الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهمية القضاء:
إن أهمية الأشياء تقاس بغاياتها، والغاية في القضاء هي إقامة العدل وكبح الظلم، فحيثما وجد العدل زال الظلم، والظلم ظلمات في الدنيا والآخرة، وهو قهرٌ للنفوس، وهضمٌ للحقوق، وهتكٌ للأعراض، وهو قبيحٌ في الجليل والحقير، وقد وصف الله به أشنع الكبائر وهو الإشراك به، قال تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} (لقمان: من الآية: 13) ولعظم شأن العدل في دحض الظلم، وأنهما ضدان لا يجتمعان وردا في آية واحدة بأمرٍ ونهي، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإِحْسَانِ وإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ويَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل: 90) وقد أدركت البشرية في مختلف العصور أهمية العدل فجعلوه هدفًا لأحكامه، وقد يختلفون في الوسائل والنتائج، ولكنهم متحدون فيما يهدفون إليه.
ولما كان العدل قوة فاعلة تستأصل الظلم وتمحو آثاره جاء التعبير الكريم بأبلغ تصوير في زوال الظلم عندما يصطدم بالعدل، قال تعالى:{بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ولَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (الأنبياء: 18) ومن هنا تبرز أهمية القضاء الذي هو وسيلة لإقامة العدل بين الناس، ولأهمية تلك الغاية وخطورتها جاء التحذير والوعيد في استعمال هذه الوسيلة؛ لكي لا يستعملها من لا يُحسن استعمالها فتنحرف به عن الصراط، وتزل به الأقدام؛ فيهوى في معاقل الظلم والبهتان.
تاريخ القضاء في الإسلام
أولًًا: نتحدث الآن عن المراحل التي مر بها القضاء في العصور الإسلامية الأولى،
فنذكر الآن القضاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنقول:
لما جاء الإسلام على يد محمد صلى الله عليه وسلم رفع لواء العدالة، وقرر المساواة الكاملة بين الناس جميعًا لا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين أمير وحقير، ولا بين مسلم وغيره، فالكل أمام عدالة الإسلام سواء، ولقد قرر الإسلام مبدأ المساواة بين الناس في أكمل صورة وأمثل أوضاع، واتخذ العدل دعامة لجميع ما سنه من نظم أو تشريعات تحكم علاقات الأفراد والمجتمع بعضهم مع بعض، وقد طبق الإسلام ذلك في جميع النواحي التي تقتضي العدالة الاجتماعية، وتقضي كرامة الإنسان الفرد أن يطبق فيها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحفاظ على تعليم الإنسان الخاص، بالعدالة، وإقامة العدالة بين الناس، والفصل في كل ما يجد لهم من مشاكل ومنازعات؛ ولذلك كان على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمل كل ما في وسعه ولا يدخر طاقة في ذلك، فأخذ يبين للناس دستور القضاء والتقاضي، ويوضح ما يسلكه القاضي في قضائه، وما يجب عليه أن يلتزمه في نظر الدعوى، وفي الحكم الذي يصدره في شأنها ويقره الإسلام متخذًا في ذلك منهجه العملي الذي نظمته هداية السماء داعيًا البشر إلى الاقتداء به في كل مرحلة من مراحل الحياة، فقد كان قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم تشريعًا واجب الاتباع سواء كان ذلك القضاء تطبيقًا لنص تشريعي نزل به الوحي، أو كان اجتهادًا منه؛ لأنه في جميع الحالات لا يقر على خطأٍ، فكان اجتهاده بمنزلة الوحي الثابت لا جدال في ذلك، ولا مراء كما استقر عليه رأي جمهور العلماء والفقهاء أخذًا من قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَاّ وحْيٌ يُوحَى} (النجم: من الآية: 3، 4).
أما فيما ورد فيه نص من كتاب أو سُنة، فإن قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم به يؤكد بقاء العمل به مع ما قد يقترن بهذا من بيان لمجمل النص التشريعي وتفصيل لخفائه، ومن هنا
وجب التزام قضائه عليه الصلاة والسلام فيما كان تطبيقًا لنص، ولا يجوز العدول عنه عند ثبوته لأي قاضٍ يريد تطبيق هذا النص على قضية مشابهة معروضة أمامه.
أما قضاؤه صلى الله عليه وسلم باجتهاده فيما لم يرد فيه نص فكثير، ومن ذلك قضاؤه في فاطمة بنت قيس التي خاصمت زوجها إليه، وحكم بتطليقها البتة، ولم يجعل لها الرسول السكنى والنفقة؛ فقد جاء في صحيح مسلم عنها:((طلقني زوجني ثلاثًا فلم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة)) وفي رواية لأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا بنت آل قيس إنما السكنى والنفقة على من كانت له رجعة)).
ومن ذلك أيضًا قضاؤه عليه الصلاة والسلام بتخيير الولد المميز بين أبيه وأمه إذا انفصلا، فقد جاءته امرأة فقالت:((إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال عليه الصلاة والسلام: استهما عليه، فقال زوجها: ومن يحاقني في ولدي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم للولد: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت -أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم خير الولد بين أبيه وأمه- فأخذ بيد أمه؛ فانطلقت به)).
وبالنسبة للسلطة القضائية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم نقول: لما استقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد الهجرة جمع بين السلطات جميعًا التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، ولم يكن للمسلمين قاضٍ سواه، أما التشريعية فباعتباره مبلغ الوحي، وحامل راية التشريع، وعليه عبء إعلامه للكافة، وأما القضائية فلأن منهج العدالة يحتاج إلى تدريبٍ، وتنظيمٍ، وقيادة عملية حكيمة يهتدي بها البشر في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وهذه القيادة إنما تقوم برعايتها والعناية بها هداية السماء، فكان لابد أن تكون السلطة القضائية في يده عليه الصلاة والسلام وقد جمع إلى هذه السلطة القضائية أن يتولى بنفسه القضاء والحكم في كل المشاكل والقضايا التي كانت تقع للناس في ذلك الوقت، وذلك عندما كانت الدولة الإسلامية في بادئ
عهدها، ولم تتطاول أطرافها بعد، حيث لم يكن في حاجة إلى معاونة في تطبيق التشريعات القضائية بين الناس؛ لقلة عدد القضايا التي كانت ترفع إليه صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، فلما انتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية وملأ الآفاق كان النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى أن يعهد بالقضاء إلى بعض ولاته الذين أنابهم في حكم البلاد المترامية عنه بعد أن وضح لهم معالم تشريعات السلطة القضائية، وأمرهم بالالتزام بها، وتحقيق العدالة بين الناس جميعًا لا فرق بين أمير وحقير، ولا بين مسلم وذمي، فالكل أمام عدالة الإسلام سواء طبقًا للمنهج الذي رسمه لهم في مجال القضاء، فكان القضاء إحدى وظائف الوالي الذي يتعين عليه أن يقضي بين الناس طبقًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ونتكلم الآن عن القواعد، والمبادئ، والنظم التي تضمنتها تشريعات سلطته القضائية صلى الله عليه وسلم فالنبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالدعوة مثلًا أوضح عليه الصلاة والسلام أن كل دعوة تحتاج إلى بينة تقوم بها الحجة على صدق صاحبها؛ فإن عرت عن البينة غدت كأن لم تكن، وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم:((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودمائهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) كما أوضح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ضرورة سماع الخصمين أو الخصوم قبل الفصل في النزاع، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه حينما ولاه قضاء اليمن:((إن جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت كلام الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء)).
وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوضح من تنظيمات القضاء، أنه يجب على القاضي أن يسوي بين الخصمين، فقد روت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه، وإشارته،
ومقعده)) وفي رواية: ((من ابتلي بالقضاء بين الناس فلا يرفعن صوته على أحدٍ ما لا يرفع على الآخر)) كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم القضاة بتحري الحق والحكم به، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أن العدل في القضاء يرفع منزلة القاضي عند الله تعالى، فقد روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الذين إذا أُعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وإذا حكموا للمسلمين حكموا حكمهم لأنفسهم)).
وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الظلم في القضاء، فقال:((إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وكله الله إلى نفسه)) وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن القضاء منصبٌ خطيرٌ يجب أن يتولاه من هو أحق به وأقدر عليه؛ لأن ولاية من أعظم الولايات فقال: ((من تولي من أمر المسلمين شيئًا فاستعمل عليهم رجلًا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك، وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله؛ فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين)).
كما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان، فقد رُوي أنه صلى الله عليه وسلم:((لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان)) وقال أيضًا: ((لا يقضي القاضي إلا وهو ريانٌ شبعانٌ)) كما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من قبول الرشوة؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم)).
