الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يرى البعض الآخر من الفقهاء أن الزكاة تأخذ من كل ما أخرجته الأرض، لا فرق في ذلك بين صنف وصنف ولا بين مطعوم وغير مطعوم ففي كل ما أخرجت الأرض زكاة ما عدا الحشيش والحطب، ولكن إذا زرع الحشيش والحطب من أجل التجارة تجب فيهما الزكاة إذا بلغ نصابًا وهذا هو رأي الحنيفة.
وبعد عرضنا لآراء الفقهاء بالنسبة للحبوب وما تفرض عليه الزكاة من هذه الحبوب وما لا تفرض -نرى أن ما ذهب إليه الأحناف من وجوب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض هو الرأي الذي نختاره؛ لأن عموم النصوص من القرآن والسنة تؤيده، وهو الموافق لحكمة تشريع الزكاة، فليس من العدل أن تؤخذ الزكاة من زارع الشعير والقمح ويعفى منها صاحب البساتين من البرتقال أو المانجو أو التفاح، وقد أصبحت هذه الأصناف الأخيرة في وقتنا الحاضر تدرّ على صاحبها ثروات طائلة أهم وأعظم بكثير من ثروة الشعير والقمح، فمن العدالة إيجاب الزكاة في تلك الأنواع من الثمار للتحقق المساواة بين الجميع في تحمل التكاليف العامة المالية في الدولة والتي من أهمها الزكاة.
نكون بهذا قد انتهينا من هذه المحاضرة، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
2 -
بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة
زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن العمومية المادية في الزكاة، ونواصل الحديث الآن في هذا الموضوع فنقول:
من الأموال التي تجب فيها الزكاة زكاةُ عُرُوض التجارة، فيرى جمهور الفقهاء أنه تجب الزكاة في عُرُوض التجارة، سواء كانت الأموال ثابتة أو منقولة -أي: التي تشترى بنية التجارة- ودلّ على هذا الوجوب الكتاب، والسنة، والقياس، والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُم} (البقرة: من الآية: 267) يقول الإمام الطبري في معنى هذا الآية: أي زكّوا من طيبات
ما كسبتم بتصرفكم إما بتجارة وإما بصناعة، وذهب مجاهد إلى أن المقصود بالكسب في الآية هو التجارة.
ومن السنة ما روي عن سمرة بن جندب قوله: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع)) يعني: للتجارة.
وأيضًا دلّ القياس على وجوب الزكاة في عُرُوض التجارة؛ إذ أن عُرُوض التجارة مال مقصودٌ به التنميةَ، فأشبه الأجناس الثلاثة التي وجبت فيها الزكاة باتفاق، كالزروع، والماشية، والذهب، والفضة، فهو يشبه الزرع في تضاعف المحصول، ويشبه الأنعام في الزيادة عن طريق التواجد؛ ولذلك هذا هو ما نرجحه، وهو رأي جمهور الفقهاء، وهو وجوب الزكاة في عُرُوض التجارة.
وأيضًا من الأموال التي تجب فيها الزكاة الرِّكاز والمعدِن، والركاز هو ما دفنه القدماء من الجاهلية في الأرض من المال على اختلاف أنواعه، ويرى الفقهاء أن فيه الخمس، يعني: إذا وجده مسلم فيرى بعض الفقهاء أن فيه الخمس، يعني: يخرج خمسه كزكاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((في الركاز الخمس)) والمدفون في الأرض ركاز بالإجماع؛ لأنه مركوز فيه.
وبالنسبة للمعدن عرفه البعض بأنه كل ما خرج من الأرض مما يُخلق فيها من غيرها مما له قيمه، واختلف الفقهاء في مقدار الواجب في المعدن: فيرى بعضهم أن الواجب فيه الخمس، ويرى البعض الآخر أن الواجب فيه ربع العشر. واختلف الفقهاء أيضًا في تحديد المعدن الذي تؤخذ منه الزكاة على النحو التالي:
فالشافعية يقصرونه على الذهب والفضة، وأما غيرهما كالحديد والنحاس والرصاص فلا زكاة فيه.
ويرى أبو حنيفة أن كل المعادن المستخرجة من الأرض مما ينطبع بالنار فيها حقّ واجب، وأما المعادن السائلة أو الجامدة التي لا تنطبع فلا شيء فيها عندهم.
