المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة - السياسة الشرعية - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها

- ‌ مفهوم السياسة الشرعية

- ‌شروط العمل بأحكام السياسة الشرعية

- ‌موضوعات علم السياسة الشرعية

- ‌مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام

- ‌اعتبار المصالح المرسلة دليلًا لاعتبار أحكام السياسة الشرعية

- ‌الدرس: 2 مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة

- ‌خبرة النبي عليه الصلاة والسلام بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة

- ‌القواعد التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة

- ‌أهم المعالم للنظم الانتقالية التي وضعها النبي في المدينة

- ‌النظم الأساسية التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌تابع: النظم التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة

- ‌الدرس: 3 النظام المالي للدولة الإسلامية

- ‌الزكاة من أهم الموارد المالية في عهد النبي

- ‌أهم الموارد المالية في عهد النبي: الغنائم، الفيء، الجزية

- ‌النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق

- ‌تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌تابع: تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب

- ‌النظام المالي في عهد عثمان بن عفان

- ‌النظام المالي في عهد علي بن أبي طالب

- ‌المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌تابع: المستحدثات المالية في عهد الأمويين

- ‌موقف عمر بن عبد العزيز من الأخطاء المالية في عهد الأمويين

- ‌الدرس: 4 العمومية المعنوية والمادية للزكاة

- ‌المقصود بالشخص الطبيعي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون

- ‌الخلطة في الأنعام كمثال للشخص المعنوي في الزكاة

- ‌موقف الفقهاء من تأثير الخلطة في الزكاة

- ‌حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌تابع: حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة

- ‌الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌تابع: الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته

- ‌الدرس: 5 بقية أنواع الزكوات والعوامل التي تساعد على تحقيق العمومية فيها

- ‌الزكاة في الذهب والفضة

- ‌الزكاة في الحلي المباح والمحرم، وآراء الفقهاء

- ‌ما تجب فيه الزكاة من الحرث

- ‌زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر

- ‌زكاة الأموال التي جدت في هذه العصور

- ‌تجنب الازدواج في أداء الزكاة، وتجنب الراجعية في الزكاة

- ‌محاربة التهرب من أداء الزكاة

- ‌الدرس: 6 الجزية والخراج والعشور

- ‌العمومية في الجزية

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

- ‌مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية

- ‌تاريخ الخراج، والعمومية فيه

- ‌العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج

- ‌مراعات ظروف الممول في الخراج

- ‌من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور

- ‌الدرس: 7 النظام السياسي الإسلامي

- ‌مصطلح السياسة منذ بداية الدولة الإسلامية

- ‌مرتكزات السياسة في الإسلام

- ‌مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم

- ‌السنة

- ‌حجيه السنة بجميع أنواعها

- ‌الإجماع

- ‌القياس

- ‌الاستحسان

- ‌المصالح المرسلة

- ‌العرف

- ‌الدرس: 8 قواعد النظام السياسي الإسلامي

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: أولا: الحاكمية لله

- ‌قواعد النظام السياسي الإسلامي: ثانيا: الشورى

- ‌تابع: أدلة الشورى

- ‌تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها

- ‌كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى

- ‌مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك

- ‌أهل الشورى، والشروط اللازم توافرها فيهم

- ‌الدرس: 9 قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌ العدالة

- ‌صور العدالة في القرآن

- ‌مسئولية الحكام

- ‌تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام

- ‌مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي

- ‌ الحريات الشخصية

- ‌الحرية الفكرية

- ‌تابع: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي: حرية التجمع

- ‌الحريات الاقتصادية

- ‌الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي

- ‌سلطة الأمة في الرقابة على الحكام

- ‌الدرس: 10 الإمامة

- ‌مسئولية الحاكم أمام الأمة الإسلامية "مشروعية المسئولية

- ‌ الحكم عند العرب قبل الإسلام

- ‌الإمامة مبحث فقهي

- ‌معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام

- ‌معنى الإمامة العظمى

- ‌حكم نصب الإمام

- ‌القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ

- ‌الدرس: 11 شروط الإمامة العظمى

- ‌شروط الإمامة العظمى

- ‌العدالة

- ‌صحة الرأي في السياسة، والإدارة، والحرب

- ‌الكفاية الجسمية، والكفاية النفسية

- ‌شرط القرشية، وتولية الأفضل

- ‌الدرس: 12 طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌تابع انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي

- ‌انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة

- ‌انعقاد الإمامة بطريق النص

- ‌واجبات الإمام

- ‌حقوق الإمام

- ‌ تابع حقوق الإمام

- ‌انتهاء ولاية الإمام

- ‌الدرس: 13 توجيهات الفكر الإداري الإسلامي

- ‌العمل فريضة إسلامية

- ‌خصائص العمل في الإسلام

- ‌طبيعة تكوين المنظمة

- ‌تابع طبيعة تكوين المنظمة

- ‌الرقابة ومتابعة الإنجاز

- ‌العلاقات الإنسانية في العمل الجماعي

- ‌وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة

- ‌التوظيف حسب الجدارة

- ‌وجود قيادة سوية

- ‌الدرس: 14 المنهج الإداري في الإسلام

- ‌مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري

- ‌ التخطيط لنشر الدعوة

- ‌التخطيط للهجرة

- ‌تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة

- ‌المنهج الإسلامي في التنظيم

- ‌المنهج الإسلامي في الرقابة

- ‌الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإدارة في عهد أبي بكر رضي الله عنه

- ‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

- ‌الدواوين التي أنشاها عمر بن الخطاب

- ‌التجنيد الإجباري، ونشأة بيت المال

- ‌ رقابة عمر بن الخطاب لعماله

- ‌الإدارة عند الأمويين

- ‌الدرس: 15 أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات

- ‌مقدمة عن الوزارة في الدولة الإسلامية

- ‌وزارة التفويض

- ‌وزارة التنفيذ

- ‌مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ

- ‌الإمارة على الأقاليم

- ‌ أنواع الإمارة على الأقاليم

- ‌الأسس التي قامت عليها علاقة المسلمين بغيرهم

- ‌حرية العقيدة

- ‌العدل

- ‌الوفاء بالعهد

- ‌الفضيلة

- ‌التسامح

- ‌الرحمة

- ‌أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم

- ‌أحكام الدارين

- ‌مقدمة عن المعاهدات في الإسلام

- ‌أنواع المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية

- ‌الدرس: 16 القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي

- ‌ مشروعية القضاء وأهميته

- ‌تاريخ القضاء في الإسلام

- ‌أركان القضاء

- ‌الدعوى وشروطها

- ‌ الدعوى:

- ‌تعارض الدعويين مع تعارض البينتين

- ‌وسائل الإثبات

- ‌ التثبت من وسائل الإثبات

- ‌الحكم

- ‌القضاء في المملكة العربية السعودية

الفصل: ‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

لقد أعطى أبو بكر الأمة الإسلامية حقها في مراقبة أعمال الخليفة، وتبدأ أعمال أبو بكر منذ إسلامه، حين وضع جنبًا إلى جنب الحجر الثاني في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وتأسيس دولة الإسلام، فهو أول المسلمين، وأول المهاجرين، وهو مسئول الأمن الخاص للرسول صلى الله عليه وسلم وأمين سره، ومستشاره الأول في قضايا الدين، والرعية، والمدة الطويلة التي لازم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم منذ نشر الدعوة، وحتى وفاته، قد أكسبته الخبرة الإدارية الفائقة التي أهلته بحق للنجاح في إدارة الدولة الناشئة، ورعاية مصالح المسلمين في أدق مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي.

لهذا فإن أبا بكر بعد توليته الحكم، صمم منذ اليوم الأول على أن ينهج نهج الرسول صلى الله عليه وسلم ويترسم خطاه، ويسلك السبيل الذي سلكه في سبيل نشر الإسلام، وتوحيد العرب، دون أن يخاف وهنًا، ولا حيرة، ولا جبنًا، فكانت سياسته في الحكم إقتداء تام بسياسة وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فاتبع سيرته في الإدارة، واحتفظ بالعمال الذين عاونوا الرسول صلى الله عليه وسلم والأمراء الذين أمرهم، واختار أبا عبيدة بن الجراح للشئون المالية، وعمر ابن الخطاب للقضاء، وأبقى على زيد بن ثابت كاتبًا له، كما أبقى على أهل الشورى الذين اختارهم الرسول صلى الله عليه وسلم مع تغيير في بعض الأشخاص، بسبب تعيينهم ولاة على بعض الأمصار، وأما قضاء الولايات فكان يعهد إلى الولاة في اختيارهم؛ لأنهم أدرى بها، ثم يعقد لهم ولاية القضاء.