كما أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإسلام لا يأبى على القاضي المسلم أن يفصل بين أهل الكتب في خصوماتهم إذا احتكموا إليه، أو طلبوا القضاء بينهم أمامه، وقد فصل عليه الصلاة والسلام فيما عُرِض عليه من قضاياهم، وكذلك أوفد أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه مع وفد نصارى نجران من أجل أن يحكم بينهم وفي جميع الأحوال، فلم يدع النبي صلى الله عليه وسلم القضاة إلى أنفسهم ينشئون الأحكام كما يشاءون، بل ألزمهم
بقانون السماء، وشريعة الإسلام، وبين أن طريقهم في ذلك هو الرجوع إلى كتاب الله أولًا، فإن لم يجد فيه نصًّا يتناول الحادثة لجئوا إلى السنة ثانيًا، فإن لم يجدوا فيها حكم الحادثة عولوا على الاجتهاد في استخراج الحكم على هدي نصوص الكتاب والسنة.
وبهذا النهج الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح سبيل العدل واضح المعالم وفق ما قررته الشريعة الإسلامية من أصولٍ، وما جاءت به من أحكام.
ثانيًا: ونتكلم الآن عن القضاء والسلطة القضائية في عهد الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه فنقول:
كانت السلطة القضائية في عهد الخليفة أبو بكر رضي الله عنه في يد الحاكم الأعلى، وهو الخليفة أبو بكر رضي الله عنه كما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الشأن في نظام القضاء، ولم يختلف عنه إلا من حيث أن أبا بكر رضي الله عنه قد خصص للقضاء رجلًا، فكانت ولاية القضاء منفصلة، والتفرغ لها عملًا لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان منصب القضاء تابعًا لمنصب الولاية -كما سبق توضيح ذلك- أما أبو بكر فقد أناب عنه عمر رضي الله عنه في قضاء المدينة فقط دون ولايتها، ومع عهده إلى عمر بالقضاء فإنه رضي الله عنه كان يباشر القضاء بنفسه أحيانًا، وذلك عندما ترفع إليه الخصومة والخلاف، ولا يعني هذا أن هناك تعارضًا بين مباشرته القضاء بنفسه والعهد به إلى عمر بن الخطاب؛ لأن الخليفة صاحب الولاية العامة، ومن حقه أن يقضي بنفسه مع وجود من ولاه لمباشرة هذا الأمر، وذلك لأن القضاء من الوظائف العامة الداخلة تحت الخلافة، وهذا يفسر لنا رواية أن عمر مكث سنة لا يأتيه رجلان في أمر القضاء، فلربما كان المتقاضيان يذهبان إلى أبي بكر ويتركان عمر، وذلك لخوف الخصوم من المثول أمامه، ولما اشتُهر عنه من الشدة والحزم بين الناس في كل أموره.
أما بالنسبة للقضاء خارج المدينة: فقد كان القضاء جانبًا من عمل الولاة ودخلًا في سلطتهم، وتبعًا لذلك فقد كان ولاة أبو بكر لهذه الولايات هم قضاته أيضًا في أماكن عملية، ولعله في هذا نهج نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت أسباب أخرى بجانب ذلك لم تجعله رضي الله عنه يتجه إلى فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية والسياسية كما فعل عمر رضي الله عنه من بعده، وهذه الأسباب منها قصر مدته في الخلافة؛ فقد مكث سنتين وثلاثة أشهر وبعض أيام، وكان همه منصرفًا خلالها إلى القضاء على الفتنة التي أشعلت نارها بعض القبائل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن أعباء الولاة في عهده لم تكن، بالكثرة التي تحول بينهم وبين تفرغهم لمزاولة القضاء والفصل بين المتخاصمين.
ثم نتكلم عن نهج أبي بكر في القضاء، فنقول: نهج أبو بكر في القضاء ما يأتي:
أ- الرجوع إلى كتاب الله أولًا في القضية المعروضة عليه للفصل فيها، فإن وجد فيه نصًّا قضى به.
ب- إذا لم يجد في الكتاب حُكمًا في النزاع الذي ينظره حكم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم إن وجد فيها الحكم.
جـ- إذا لم يجد الحكم في السُّنة بحث في قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم عن حادثة مماثلة، وحكم بحكم الرسول إذا تشابهت القضيتان.
د- القضاء إذا لم يجد في قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقضي به استشار رءوس الناس، فإذا أجمعوا على شيءٍ قضى به، فإذا لم يجتمعوا على شيء في الخصومة فكان يجتهد رأيه ويقضي باجتهاد.
ثالثًا: ثم نتحدث الآن عن السلطة القضائية ونظام القضاء في عهد عمر بن الخطاب فنقول:
لما ولي عمر بن الخطاب بعد وفاة أبو بكر وجه عنايته إلى القضاء ودعمه، واهتم بشأنه خصوصًا بعد أن فتح الله على المؤمنين بلاد الشام، والفرس، والعراق، ومصر، وامتدت إلى أماكن مختلفة من العالم خارج الجزيرة العربية في عهده شملت الكوفة، والبصرة، وأمام هذا الاتساع في رقعة البلاد الإسلامية كان من الضروري أن يستعين عمر رضي الله عنه أن يجعل سلطة القضاء مستقلة عن عمل الوالي في بعض الولايات التي تحتاج إلى ذلك؛ ليتفرغ الوالي للأعمال الكثيرة أخرى التي كان لزامًا عليه أن يتفرغ لها، وفي مقدمتها نشر الأمن والطمأنينة في أنحاء، ولايته، وحمايتها من خصومها، والترصد لحركاتهم، ومؤامراتهم، وإيذاء ذلك فصل عمر القضاء في بعض الولايات الكبيرة عن عمل الوالي، وجعله سلطة مستقلة، ونفذ هذا في ولايات: الكوفة، والبصرة، ومصر.
وقد جعل عمر رضي الله عنه السلطة القضائية تابعة له مباشرة، فكان هو الذي يعين القضاة، ويكتب إلي واليه في الولاية أن يولي فلانًا القضاء عنده كما كان يوجه القضاة ويراسلهم ويراسلونه فيما يُشكل عليهم في القضاء، ويسألونه أتانا كذا وكذا فما الحكم؟ وكان يجيب عليهم بما يتخذونه وما يسلكونه من طريق، وكان بهذا الوصف الرئيس الأعلى للقضاة، وصاحب الخطة التي يسيرون عليها في قضائهم لا يحيدون عنها ولا يخالفونها، ومع هذا فقد أبقى عمر بعض ولاته على القضاء أيضًا، وربما يرجع هذا إلى أن ظروفهم كانت تسمح لهم في ولاياتهم بمباشرتهم القضاء بأنفسهم مع عبء السلطة التنفيذية؛ لأن القضاء لم يشغلهم عن العناية بشئون الولاية.
وأما قضاة عمر الذين ولاهم القضاء عنه في المدينة فهم: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، والسائب بن يزيد، فقد خصصه عمر للفصل في القضايا البسيطة، فقد روي الطبراني أن عمر قال ليزيد عند تعيينه لمنصب القضاء:"رد الناس عني في الدرهم والدرهمين" أي: في القضايا التي لها مبالغ بسيطة، ومع ذلك فقد كان الخليفة عمر مع تخصيصه قضاة للمدينة يقضي بنفسه أحيانًا، وأحيانًا أخرى كان يُحيل قضاياه على زيد أو علي، وأحيانًا كان يُشركهما معه في بحث قضية ما يراه من وجهة نظره تحتاج إلى مستشارين.
ومما سبق يمكن أن نستخلص بأن عمر قسم القضاء إلى درجتين: القضاء البسيط، وهو خاص بالقضايا الصغيرة، وهذا أحاله على السائب بن يزيد عندما أمره أن يحكم بين الناس في الدرهم، والدرهمين، والقضاء الكلي، وقد خُصص لما عدا ذلك من القضايا -يعني: فيما زاد عن الدرهم والدرهمين كان هو القضاء الكلي- وهذه القضايا كان ينظرها علي بن أبي طالب، أو زيد بن ثابت في المدينة، أو عمر نفسه، أو هم جميعًا، أو اثنان منهم حسب مقتضيات الأحوال والظروف، وقد كان الأصل في نظام القضاء أن يعين القاضي الواحد للقضاء وحده في الدائرة المخصص لها، وهو يقوم على أساس نظام القاضي الفرد الذي يستقل وحده بإصدار الحكم في القضايا المعروضة عليه، وهذا النظام الذي عمل به عمر نظامٌ معمولٌ به في بعض الدول الآن ومنها مصر، وذلك بالنسبة لقضاة المحاكم الجزئية وقضاة الأمور المستعجلة، ومع أن هذا هو الأصل أي: أن يستقل القاضي وحده بالحكم، نقول: ومع أن هذا هو الأصل فقد صار عمر أيضًا في سلطته القضائية على تخويل القاضي الواحد أن يستعين بغيره معه في بعض القضايا المهمة، أو قد يحدد هو شروطًا معينة لبعض القضايا المهمة سلفًا بحيث إذا انطبقت هذه الشروط عليها تعين للنظر فيها أكثر من قاضٍ قبل الحكم فيها، وقد يدعوهم الخليفة بنفسه للنظر معهم في القضية، وذلك بحسب الأحوال كما سبق القول.