ويرى الحنابلة أنه لا فرق بين ما ينطبع وما لا ينطبع من المعادن، فالمعدن الذي يتعلق به الوجوب هو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، سواء كان جامدًا كالحديد والنحاس والرصاص أما كان من المعادن السائلة كالنفط أي: البترول.
ونحن نرى أن ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب الزكاة في كل ما خرج من معادن من الأرض دون فرق بين نوع وآخر -نرى أنه هو الأولى بالقبول وهو ما نختاره؛ وذلك أنه لا يفرق بين المعدن الجامد والمعدن السائل، ولا بين ما ينطبع بالنار وما لا ينطبع بها، فهو لا يفرق بين الحديد والرصاص وبين النفط فكلها أموال ذات قيمة عند الناس، فكان من غير المعقول ومما يخالف العدالة إعفاء معدن كالنفط -البترول- من الزكاة وقد أصبح في عصرنا هذا من أهم الثروات التي يمتلكها الأشخاص، فهي تدر عليهم دخلًا يفوق بكثير الدخول التي يدرها معدن كالرصاص، فالمعادن السائلة إذن يجب فرض الزكاة عليها من باب أولى. فرأي الحنابلة إذن يؤدي إلى تحقيق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل، وبالتالي يحقق المساواة الكاملة بين من يمتلكون أي نوع من المعادن متى توافرت شروط وجوب الزكاة.
وأيضا من الأموال التي اختلف فيها الفقهاء هل تجب فيها الزكاة أم لا -زكاة ما يستخرج من البحر:
اختلف الفقهاء في وجوب الزكاة فيما يستخرج من البحر من الجواهر الكريمة، كاللؤلؤ، والمرجان، ومن الطيب العنبر، فيرى البعض منهم أنه لا شيء فيه ما لم يكن معدًّا للتجارة، فإن أعدّ للتجارة وجبت فيه زكاة، ويرى البعض الآخر أن
ما يستخرج من البحر فيه حق واجب، واختلف في مقدار هذا الواجب: هل هو الخمس كما يعامل الركاز؟ أو هو العشر كما يعامل الزرع؟ أو هو ربع العشر كما تعامل الدراهم والدنانير؟ أقوال ثلاثة للعلماء ذكرها أبو عبيد في كتابه (الأموال) صـ433 وما بعدها، ونحن نرجح ما يراه البعض من أن قدر هذا الواجب ينبغي أن يخضع تحديده لمشورة أهل الرأي؛ لأن التشريع قد فاوت بين المقادير الواجبة في الحبوب والثمار تبعًا لتفاوت الألفة والجهد في سقي الزرع، فجعلها نصف العشر إن سقي الزرع بآلة، وجعلها العشر إن سقي بغير آلة، فكذلك الأمر بالنسبة لما يستخرج من البحر ينبغي أن يتفاوت مقدار الواجب تبعًا لتفاوت الكلفة والجهد في سبيل الحصول عليه، فيكون الخمس إذا قلّت الكلفة والجهد، ويكون العشر إذا زادت الكلفة والجهد.
ونحن نرى أن الرأي الراجح هو الذي يفرض حقًّا في كل ما يستخرج من البحر وهو ما نختاره؛ لأنه كيف يعفى من هذا الحق الواجب من استخرج لؤلؤة ذات قيمة مرتفعة جدًّا وتفرض الزكاة في نفس الوقت في الحاصلات الزراعية ضعيفة القيمة إلى حد ما إذا ما قرنت بالجواهر الكريمة التي تستخرج من البحر، فهذا الرأي إذن يؤدي إلى تحقيق العدالة وتحقيق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل وبالتالي يحقق المساواة بين المواطنين في تحمل الأعباء العامة المالية المقررة في الدولة.
وأيضًا من ضمن الأشياء التي اختلفوا فيها، اختلفوا في وجوب الزكاة فيما يستخرج من البحر من الأسماك على الوجه التالي:
يرى بعض الفقهاء أنه ليس في هذه الأسماك زكاة، ويرى البعض الآخر أن ما يستخرج من البحر من الأسماك فيه حق واجب إذا بلغ النصاب مستدلًّا على