نكتفي بهذا القدر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

4 -

الإدارة في عهد عمر بن الخطاب

‌موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد:

فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن المنهج الإسلامي في التنظيم، ثم عن المنهج الإسلامي في الرقابة، ثم بدأنا الحديث عن التنظيم الإداري في مجال التطبيق العملي، فتحدثنا عن الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم تحدثنا عن الإدارة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

ونتحدث الآن عن الإدارة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه- فنقول:

نما النظام الإداري في الدولة الإسلامية على هدي التعاليم التي قررها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصار قادرًا على مواجهة التطور الهائل والسريع الذي شهدته تلك

ص: 678

الدولة، على عهد الخليفة عمر بن الخطاب؛ ذلك أن الفتوحات الإسلامية التي تمت على عهد هذا الخليفة جعلت العرب سادة الهلال الخصيب، ، وفارس، ومصر، وهي مواطن جغرافية هامة، كانت أقدم مراكز للنظم الإدارية في العالم بأسره، فورث العرب تلك النظم القديمة التي ترجع تقاليدها إلى عصور اليونان، والرومان، والفرس، والفراعنة، والآشوريين، والبابليين، واعتبروها تراث الإنسانية كلها، قد آل إليهم، وأنهم صاروا القوامة، والمسئولين عن سلامة هذا التراث، ثم الإفادة منه.

وضرب الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه المثل العملي للإفادة من تلك النظم القديمة، في سبيل بناء النظام الإداري للدولة الإسلامية الناشئة، ذلك أن إدارة الممتلكات الجديدة على عهده كانت تمثل مشكلة خطيرة أمام السلطات الإسلامية؛ إذ تضم تلك الممتلكات بلادًا ذات شعوب متعددة اللسان، وتخضع لأنماط إدارية متباينة، فمصر، والشام، جرت إدارتها على النماذج البيزنطية، على حين سادت العراق، وفارس، التقاليد الفهلوية لغةً، ونظامًا، فأبقى الخليفة عمر بن الخطاب على التنظيمات الإدارية، وكذلك المؤسسات الإدارية نفسها في البلاد المفتوحة على نحو ما كانت عليه؛ حتى لا يضطرب سير الأعمال، وللإفادة من خبرة العمال بها أيضًا، وفي نفس الوقت طعم هذه الإدارات بالروح العربية الجديدة التي صقلها الإسلام، وزودها بتعاليم سامية تستهدف خير الإنسانية، ورفاهيتها، واستمدت الروح العربية مقوماتها من مفهوم السلطان في الإسلام، وهو يقوم على أن السيادة العليا لله سبحانه وتعالى وهو مالك كل شيء، وهو الحامي والمهيمن على المصالح العامة، فالمال في الدولة هو مال الله، والجند جند الله، أي أن كلمة الله

ص: 679

ترادف في مصطلح العصر الحاضر الصالح العام، بمعنى أن مال الله هو الأموال العامة اليوم، وجيش الله هو الجيش الذي ينهض بأعباء الصالح العام، غير أن الله سبحانه وتعالى لا يمارس الحكم، والإدارة بنفسه، أو بصورة مباشرة بين الناس، على نحو ما ساد نظم الحكم القديمة لدى الفراعنة مثلًا، وإنما السيادة العليا التي ترجع إلى الله سبحانه وتعالى مودعة للخليفة الذي يعتبر رأس النظام السياسي، والمهيمن على أزمَّة النظام الإداري، فالخليفة هو رجل الدنيا الذي يتولى الإشراف على المصالح العامة، التي هي لله سبحانه وتعالى والخليفة وحده بالتالي هو صاحب الحق في اختيار من يشاء لتصريف شئون الإدارة والحكم، وهو المسئول عن أعمال من يختارهم؛ لأنهم خاضعون له، ويعملون باسمه، ويباشرون سلطانهم بتفويض منهم.

واقتضى هذا المفهوم الإسلامي عن السلطان أن يكون النظام الإداري مركزيًّا؛ لأن الخليفة هو المسئول عن تنفيذ القانون، وأن الرابطة بينه، وبين عماله، يجب أن تكون علاقة مباشرة، ومن ثم فإن أي تمرد على أولئك الولاة يعتبر تمردًا ضد الخليفة نفسه، وأن المسئولية أولًا وأخيرًا هي مسئولية الخليفة، وآمن الخليفة عمر بن الخطاب بهذا المفهوم إيمانًا عميقًا عبر عنه في قوله: والله لو عثر بعير بالعراق لكنت مسئولًا عنه، ثم أكد هذا المفهوم مرارًا، وفي مناسبات عديدة، كان آخرها قوله: لئن عشت لأسيرن في الرعية حولًا، فإني أعلم أن للناس حوائج تُقطع دوني، يعني لا يصلني خبرها، أما عمالهم -أي عمال الرعية- فلا يرفعونها، وأما هم -أي الرعية أنفسهم- فلا يصلون إليَّ، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى

ص: 680

الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين، والله لنعم الحول هذا.

وواجه الخليفة عمر بن الخطاب بهذه الروح الإسلامية الواسعة الأفق، وبمفهومها عن السلطات، واجه مشكلة التنظيم الإداري للدولة الإسلامية النامية، واتخذ خطوات عملية في تلك السبيل شهدت له بالقدرة الفائقة على التنسيق بين جميع النظم التي تكفل للدولة الاستقرار، وتجنبها المتاعب، والهزات الهدامة؛ إذ أجاد الجمعَ بين النظم الإدارية التي سبق أن تقررت قواعدها على عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبين متطلبات الوضع الجديد للدولة الإسلامية، بعد الفتوحات الشاسعة التي تمت على عهده، وشيَّد نظامًا إداريًّا مركزيًّا كَفَلَ الطمأنينة، والرفاهية، لجميع القاطنين في ظله، وقدم لهم -أيضًا- المثل العملي عن مفهوم السلطان في الإسلام.

وظهرت طلائع التجاوب بين مفهوم السلطان في الإسلام وما اقترن به من نظم، وبين النظم القديمة في البلاد المفتوحة، في احتفاظ الخليفة عمر بن الخطاب بمنصب الأمير الذي سبق أن تقرر على عهد الرسول الكريم؛ إذ عين الخليفة على كل بلد من البلاد المفتوحة أميرًا، إلى جانب الإبقاء على النظم الإدارية لتلك البلاد، وعلى الموظفين من أبنائها.

وانقسمت الدولة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب إلى ثماني ولايات؛ ليسهل تنظيم إدارتها، وهي مكة، والمدينة، والشام، والجزيرة، والبصرة، والكوفة، ومصر، وفلسطين، وكان لكل ولاية أميرٌ يحمل أحيانًا لقب والٍ، ويقيم في حاضرة الولاية، أي في عاصمة الولاية، حيث يتخذ له مقرًّا خاصًّا، اشتهر باسم دار الإمارة، ويعتبر الأمير ممثلَ الخليفة، والرئيس السياسي، والمسئول الإداري عن جميع الأعمال أمام الخليفة مباشرة،

ص: 681

وكان الوالي يؤم المسلمين في المسجد الجامع بكل ولاية في صلاة الجمعة، والأعياد، بوصفه نائبًا عن الخليفة، ونال بذلك لقب أمير الصلاة، وهو تكريم يدل على هيبة الأمير؛ لأن إمامة الصلاة أمر كان يختص به الخلفاء، حيث تلقب الفرد منهم بلقب إمام، وتولى الأمير أيضًا رئاسة جيش الولاية، ونال في عهد التعيين لقب ولاية الحرب، وصار من واجباته الإشراف على شئون الحامية الموجودة في البلاد، وقيادتها بنفسه؛ لتأمين ولايته، وصد الأعداء عنه، وكان الأمير يجمع -أحيانًا وليس دائمًا- إلى جانب أعماله مهمةَ الإشراف على الإدارة المالية للولاية، التي أطلق عليها إذ ذاك اسم الخراج، ويعتبر مثل هذا الأمير مصدر السلطات في الولاية.

ووصف فقهاء النظم الإسلامية هذا اللون من التنظيم الإداري الأول على عهد عمر بن الخطاب بأنه إمارة عامة، ذلك أن الأمير كان يقود الجيش، ويؤم الصلاة، ويقضي في الخصومات، ويُجبِي الأموال، ولكن باستقرار الأوضاع عقب الفتوح، واتساع المطالب الإدارية، اضطر عمر بن الخطاب أن يعين إلى جانب الأمير عاملًا لجباية الخراج، وكان عامل الخراج يتمتع -بدوره- بسلطات واسعة، وبخاصة في الولايات ذات الدخل الواسع، وبذلك أصبح منافسًا للأمير نفسه، وأقدم عمر بن الخطاب على هذه الخطوة في مصر، حيث جعل عمرو بن العاص على الجيش، وعين عبدَ الله بن سعد بن أبي السرح على جباية الخراج، وتخصصت بذلك إمرةُ عمرو بن العاص بعد أن كانت عامة، وصارت الإمارة الخاصة تعني في قول الفقهاء أن يكون الأمير فيها مختصًّا بتدبير الجيش، وسياسة الرعية، وحماية البيضة، والدفاع عن الحريم، ضمن حدود معينة، وليس له أن

ص: 682

يتعرض للقضاء، أو الأحكام، أو لجباية الخراج، أو الصدقة في شيء، حتى الإمامة في الصلاة، فربما كان القاضي أولى بها منه.

وساعد الأمير في تصريف الشئون الإدارية في البلاد المفتوحة رجالات الإدارة القديمة الذين احتفظ بهم الخليفة عمر بن الخطاب، سواء ممن كانوا يعملون في الإدارة البيزنطية، أو الساسانية؛ إذ أدرك هذا الخليفة بما أوتي من عقلية إدارية فذة أن توجيه دولته لما فيه الصالح العام يقتضي أن لا تشلَّ الإدارات القديمة، أو يبطل عملها في تلك الأقاليم التي استظلت بظل الإسلام، فاستقرار أحوال الدولة الإسلامية الفتيَّة يقتضي الاستفادة من تجارب الإدارة، والحكم، سواء عن البيزنطيين، أو الساسانيين، ونال عمر بن الخطاب بذلك لقب المؤسس الثاني للدولة الإسلامية، بعد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

وأظهر عمر بن الخطاب تقديره للنظم الإدارية التي وجدها في البلاد المفتوحة، منذ زيارته لإقليم الشام؛ إذ وضع لهذا الإقليم تقسيمًا إداريًّا، جاء نموذجًا للجمع بين النظم الإسلامية، والبيزنطية، واستمرار الإدارة لحماية البلاد، وأمنها، فاحتفظ بالتقسيم الإداري الذي كان سائدًا هناك من قبل، وهو نظام كان ذا طابع خاص، يجمع فيه حاكم الإقليم إلى جانب مهامه المدنية سلطاتٍ حربية، فأبقى على هذا الوضع، وأطلق على تلك الأقسام الاسم العربي الأجناد جمع جند، وهي مرادفة للكلمة اليونانية بنود عند البيزنطيين، فصارت الأجناد تعني الأقاليم الحربية، التي يقيم في حاضرة كل منها فيلقٌ من فيالق الجيش، على نفس الأسس الإدارية التي سادت النظام البيزنطي.

وتعتبر ولاية مصر على عهد الخليفة عمر بن الخطاب نموذجًا كاملًا للنظام الإداري المركزي، من حيث قواعده، ومؤسساته، والطابع الإسلامي الجديد،

ص: 683

فانتقلت إلى عمرو بن العاص، وهو أول والٍ على مصر، على عهد الخليفة عمر بن الخطاب، انتقلت إليه مهام الحاكم البيزنطي العام، الذي كان يعرف باسم (سامبولوس) في البلاد، وامتد نفوذ عمر بن العاص إلى جوانب إدارية عديدة، وأخرى اقتضاها الوضع الإسلامي للبلاد، فأمَّ الناس في الصلاة نيابة عن الخليفة، وهو أمر كان ينص إذ ذاك على أنه الرئيس الأعلى للبلاد، وجمع عمرو أيضًا إلى جانب السلطان السياسي حق الإشراف على الإدارة المالية للبلاد، وهو أمر بالغ الأهمية، حيث يصبح الوالي الذي يجمع بين إمامة الناس في الصلاة، وجمع الخراج، صاحبَ سلطان مطلق، أي أن ولايته ولاية عامة، على نحو المصطلح الذي أطلقه الفقهاء من الباحثين في الشئون الإدارية للدولة الإسلامية.

وقد اعتز عمرو بن العاص بهذا السلطان الإداري، حتى قال: ولاية مصر جامعةً تعدل الخلافة، يعني تساوي الخلافة، ولكن ظل عمرو بن العاص -برغم هذا السلطان الواسع- نموذجًا للأمير المسلم الخاضع للإدارة المركزية وسلطانها، الأمين على تنفيذ تعاليمها المباشرة، فقد طلب الخليفة إلى عمرو بن العاص أن يسترشد بكبار رجال مصر في إدارته، ومعرفة أمثل السبل للقضاء على رواسب الإدارة البيزنطية القديمة فيها؛ ذلك أن مصر كانت تعاني الكثير من المتاعب على يد الإدارة البيزنطية الاستعمارية، والتي كان هدفها ابتزاز ثروة البلاد، فكانت مصر تعاني في القرن السابق للفتح الإسلامي مباشرة، كانت تعاني حالة من الفوضى، سببها: أن البيزنطيين -أي الروم- اعتبروا الفلاحين من أهلها مجرد أدوات لإنتاج القمح، وأن رجال الإدارة

ص: 684