ومن ذلك نستخلص بأن القضية الواحدة كان ينظرها أحيانًا قاضيان معًا أو أكثر في أيام عمر، وأن قضاء الإسلام لم يجر فيه نظام القضاء على نظام القاضي الواحد دائمًا أبدًا كما زعم بعض المستشرقين، بل في نصوص الإسلام وتعاليمه وأعمال الخلفاء ما يجيزوا لأكثر من قاضٍ الاشتراك في قضية واحدة، وليس هذا النظام حديثًا ووليد المدنية -كما زعم من زعم- بل هو من نظام القضاء في الإسلام.
نهج عمر في القضاء ودستور التقاضي في عهده: كان عمر رضي الله عنه في قضائه يتبع ما جاء في الكتاب والسنة، فإن لم يجد فيهما ما يقضي به نظر في قضاء أبي بكر، فإن وجد له قضاء قضى به، وإلا استشار في ذلك فقهاء الصحابة وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت قاضياه، فقد جاء في (المبسوط) للسرخسي: أن عمر رضي الله عنه كان يستشر الصحابة مع فقهه، حتى كان إذا رُفعت إليه الحادثة قال: ادعوا إلي عليًا وادعوا إلي زيدًا، فكان يستشرهم ثم يفصل بما اتفقوا عليه، كانت القضية تُرفع إلى عمر فربما يتأمل في ذلك شهرًا ويستشير أصحابه، وقد سن عمر بن الخطاب لقضاة دستورًا يسيرون عليه في التقاضي وفي الحكم، وهو النهي الذي صار عليه بنفسه بالقضاء، إلا أنه رأى أن يدون ذلك وكل ما يتعلق بالقضاء وتنظيمه، وطريقة التقاضي، والحكم، وشروط الدعوى التي يصح النظر فيها، وغير ذلك، دون ذلك في كتاب خاص يعتبر هذا الكتاب هو أساس علم المرافعات في عالم القضاء، وهو الكتاب الذي بعث به إلى أبي موسى الأشعري وإلى غيره من القضاة، وهذا نص الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس سلامٌ عليك، أما بعد:
فإن القضاء فريضةٌ محكمةٌ، وسنةٌ متبعةٌ، فافهم إذا أُدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلمٌ بحقٍّ لا نفاذ له، آسي بين الناس في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك؛ حتى لا يطعم شريفٌ في حيفك، ولا ييأس ضعيفٌ من عدلك، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، ومن ادعى حقًّا أو بينةً فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن بينه أُعطيته، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر، ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فرجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، والمسلمون عدول بعضهم على بعض.
هذا ضمن ما جاء في كتاب عمر بن الخطاب، وهو دستور القضاء إلى الآن، وسوف يستمر في المستقبل -إن شاء الله.
ثالثًا: ثم نتكلم الآن عن السلطة القضائية والقضاء في عهد عثمان فنقول:
لما تولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة وبُيع عليها في سنة 17 هجرية سلك في شأن القضاء مسلكًا غير الذي سلكه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، فقد عزل عثمان عن قضاء المدينة علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، والسائب بن يزيد، واستقل هو بالسلطة القضائية وبالقضاء، فكان ينظر الخصومات بنفسه في جميع القضايا المهمة ذات الأمور قضائية، وكان يستدعي هؤلاء القضاة الذين عزلهم من منصب القضاة وغيرهم من الصحابة للتشاور معهم فيما يحكم به عند الحاجة إلى ذلك، فإن وافق رأيهم رأيه أمضاه، وإن لم يوافق رأيهم رأيه نظر في
الأمور فيما بعد، ويبدو أن الخليفة عثمان رضي الله عنه آثر أن يترك أمر القضاء في الأمصار للولاة أنفسهم.
رابعًا: وإذا نظرنا إلى القضاء في عهد علي -أي: أننا ننتقل الآن إلى النظر في القضاء في عهد علي رضي الله عنه فنقول: مع علم علي وغزارته من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله: ((اللهم علمه القضاء)) ومع إجماع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن عليًا أقضاهم، فإن القضاء في خلافته لم يحظ بالكثير من عنايته ورعايته بسبب الأحوال السياسة المضطربة، والفتن التي ظهرت في عهد آنذاك مما كان سببًا في انصراف علي رضي الله عنه عن العناية بالأحوال التنظيمية للأمصار والتوفر على العناية الكاملة بأمر القضاء بصفة خاصة، ومع ذلك لم تمنعه هذه الظروف القاسية من الاهتمام بأمر القضاء والاشتغال به، فقد كان يجلس بنفسه للحكم والقضاء بين الناس كما كان يعهد به إلى الممتازين من ذوي الكفاءات، وقد ترك علي رضي الله عنه أمر اختيار القضاة للولاة أنفسهم الذين عينهم على الأمصار بعد خلافته، فقد عزل معظم الولاة الذين كانوا في عهد عثمان وولى غيرهم، وقد فصل علي رضي الله عنه القضاء عن الولاية كما فعل عمر رضي الله عنه وإن فوض الولاة في تعيين القضاة، واختيارهم من أفضل العناصر التي تصلح للقضاء دون أن يحكمهم بأنفسهم في قضايا الناس لضمان العدالة في القضاء بين الناس.
خامسًا: ثم نتكلم الآن عن القضاء في عهد الأموي فنقول: في عهد خلافة بني أمية لم يختلف القضاء كثيرًا في هذه المرحلة عن المراحل السابقة له، وبخاصة عصر عمر من ناحية السلطة القضائية، وتنظم القضاء، واختيار أفضل العناصر لتولي مناصب القضاء، كما أن السلطة القضائية كانت منفصلة عن السلطة السياسية والسلطة التنفيذية، وكان القاضي في حكمه يتبع
الأسلوب المطلق من حيث الاجتهاد كما يفعل القضاة في عصر الخلفاء الراشدين، ويمكن أن نلخص مميزات أو معالم القضاء في ذلك العصر بما يأتي:
أ- أن القضاء لم يكن متأثرًا بالسياسة، إذ كان القضاة مستقلين في أحكامهم لا يتأثرون بميول الدولة الحاكمة، بل كانوا مطلقي التصرف، وكلمتهم نافذة حتى على الولاة وعمال الخراج.
ب- كان القاضي يحكم بما يوحيه إليه اجتهاده، فكان يستنبط الحكم بنفسه من الكتاب والسنة، أو الإجماع، أو أن يجتهد في الحكم اجتهادًا حسب قواعد الشريعة وأصولها.
جـ- كانت السلطة القضائية في يد الخليفة الحاكم العام مع استقلال القضاة، فقد ثبتت تاريخيًا أن الخليفة كان يراقب أحكام القضاء، ويعزل من شذ من القضاة عن الطريق السوي.
د- تدوين الأحكام القضائية في ذلك العهد، ظهرت الحاجة إلى وجود سجلات تدون فيها الأحكام التي يصدرها القضاة، وذلك لكثرة المشاكل والمنازعات المختلفة على عكس ما سبق في عهد الخلفاء الراشدين، فقد أدى تناكر الخصوم في بعض الأحيان لأحكام القضاة إلى إدخال نظام السجلات.
