الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونخلص مما تقدم أن الإسلام يشترط في العمل السوي -فكريًّا- أن يكون سمة تحديد للهدف أو الأهداف التي يتوخاها؛ والإعداد السابق- أي: التخطيط له- ويتعين سلوكيًّا أن يكون الأداء متقنًا، ومبسطًا، ومقدورًا.
طبيعة تكوين المنظمة
ثم نتحدث الآن عن موضوع آخر وهو: طبيعة تكوين المنظمة:
ونقصد بالمنظمة: المجموعة التي تقوم بعمل معين، كأُناس موجودون في مصنع معين، فمجموع هؤلاء الناس يطلق عليهم في القوانين الإدارية وفي الإدارة العامة: المنظمة؛ فالمنظمة تشكيل يمارس فيه ومن خلاله النشاط البشري الجماعي موضوع التنظيم الإداري؛ وتعكس المنظمة -من حيث طبيعة تكوينها- اتجاهي الفكر الإداري المعاصر، وقد عرضنا -آنفًا- لمفاهيم اتجاه الفكر الإداري في هذا الصدد.
ونشير فيما يلي إلى توجيهات الفكر الإداري الإسلامي السوي في تكوين المنظمة؛ يعني: كيف تنظم هذه المجموعة التي تقوم بعمل معين في مصنع معين أو في شركة معينة مجموع هؤلاء الأفراد؛ الذين يعملون في هذا المكان، أو في هذا المصنع، أو في هذه الشركة يطلق عليها -كما قلنا- في العرف الإداري: منظمة؛ الإسلام وضع توجيهات لهذه المنظمة، وكيف يتم العمل فيها.
فأول شيء دعا إليه هو: التدرج الرئاسي، لقد قام الإسلام بتكوين المنظمة كتنظيم جماعي أيًّا كان شكلها، ومجال نشاطها، على أساس التدرج الرئاسي محور التنظيم الهيكلي، وتحقيقًا لصالح المنظمة وأفرادها، وابتغاء بلوغ أهداف مشتركة،
ويعتبر الإسلام هذا التدرج الرئاسي اختبارًا لنا -رؤساء كنا أم مرءوسين- إذ يكشف عن مدى استخدامه في إصدار أوامر ملزمة، تحقق صالح الجماعة وأعضائها معًا، وإطاعة المرءوسين لهم بالتزام هذه الأوامر والعمل بمقتضاها، وهذا تنظيم فطري، يتوخى مصالح الجماعة والأفراد على السواء؛ إذ يشبع حاجات الأفراد عن طريق النشاطات البشرية الجماعية، التي يحكم تنظيمها ويحكمه هذا التدرج الرئاسي؛ ولذا يقول سبحانه وتعالى:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} (الأنعام: من الآية: 165) كما يقول تبارك وتعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} (الزخرف: من الآية: 32)، هذه الآيات تدل على التدرج.
ولكن إذا كانت فطرة الله تقضي برفع بعض الناس فوق بعض درجات -أي: في تدرج رئاسي- فهل يعني هذا التدرج أن هناك طبقات اجتماعية متميزة وممتازة؟ وهو ما يتنافى مع مبدأ المساواة الإسلامي الإنساني، الواقع أن هذا التدرج الرئاسي لا يستند إلى وضع طبقي تسلطي في المجتمع؛ بل يستند إلى العمل، وهو وحده مصدر القيمة الإنسانية -كما قلنا قبل ذلك- وإذ يتفاوت الأفراد -وهو أمر طبيعي- في المدارك والقدرات والقابليات، فإنهم سيتفاوتون بالتالي في مستويات العمل وأدائه؛ فالتدرج الرئاسي هنا يستند إلى تدرج الأعمال وتفاوتها، وهو ما بينه الله -تبارك تعالى- بقوله:{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 132) وقوله سبحانه وتعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} (الأحقاف: 19).
ولكن ما هو أساس تفاوتهم في أعمالهم؟ وبالتالي تدرجهم حسب هذه الأعمال؟
يوضح القرآن الحكيم ذلك بأن مرجعه: التفاوت في المعرفة، والخبرة، ومصدرها العلم؛ ولذا يقول تبارك وتعالى:{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (يوسف: 76) كما يقول سبحانه وتعالى: {يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة: 11) وإذ يعتبر العمل وسيلة الكسب في الإسلام، فإن الأفراد سوف يتفاضلون تبعًا لتدرج أعمالهم في الأرزاق والدخول؛ من أجور وأرباح، ولذا يقول سبحانه في هذا الصدد:{وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} (النحل: من الآية: 71) وعليه نخلص إلى التوجيهات في مجال الفكر الإداري:
1 -
أن التكوين الفطري للجماعة -أيًّا كان شكلها وطابع نشطها، الذي يضمن استمرار وجودها بما يحقق أهدافها، وإشباع حاجات أعضائها- قوامه وأساسه التدرج الرئاسي بين أفرادها، باعتباره محور تنظيم هيكلها، وتتحدد في ضوئه وحدة القيادة والتوجيه.
2 -
أن أساس التدرج الرئاسي في المنظمات هو تدرج الأعمال -أي: الوظائف والحرف- ويتطلب تحقيق هذا التدرج في الأعمال في كل جماعة دراسة شتى الأعمال فيها؛ وتحليل كل منها إلى ما ينطوي عليه من واجبات ومسئوليات، وتوصيفه في ضوء ذلك تحديد المعرفة النظرية والعملية الواجب توافرها، فيمن يمارس كل عمل من هذه الأعمال، ولما كان العمل في الإسلام وسيلة الكسب ومصدر الدخل الرسمي؛ فإن الأجور والمرتبات تُقسم إلى شرائح تقوم بمقتضاها الأعمال وتُدرج، بحيث يرتبط الأجر