الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لقد أعطى أبو بكر الأمة الإسلامية حقها في مراقبة أعمال الخليفة، وتبدأ أعمال أبو بكر منذ إسلامه، حين وضع جنبًا إلى جنب الحجر الثاني في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وتأسيس دولة الإسلام، فهو أول المسلمين، وأول المهاجرين، وهو مسئول الأمن الخاص للرسول صلى الله عليه وسلم وأمين سره، ومستشاره الأول في قضايا الدين، والرعية، والمدة الطويلة التي لازم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم منذ نشر الدعوة، وحتى وفاته، قد أكسبته الخبرة الإدارية الفائقة التي أهلته بحق للنجاح في إدارة الدولة الناشئة، ورعاية مصالح المسلمين في أدق مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي.
لهذا فإن أبا بكر بعد توليته الحكم، صمم منذ اليوم الأول على أن ينهج نهج الرسول صلى الله عليه وسلم ويترسم خطاه، ويسلك السبيل الذي سلكه في سبيل نشر الإسلام، وتوحيد العرب، دون أن يخاف وهنًا، ولا حيرة، ولا جبنًا، فكانت سياسته في الحكم إقتداء تام بسياسة وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فاتبع سيرته في الإدارة، واحتفظ بالعمال الذين عاونوا الرسول صلى الله عليه وسلم والأمراء الذين أمرهم، واختار أبا عبيدة بن الجراح للشئون المالية، وعمر ابن الخطاب للقضاء، وأبقى على زيد بن ثابت كاتبًا له، كما أبقى على أهل الشورى الذين اختارهم الرسول صلى الله عليه وسلم مع تغيير في بعض الأشخاص، بسبب تعيينهم ولاة على بعض الأمصار، وأما قضاء الولايات فكان يعهد إلى الولاة في اختيارهم؛ لأنهم أدرى بها، ثم يعقد لهم ولاية القضاء.
نكتفي بهذا القدر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
4 -
الإدارة في عهد عمر بن الخطاب
موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
…
أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن المنهج الإسلامي في التنظيم، ثم عن المنهج الإسلامي في الرقابة، ثم بدأنا الحديث عن التنظيم الإداري في مجال التطبيق العملي، فتحدثنا عن الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم تحدثنا عن الإدارة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
ونتحدث الآن عن الإدارة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه- فنقول:
نما النظام الإداري في الدولة الإسلامية على هدي التعاليم التي قررها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصار قادرًا على مواجهة التطور الهائل والسريع الذي شهدته تلك
الدولة، على عهد الخليفة عمر بن الخطاب؛ ذلك أن الفتوحات الإسلامية التي تمت على عهد هذا الخليفة جعلت العرب سادة الهلال الخصيب، ، وفارس، ومصر، وهي مواطن جغرافية هامة، كانت أقدم مراكز للنظم الإدارية في العالم بأسره، فورث العرب تلك النظم القديمة التي ترجع تقاليدها إلى عصور اليونان، والرومان، والفرس، والفراعنة، والآشوريين، والبابليين، واعتبروها تراث الإنسانية كلها، قد آل إليهم، وأنهم صاروا القوامة، والمسئولين عن سلامة هذا التراث، ثم الإفادة منه.
وضرب الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه المثل العملي للإفادة من تلك النظم القديمة، في سبيل بناء النظام الإداري للدولة الإسلامية الناشئة، ذلك أن إدارة الممتلكات الجديدة على عهده كانت تمثل مشكلة خطيرة أمام السلطات الإسلامية؛ إذ تضم تلك الممتلكات بلادًا ذات شعوب متعددة اللسان، وتخضع لأنماط إدارية متباينة، فمصر، والشام، جرت إدارتها على النماذج البيزنطية، على حين سادت العراق، وفارس، التقاليد الفهلوية لغةً، ونظامًا، فأبقى الخليفة عمر بن الخطاب على التنظيمات الإدارية، وكذلك المؤسسات الإدارية نفسها في البلاد المفتوحة على نحو ما كانت عليه؛ حتى لا يضطرب سير الأعمال، وللإفادة من خبرة العمال بها أيضًا، وفي نفس الوقت طعم هذه الإدارات بالروح العربية الجديدة التي صقلها الإسلام، وزودها بتعاليم سامية تستهدف خير الإنسانية، ورفاهيتها، واستمدت الروح العربية مقوماتها من مفهوم السلطان في الإسلام، وهو يقوم على أن السيادة العليا لله سبحانه وتعالى وهو مالك كل شيء، وهو الحامي والمهيمن على المصالح العامة، فالمال في الدولة هو مال الله، والجند جند الله، أي أن كلمة الله
ترادف في مصطلح العصر الحاضر الصالح العام، بمعنى أن مال الله هو الأموال العامة اليوم، وجيش الله هو الجيش الذي ينهض بأعباء الصالح العام، غير أن الله سبحانه وتعالى لا يمارس الحكم، والإدارة بنفسه، أو بصورة مباشرة بين الناس، على نحو ما ساد نظم الحكم القديمة لدى الفراعنة مثلًا، وإنما السيادة العليا التي ترجع إلى الله سبحانه وتعالى مودعة للخليفة الذي يعتبر رأس النظام السياسي، والمهيمن على أزمَّة النظام الإداري، فالخليفة هو رجل الدنيا الذي يتولى الإشراف على المصالح العامة، التي هي لله سبحانه وتعالى والخليفة وحده بالتالي هو صاحب الحق في اختيار من يشاء لتصريف شئون الإدارة والحكم، وهو المسئول عن أعمال من يختارهم؛ لأنهم خاضعون له، ويعملون باسمه، ويباشرون سلطانهم بتفويض منهم.
واقتضى هذا المفهوم الإسلامي عن السلطان أن يكون النظام الإداري مركزيًّا؛ لأن الخليفة هو المسئول عن تنفيذ القانون، وأن الرابطة بينه، وبين عماله، يجب أن تكون علاقة مباشرة، ومن ثم فإن أي تمرد على أولئك الولاة يعتبر تمردًا ضد الخليفة نفسه، وأن المسئولية أولًا وأخيرًا هي مسئولية الخليفة، وآمن الخليفة عمر بن الخطاب بهذا المفهوم إيمانًا عميقًا عبر عنه في قوله: والله لو عثر بعير بالعراق لكنت مسئولًا عنه، ثم أكد هذا المفهوم مرارًا، وفي مناسبات عديدة، كان آخرها قوله: لئن عشت لأسيرن في الرعية حولًا، فإني أعلم أن للناس حوائج تُقطع دوني، يعني لا يصلني خبرها، أما عمالهم -أي عمال الرعية- فلا يرفعونها، وأما هم -أي الرعية أنفسهم- فلا يصلون إليَّ، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى
الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين، والله لنعم الحول هذا.
وواجه الخليفة عمر بن الخطاب بهذه الروح الإسلامية الواسعة الأفق، وبمفهومها عن السلطات، واجه مشكلة التنظيم الإداري للدولة الإسلامية النامية، واتخذ خطوات عملية في تلك السبيل شهدت له بالقدرة الفائقة على التنسيق بين جميع النظم التي تكفل للدولة الاستقرار، وتجنبها المتاعب، والهزات الهدامة؛ إذ أجاد الجمعَ بين النظم الإدارية التي سبق أن تقررت قواعدها على عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبين متطلبات الوضع الجديد للدولة الإسلامية، بعد الفتوحات الشاسعة التي تمت على عهده، وشيَّد نظامًا إداريًّا مركزيًّا كَفَلَ الطمأنينة، والرفاهية، لجميع القاطنين في ظله، وقدم لهم -أيضًا- المثل العملي عن مفهوم السلطان في الإسلام.
