اشتراط الرأي بالمعنى السابق فيه من المبالغة بعض الشيء، فإننا لا نقول -كما يقول البعض- بالاستغناء عن هذا الشرط مطلقًا، والاكتفاء باستشارة أصحاب الآراء الصائبة؛ إذ إن الرئيس في كل حال مطالب بالسير على مبدأ الشورى، فالاستشارة من واجباته المفروضة عليه، بل نقول: لا بد في الرئيس من وجود صفة الرأي بمعنى أن تكون عنده مقدرة اتخاذ الحكم الصائب عند وضوح المشاكل السياسية والحرب والإدارة أمامه، وذلك بعد استشارة المتفرغين لهذه المشاكل من رجال الحرب والإدارة والسياسة، وبعد الاطلاع على كافة البحوث التي تتعلق بمشكلة ما من المشاكل التي تعترض الأمة، فمن المشاهد الآن أن أمور الدول سائرة سيرها الطبيعي مع استعانة رؤسائها بالأجهزة المختلفة في شتى نواحي الإدارة والحرب، وللرئيس الأعلى بعد ذلك الرأي النهائي بعد وضوح ما يتصل بمسألة من المسائل أمامه، وسواء في ذلك الدول التي تقف الآن على قمة الحضارة الإنسانية، والدول التي لا زالت تحبو على طريق المدنية والتقدم، ولا خروج بهذا الرأي على قاعدة شرعية، أو على حكم مقرر من الشرع؛ إذ إن شروط الإمامة ليس فيها شروط نص عليها الشرع سوى شرط واحد وهو شرط القرشية، وما عدا هذا الشرط فقد اشترطه العلماء نظرًا إلى الحاجة إليه، وتختلف وجهات النظر في كون الحاجة ماسة أم لا، ولذلك جاء الاختلاف في اشتراط بعض الشروط بين بعض أهل السنة وبعضهم الآخر.
ثم إنه يجب أن ننبه إلى أن هذا ليس معناه عدم اشتراط هذا الشرط بالمعني الذي حدده الفقهاء، وهو أن يكون ذا رأي وبصيرة بتدبير الحرب والسلم، وترتيب