الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا معناه أن العدالة التي ينشدها الإسلام هي عدالة في كل المجالات، عدالة من ناحية الحكم، عدالة من ناحية الاقتصاد في كل المجالات، فحرص الإسلام على أن تكون هناك عدالة بين المتعاملين، على ذلك فالذين يتعاملون بالربا ليس هناك عدالة، فالمرابي يأكل أموال الناس بالباطل، وليس هناك عدالة فيما يأخذه، وفيما يعطيه؛ ولذلك وجدنا موقف الإسلام حازمًا من أجل توجد تلك العدالة في كل صورها سواء في الاقتصاد، أو في الحكم.
مسئولية الحكام
ثم ننتقل الآن إلى الحديث عن قاعدة أخرى من القواعد التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام، وهي مسئولية الحاكم، فنقول: يتميز النظام السياسي الإسلامي عن غيره من النظم السياسية كافة بتقرير مبدأ "المسئولية" حيث لا يوجد في الإسلام من يمكن أن يكون بمنأى عنها ذلك؛ لأن عدم المسئولية يعني: أن غير المسئول يحتل مكانا مقدسا، أو كونه معصوما، وليس في الإسلام من يحتل هذه المكانة سوى الأنبياء، والرسل.
وكل مسلم مسئول عن تصرفاته وأفعاله سواء أكانت هذه التصرفات والأفعال متعلقة بالواجبات الفرضية التي خاطب بها المشرع الإسلامي كل مكلف، وحتم عليه القيام بها، أو كانت متعلقة مع نفسه، أو مع الغير، ففي كل هذه الأحوال يكون المسلم مسئولا أمام الله عز وجل في الآخرة إلى جانب أنه مسئول في الدنيا أمام ضميره من ناحية، ومن ناحية أخرى أمام المجتمع الإسلامي.
ونحن إذا كنا نسلم مع فضيلة الشيخ/ أحمد هريدي بهذا المبدأ؛ لأنه من القواعد القطعية في الفقه الإسلامي، إلا أننا لا نسلم له القول، وتبدو مسئولية الفرد تارة أمام نفسه، وضميره، وتارة أمام ربه سبحانه وتعالى وتارة أمام الناس والمجتمع؛ لأن هذا القول يومئ أنه في بعض الحالات يمكن أن يكون الفرد مسئولًا أمام نفسه
وضميره، أو مسئولا أمام المجتمع، ولا يكون مسئولا أمام الله عز وجل وهذا ما لا نقبله، ونعتقد أن الشيخ لا يعارض في ذلك؛ لأن المسئولية تتحدد أولا وقبل كل شيء أمام الله عز وجل وفي كل الحالات.
ولذلك سوف نتحدث الآن عن أساس مشروعية المسئولية نقول: دلت مصادر المشروعية الإسلامية على تقرير قاعدة المسئولية، وعمومها؛ لتشمل جميع التصرفات، وكافة المخاطبين بأحكام الشريعة سواء الحاكم أو المحكوم على حد سواء، وهو ما يتضح من القرآن الكريم والسنة النبوية، والتطبيق العملي في عهد الخلافة الراشدة.
أساس مشروعية المسئولية في الإسلام دلت مصادر المشروعية في الإسلام على قاعدة الشورى، كصرح متين يقوم عليه ليس فحسب النظام السياسي الإسلامي، وإنما النظام الإسلامي كله، ويتضح ذلك من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، والتطبيق العملي في عهد الخلافة الراشدة، وما أجمع عليه علماء الأمة.
ففي القرآن الكريم يقول الله سبحانه وتعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} (الزلزلة: 7،6) ويقول سبحانه وتعالى: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الأنبياء: من الآية: 47) ويقول سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدثر: 38) ويقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال: 27) ويقول سبحانه وتعالى أيضا: {وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} (الجاثية: 22) ويقول سبحانه وتعالى: {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة: 105) ويقول سبحانه وتعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (الطور: من الآية: 21) ويقول سبحانه وتعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} (آل عمران: من الآية: 30).
فهذه الآيات جميعها تقرر بنصوص قطعية قاعدة المسئولية بحيث تشمل المسئولية في الدنيا، والمسئولية في الآخرة.