وظهرت طلائع التجاوب بين مفهوم السلطان في الإسلام وما اقترن به من نظم، وبين النظم القديمة في البلاد المفتوحة، في احتفاظ الخليفة عمر بن الخطاب بمنصب الأمير الذي سبق أن تقرر على عهد الرسول الكريم؛ إذ عين الخليفة على كل بلد من البلاد المفتوحة أميرًا، إلى جانب الإبقاء على النظم الإدارية لتلك البلاد، وعلى الموظفين من أبنائها.
وانقسمت الدولة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب إلى ثماني ولايات؛ ليسهل تنظيم إدارتها، وهي مكة، والمدينة، والشام، والجزيرة، والبصرة، والكوفة، ومصر، وفلسطين، وكان لكل ولاية أميرٌ يحمل أحيانًا لقب والٍ، ويقيم في حاضرة الولاية، أي في عاصمة الولاية، حيث يتخذ له مقرًّا خاصًّا، اشتهر باسم دار الإمارة، ويعتبر الأمير ممثلَ الخليفة، والرئيس السياسي، والمسئول الإداري عن جميع الأعمال أمام الخليفة مباشرة،
وكان الوالي يؤم المسلمين في المسجد الجامع بكل ولاية في صلاة الجمعة، والأعياد، بوصفه نائبًا عن الخليفة، ونال بذلك لقب أمير الصلاة، وهو تكريم يدل على هيبة الأمير؛ لأن إمامة الصلاة أمر كان يختص به الخلفاء، حيث تلقب الفرد منهم بلقب إمام، وتولى الأمير أيضًا رئاسة جيش الولاية، ونال في عهد التعيين لقب ولاية الحرب، وصار من واجباته الإشراف على شئون الحامية الموجودة في البلاد، وقيادتها بنفسه؛ لتأمين ولايته، وصد الأعداء عنه، وكان الأمير يجمع -أحيانًا وليس دائمًا- إلى جانب أعماله مهمةَ الإشراف على الإدارة المالية للولاية، التي أطلق عليها إذ ذاك اسم الخراج، ويعتبر مثل هذا الأمير مصدر السلطات في الولاية.
ووصف فقهاء النظم الإسلامية هذا اللون من التنظيم الإداري الأول على عهد عمر بن الخطاب بأنه إمارة عامة، ذلك أن الأمير كان يقود الجيش، ويؤم الصلاة، ويقضي في الخصومات، ويُجبِي الأموال، ولكن باستقرار الأوضاع عقب الفتوح، واتساع المطالب الإدارية، اضطر عمر بن الخطاب أن يعين إلى جانب الأمير عاملًا لجباية الخراج، وكان عامل الخراج يتمتع -بدوره- بسلطات واسعة، وبخاصة في الولايات ذات الدخل الواسع، وبذلك أصبح منافسًا للأمير نفسه، وأقدم عمر بن الخطاب على هذه الخطوة في مصر، حيث جعل عمرو بن العاص على الجيش، وعين عبدَ الله بن سعد بن أبي السرح على جباية الخراج، وتخصصت بذلك إمرةُ عمرو بن العاص بعد أن كانت عامة، وصارت الإمارة الخاصة تعني في قول الفقهاء أن يكون الأمير فيها مختصًّا بتدبير الجيش، وسياسة الرعية، وحماية البيضة، والدفاع عن الحريم، ضمن حدود معينة، وليس له أن
يتعرض للقضاء، أو الأحكام، أو لجباية الخراج، أو الصدقة في شيء، حتى الإمامة في الصلاة، فربما كان القاضي أولى بها منه.
وساعد الأمير في تصريف الشئون الإدارية في البلاد المفتوحة رجالات الإدارة القديمة الذين احتفظ بهم الخليفة عمر بن الخطاب، سواء ممن كانوا يعملون في الإدارة البيزنطية، أو الساسانية؛ إذ أدرك هذا الخليفة بما أوتي من عقلية إدارية فذة أن توجيه دولته لما فيه الصالح العام يقتضي أن لا تشلَّ الإدارات القديمة، أو يبطل عملها في تلك الأقاليم التي استظلت بظل الإسلام، فاستقرار أحوال الدولة الإسلامية الفتيَّة يقتضي الاستفادة من تجارب الإدارة، والحكم، سواء عن البيزنطيين، أو الساسانيين، ونال عمر بن الخطاب بذلك لقب المؤسس الثاني للدولة الإسلامية، بعد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وأظهر عمر بن الخطاب تقديره للنظم الإدارية التي وجدها في البلاد المفتوحة، منذ زيارته لإقليم الشام؛ إذ وضع لهذا الإقليم تقسيمًا إداريًّا، جاء نموذجًا للجمع بين النظم الإسلامية، والبيزنطية، واستمرار الإدارة لحماية البلاد، وأمنها، فاحتفظ بالتقسيم الإداري الذي كان سائدًا هناك من قبل، وهو نظام كان ذا طابع خاص، يجمع فيه حاكم الإقليم إلى جانب مهامه المدنية سلطاتٍ حربية، فأبقى على هذا الوضع، وأطلق على تلك الأقسام الاسم العربي الأجناد جمع جند، وهي مرادفة للكلمة اليونانية بنود عند البيزنطيين، فصارت الأجناد تعني الأقاليم الحربية، التي يقيم في حاضرة كل منها فيلقٌ من فيالق الجيش، على نفس الأسس الإدارية التي سادت النظام البيزنطي.
وتعتبر ولاية مصر على عهد الخليفة عمر بن الخطاب نموذجًا كاملًا للنظام الإداري المركزي، من حيث قواعده، ومؤسساته، والطابع الإسلامي الجديد،
فانتقلت إلى عمرو بن العاص، وهو أول والٍ على مصر، على عهد الخليفة عمر بن الخطاب، انتقلت إليه مهام الحاكم البيزنطي العام، الذي كان يعرف باسم (سامبولوس) في البلاد، وامتد نفوذ عمر بن العاص إلى جوانب إدارية عديدة، وأخرى اقتضاها الوضع الإسلامي للبلاد، فأمَّ الناس في الصلاة نيابة عن الخليفة، وهو أمر كان ينص إذ ذاك على أنه الرئيس الأعلى للبلاد، وجمع عمرو أيضًا إلى جانب السلطان السياسي حق الإشراف على الإدارة المالية للبلاد، وهو أمر بالغ الأهمية، حيث يصبح الوالي الذي يجمع بين إمامة الناس في الصلاة، وجمع الخراج، صاحبَ سلطان مطلق، أي أن ولايته ولاية عامة، على نحو المصطلح الذي أطلقه الفقهاء من الباحثين في الشئون الإدارية للدولة الإسلامية.
وقد اعتز عمرو بن العاص بهذا السلطان الإداري، حتى قال: ولاية مصر جامعةً تعدل الخلافة، يعني تساوي الخلافة، ولكن ظل عمرو بن العاص -برغم هذا السلطان الواسع- نموذجًا للأمير المسلم الخاضع للإدارة المركزية وسلطانها، الأمين على تنفيذ تعاليمها المباشرة، فقد طلب الخليفة إلى عمرو بن العاص أن يسترشد بكبار رجال مصر في إدارته، ومعرفة أمثل السبل للقضاء على رواسب الإدارة البيزنطية القديمة فيها؛ ذلك أن مصر كانت تعاني الكثير من المتاعب على يد الإدارة البيزنطية الاستعمارية، والتي كان هدفها ابتزاز ثروة البلاد، فكانت مصر تعاني في القرن السابق للفتح الإسلامي مباشرة، كانت تعاني حالة من الفوضى، سببها: أن البيزنطيين -أي الروم- اعتبروا الفلاحين من أهلها مجرد أدوات لإنتاج القمح، وأن رجال الإدارة