سادسًا: ثم نتكلم الآن عن النظام القضائي في العصر العباسي فنقول:
تطور القضاء في العصر العباسي الثاني متأثرًا بالسياسة، وأصبح الخلفاء يتدخلون في القضاء حتى حملوا القضاة في كثيرٍ من الأحيان على السير وفق رغباتهم؛ ولهذا السبب فكثيرًا ما كان يعتذر القضاة عن قبول التعيين في المناصب القضائية مع علمهم بشرفه وفضله بين الناس، وذلك خشية تدخل الخلفاء في أحكامهم القضائية،
وقد ضعف روح الاجتهاد في هذا العصر بسبب ظهور المذاهب الأربعة، وأصبح لزامًا على القاضي أن يُصدر أحكامه، وفق أحد هذه المذاهب، كما اختلف القضاة في الولايات باختلاف هذه المذاهب، وأصبح المذهب الشارع في العراق مذهب أبي حنيفة النعمان، وفي الشام، والمغرب، والأندلس كان القضاة يصدرون أحكامهم وفق مذهب الإمام مالك، وفي مصر وفق مذهب الإمام الشافعي، فإذا حدث تنازعٌ بين متقاضيين على غير المذهب السائد في بلد من البلاد أناب القاضي عنه من القضاة من يدين بعقائد مذهب المتخاصمين، واستمرت هذه المذاهب الأربعة إلى وقت طويل مصدر القضاء والأحكام، ومن ثم أُطلق على العصر العباسي عصر أئمة المذاهب، وهناك مذاهب أخرى غير المذاهب الأربعة لها قضاؤها الخاص، فكان القاضي يتبع المذهب، ومنها الزيدية في اليمن، والإمامية والاثنا عشرية في فارس والعراق، والإمامية السبعية أو الإسماعيلية في غير ذلك على أن رغبة الناس في التقليد والحكم بما يوافق المذهب الذي يتبعه القاضي أو المفتي إنما ظهرت بظهور أبي الحسن الأشعري وتفكيره في الرجوع إلى مذهب أهل السنة، ويجب ألا يعزب عن أذهاننا في هذا المُقام أن مذاهب أهل السُّنة الأربعة -الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي- كانت مصدر التشريع في هذا العصر، وأنه لم يتقلد القضاة إلا السنيون، وكان القضاة في الدولة العباسية ينيبون عن قاضي القضاة، وهو أشبه بوزير العدل الآن، ويقيم في حاضرة الدولة، وقد كان القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة أول من تلقب هذا اللقب في عهد هارون الرشيد، واستمر هذا العصر العباسي الثاني، وقد اتسعت سلطة القاضي حتى أصبح ينظر في القضايا المدنية، وفي الدعوى والأوقاف، وتنصيب الأولياء، وكثيرًا ما تضاف إليه الشروط، والمظالم، والقصاص، والحسبة، ودار الضرب -أي: ضرب النقود- وبيت المال.
وقد كان لكل ولاية من الولايات الإسلامية في بادئ الأمر قاضٍ واحد لجميع التخصصات القضائية، ولكن باتساع الدولة العباسية أصبح لكلٍّ من هذه الولايات قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، وينظر كل منهم فيما يقوم من النزاع بين من يدنون بعقائد مذهبه، وكان مكان القاضي في بادئ الأمر في المسجد، ثم وجد المسلمون أن هذا لا يتفق وحرمة بيوت الله؛ فمنع الخليفة المعتضد القضاة من الجلوس في المسجد، وفي بعض الأحيان كان القاضي يقضي بين الناس في داره، وكان لقاضي قضاة بغداد ديوان يُعرف بديوان قاضي القضاة، ومن أشهر موظفي هذا الديوان الكاتب، والحاجب، وعارض الأحكام، وخازن ديوان الحكم، وأعوانه، كما اقتضى تطور نظام القضاة في هذا العصر التحري عن الشهود، فإن كان الشاهد معروفًا بالسلامة ولم يُعرف عنه ما يجرحه قبل القاضي شهادته، وإن كان غير معروفٍ بها لم تُقبل شهادته، وإن كان مجهولًا سئل عنه جيرانه، ومن ثم وجدت جماعة من الشهود عرفوا بالشهود الدائمين، أو المعدلين، أو المزكين.
سابعًا: ونتكلم الآن عن السلطة القضائية ونظام القضاء في الأندلس فنقول:
كان للقضاء في الأندلس مركز ممتاز كما كان في غيرها من البلاد الإسلامية، وكان الأمير أو الخليفة هو الرئيس الأعلى للقضاء لتعلق الوظيفة بالدين، وقد كان قاضي القضاة في الأندلس يسمى قاضي الجماعة؛ لأنه يكون في حاضرة الدولة، وكان يُشترط في تعيين القاضي أن يكون متعمقًا في الفقه مشهودًا له بالنزاهة والاستقامة، ولا يُشترط فيه أن يكون عربيًا خالصًا، وطالما تقلد هذا المنصب الموالي والبربر كما هو الحال بالنسبة ليحيي بن يحيي الليثي الذي كان من أصل بربري، وكان قاضي القضاة غالبًا ما يُختار من بين قضاة الأقاليم المشهود لهم بالتفوق في القضاء، أو ممن تولوا بعض مناصب الدولة الهامة،