ومن السنة النبوية الشريفة نذكر ما روي عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها، وولده وهي مسئولة عنه، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) وعلى ذلك فليس في الإسلام من يمكن أن يكون بمنأى عن المسئولية بحيث تتدرج المسئولية لتتوازى مع السلطة ابتداء من رئيس الدولة حتى العبد في مال سيده.
وأيضا ما جاء في خطبة الوداع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها)) وأيضا ما رواه المؤرخون من: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم: خرج في مرضه الأخير من حجرة السيدة عائشة بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم صلى على أصحاب أحد، فأكثر واستغفر لهم، وقال: أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى
الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له، أو حللني)).
ولم يكن مبدأ المسئولية مبدأ نظريا في الفقه الإسلامي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عهد الخلفاء الراشدين، وإنما أخذ مكانه في التطبيق مثل سائر النصوص القانونية، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو النبي المرسل المعصوم المنزه عن الخطأ، والهوى يقبل القصاص، والقصة كما يرويها ابن سعد:((أن النبي صلى الله عليه وسلم طعن سواد بن غزية بعود من سواك، فماد في بطنه -يعني: أثر في بطنه- فطلب سواد القصاص -يعني: الذي طعنه النبي صلى الله عليه وسلم طلب القصاص من النبي صلى الله عليه وسلم ولما استنكر الأنصار ذلك من سواد بادرهم بقوله: ما لبشر على بشر من فضل، ولما كشف الرسول صلى الله عليه وسلم عن جسده الطاهر؛ ليقتص منه قال سواد: أتركها لتشفع لي بها يوم القيامة يا رسول الله)).
وإذا أردنا أن نذكر السوابق لهذه المسئولية في عهد الخلفاء الراشدين فنقول تدل السوابق بصفة قاطعة أن الخلفاء الأول رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، كانوا يعملون هذا المبدأ ويقررون مسئوليتهم عن كل ما يترتب على ممارسة السلطة العامة.
وسنوجز مسلك الخلفاء الأول في هذا الصدد؛ لنتبين كيف كفلوا تطبيق هذا المبدأ، وهو مسئولية الحاكم؟ فأبو بكر رضي الله عنه يقول في أول خطبة له بعد توليته الخلافة: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، وكأنه يشير بذلك إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) ويقول أيضًا: فإن رأيتموني استقمت، فاتبعوني، وإن زغت، فقوموني وتقويم الخليفة لا يكون معترفا به كقاعدة مقررة إلا إذا كان مبدأ المسئولية يأخذ مكانه في النظام الإسلامي ذلك
أن التقويم لا يتحقق إلا لكون الخليفة مسئولا، ويجب أن يخضع لحكم القانون، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى أنه مسئول ليس فقط عن تصرفاته الشخصية، وإنما عن تصرفات عماله، وولاته، وإعمالا لما كان يراه عمر في مسئولية الحاكم، فإن نطاق المسئولية يمتد في منهجه في الحكم ليشمل مختلف الأنشطة والأماكن والميادين في المجتمع.
ولا نرى حاكما في الشرق أو الغرب صور المسئولية كما صورها عمر، ومما يروى عنه رضي الله عنه أنه قال: أيما عامل لي ظلم أحدا، فبلغتني مظلمته فلم أغيرها، فأنا الذي ظلمته ولكونه كان يعتبر أنه مسئولا عن عماله، وولاته فإنه كان يشتدد في اختيار الولاة، ولا يختار أحدهم لأي عمل من الأعمال، إلا إذا كانت قد توافرت فيه الشروط التي يتطلبها ذلك العمل في من يقوم به، وكان موثوقا في أمانته، وورعه لذلك فإنه كان يتولى البت في الأمور بنفسه، وما لا يستطع أن يرفع إليه من مشاكل الأقاليم والولايات المختلفة، فإنه يختار لها أهل القوة والأمانة، ومما يؤثر عنه رضي الله عنه قوله: فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا هو يتحدث عن العمال، ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة، فوالله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يتغيب عني فألو فيه الجزء والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم، يتكلم عن عماله وكأنه يقسم ويقول: ولئن أحسنوا يعني: أحسنوا إلى الرعية، وعاملوهم برفق وبإحسان وبعدالة لئن لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم، ولكونه مسئولا عن عماله، فإنه كان يتشدد في رقابتهم ومحاسبتهم على تصرفاتهم، وكان يؤكد في مراسلته العديدة لهم، أو في الاجتماعات السنوية التي كان يعقدها في مواسم الحج، ألا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحرموهم
فتكفروهم، ولا تجبروهم فتفتنوهم، وكل من يخالف هذا المبدأ، فإنه يعاقب بالعقوبة المناسبة التي تتلاءم مع الضرر الذي وقع بالمسلمين يروي ابن سعد عن عمرو بن العاص قال لعمر رضي الله عنه يا أمير المؤمنين: أرأيت إن أدب أمير رجلًا من رعيته أتقتص منه؟ فقال: عمر وما لي لا أقتص منه! وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه، وما يفهم من هذه الرواية أن المسئولية لا تكون عن التأديب الذي يكون نتيجة لمخالفة الشخص لقواعد الشريعة، وإنما تنصرف المسئولية إلى حالة ما لو أدب الوالي رجلا من الرعية بدون مقتض -يعني: بدون سبب- أو كان هذا التأديب قد تجاوز فيه الأمير السلطة، بأن تحقق عدم التناسب بين الفعل المخالف للقانون، وبين وسيلة التأديب، ففي هاتين الحالتين لا يكون تأديبا، وإنما يكون ظلما لا يقره الشرع، ويجب القصاص مقابلة له، وهو ما يفهم من بقية القصة كما يرويها ابن سعد.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، يعني: موسم الحج، يعني: يأتوا إليه في موسم الحج، فإذا اجتمعوا قال: أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم؛ ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، وإنما بعثتهم؛ ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيأكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك، فليقم فما قام أحد إلا رجل واحد، قال: فقال يا أمير المؤمنين: إن عاملك فلانا يقصد عمرو بن العاص ضربني مائة سوط، قال: فبم ضربته يا عمرو؟ ولما أيقن عمر أنه ضربه بلا مبرر، قال للرجل قم فاقتص منه أي: اقتص من عمرو بن العاص، فقال عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين: إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، ويكون سنة يأخذ بها من بعدك فقال: ما لي لا أقيد، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد من نفسه، قال عمرو بن العاص: فدعنا فلنرضه قال: دونكم فارضوه، فافتدى منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين.
وهكذا كان عمر يتشدد في معاملة أو في محاسبة عماله حتى أنه أراد أن يكون رجل من عامة الناس، ومن الرعية قال: له اقتص من الوالي عمرو بن العاص، وهذا إن دل فإنما يدل على مدى العدالة التي كان يراعيها عمر بن الخطاب مع الرعية، ولقد كان عمر يتشدد في مسئولية الولاة عن تصرفاتهم، ويرى أنه مسئول عن تصرفاتهم طوال مدة حكمه.
وكان يرى أنه مسئول عن كل شيء في الدولة الإسلامية؛ لذلك كان يتحسس البعير، ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك، وقال رضي الله عنه: لو ند جمل ضياعا على شط الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنه؛ لأن الدولة لم تمهد له الطريق، فهو يخاف أن يضيع جمل، فيكون مسئول عنه أمام الله تبارك وتعالى.
وإذا كان هذا موقف عمر، فإن هناك موقفا مقابلا له، وهو موقف المحكومين، فقد كانوا يرون أن الخليفة مسئول عن أفعاله وتصرفاته إلى جانب مسئوليته عنهم.
يروي ابن الجوزي: أن عمر بن الخطاب قال في أول خطبة له: إن رأيتم فيًّ اعوجاجًا، فقوموني ويرد أحد المسلمين على عمر بقوله: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد السيف، ويرد عمر بقوله: الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم عمر بحد السيف.
وترسم مواطنة مسلمة الفهم الإسلامي لحدود، ونطاق مسئولية الخليفة بطريقة لم يعرفها في الماضي، والحاضر أي: تشريع وضعي يروى أن عمر بن الخطاب مر ليلا بأعرابية، وهي تعلل صغارها بالموقد وضعت عليه قدرًا بماء خالص لا شيء فيه؛ لأنها ليس عندها طعام تطعمه أولادها، وهي تعلل صغارها بالموقد، ولما دنا منها سيدنا عمر وسألها ماذا تصنعي يا امرأة؟ وما بال الصبية يتضاعفون -يعني: يبكون- أجابته بأنهم يتضورون جوعًا -يعني: