الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا كان المأخوذ هو العفو، أي ما زاد عن الحاجات الأصلية، فإنه يترتب على ذلك إعفاء غير القادرين ممن لا تحتمل طاقتهم التكليف بالجزية، ويدل على ذلك ما روي في كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، وجميع النصارى، من أنه ولا خراج ولا جزية إلا على من يكون في يديه ميراث من ميراث الأرض، ممن يجب عليه فيه للسلطان حق، فيؤدي ذلك على ما يؤديه مثله، ولا يجار عليه، ولا يحصل منه إلا قدر طاقته، وقوته على عمل الأرض وعمارتها، وإقبال ثمرتها، ولا يكلف شططًا، ولا يتجاوز به حد أصحاب الخراج من نظرائه.
فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا يأمر بالمساواة بين المكلفين، متى كانت ظروفهم متماثلة، ولا يكلف الممول فوق طاقته، وأن من ليس عنده مقدرة على دفع الجزية يعفى منها، يدل على ذلك ما ورد في الكتاب: لا خراج، ولا جزية، إلا على من يقوم في يده ميراث من ميراث الأرض، وهذا معناه إعفاء غير القادرين من أداء الجزية.
ومما يدل على ذلك أيضًا أن عمر بن الخطاب أسقط الجزية أربعة وعشرين شهرًا عن نصارى نجران، حين أجلاهم إلى العراق، حتى يستقروا، ويبدءوا الإنتاج.
ويتضح من ذلك أن الفترة ما بين الإجلاء، وبدأ الإنتاج، وهي أربعة وعشرون شهرًا، لم يكن فيها لدى أهل نجران أموال تكفي لأن تكون وعاء للجزية، وبالتالي لم يتحقق بالنسبة لهم وصف الغنى الذي هو شرط لوجوب الجزية، ولذلك أعفاهم عمر بن الخطاب من الجزية في تلك الفترة.
ونكتفي بهذا القدر من المحاضرة استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
2 -
تابع: الجزية، ثم الحديث عن الخراج
تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نواصل الحديث عن الأدلة التي تدل على أن الشريعة راعت ظروف هؤلاء المكلفين بالجزية وأعفت غير القادرين منها، فنقول:
من الأدلة على ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه- أسقط الجزية عن المسكين الذي يتصدق عليه، فقد روي أن عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- مر بباب قوم
وعليه سائل يسأل شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، فقال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل -يعني: أعطاه شيئا- ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال له: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، أي: عند الكبر، ثم قال:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} (التوبة: من الآية: 60) والفقراء هم: المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن أمثاله، يرجع في ذلك إلى (الخراج) لأبي يوسف.
ومن الأدلة أيضًا أنه قد جاء في كتاب صلح الحيرة أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غينًا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته يعني: لن تؤخذ منه الجزية، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام في دار الإسلام أي: أنه إذا أصابته آفة الفقر لا تؤخذ منه الجزية، وأيضًا يعطى من بيت مال المسلمين ما يكفيه هو وأولاده.
أيضًا أنه قد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله عدي بن أرطأة كتاب جاء فيه: ثم انظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنة وولت عنه المكاسب، فأجري عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، انظر إلى من كان عندك أصبح كبيرًا من أهل الذمة ولم يستطع أن يتكسب الأموال فأعطه من بيت مال المسلمين، فلو أن رجلًا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب، كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، يرجع في ذلك إلى (أحكام أهل الذمة) لابن قيم الجوزية، القسم الأول: صـ37 وما بعدها الطبعة الأولى المحققة 1961.
وأيضًا ما روي أن عثمان بن حنيف قد قسّم الممولين إلى طبقات حسب المقدرة المالية لكل منهم، وأخضع كل طبقة لمقدار معين على النحو التالي:
الفئات غير القادرة ولا دخل لها معفاة من الجزية.
العامل بيده مثل الخياط عليه اثني عشر درهمًا سنويًّا.
المتوسط من أهل التجارة والصناعة عليه أربعة وعشرين درهمًا.
الموسرون من أهل التجارة والصناعة على كل واحد ثمانية وأربعين درهمًا سنويًّا.
ومن ذلك نرى أن الطبقات غير القادرة أي: الفقراء معفون من الجزية؛ لأنهم عاجزون عن دفعها، ولا واجب مع عجز، وإعفاء غير القادرين من أداء الجزية من الممكن أن نعتبره مقابلًا لإعفاء ما دون النصاب في الزكاة، كما سبق توضيح ذلك وهذا الإعفاء فيما نعتقد لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل الأعباء المالية المقررة في الدولة؛ وذلك لأن التكليف إنما يكون بما في الوسع والطاقة، والفقير لا طاقة مالية له، فإعفاؤه من أداء الجزية لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بالجزية.
ومن الأمور التي تراعى بالنسبة لظروف الممول، إعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة من الجزية، إن ضمان حد الكفاية والذي سبق ذكره حين الكلام عن المساواة في الزكاة يجب توافره لكل مواطن يعيش في مجتمع إسلامي أيًّا كانت ديانته وأيًّا كان جنسه، وهذا قد تعرض له بالتفصيل دكتور/ محمد شوقي الفنجري في كتابه (الإسلام والمشكلة الاقتصادية) صـ67 وما بعدها.
وتطبيقًا لذلك نجد أن حكام المسلمين كانوا يقدرون الجزية باعتبار ما يبقى في أيدي الناس من دخلهم بعد نفقاتهم كما حدث في بلاد العراق والجزيرة، فقد حدد الفاتحون دينارًا على كل رأس، فلما تولى الحكم الخليفة عبد الحكم بن مروان
استقل ذلك فبعث إلى عامله هناك فأحصى الناس وحسب ما يكسب العامل في سنته كلها وطرح من ذلك نفقته في طعامه وأدمه وكسوته وطرح أيام الأعياد في السنة كلها فوجد الذي يحصل بعد ذلك أربعة دنانير لكل واحد، فألزمهم دفعها، فطرح النفقة في الطعام والكسوة من الممكن أن نعتبره من الحاجات الأصلية للمكلف، وهذا معناه أن ما يجب على المكلف بالجزية ينبغي أن يكون فيما زاد عن حوائجه الأصلية هو، ومن تلزمه نفقتهم كما هو الأمر بالنسبة للزكاة كما رأينا سابقًا، وهذا الإعفاء فيما نعتقد لا يتعارض مع مبدأ المساواة في هذا الشأن؛ لأن حاجة الإنسان مقدمة على حاجة غيره، وكذلك حاجة أهله وولده ومن يعولهم بمنزلة حاجة نفسه فكيف نطلب الجزية من المكلف الذي يحتاج إلى ما معه ويتعلق قلبه به لمسيس الحاجة إليه، وقد رأينا فيما سبق أن المقصود بالمساواة في هذا الصدد أن يتحمل كل فرد قدرًا من الأعباء المالية يتفق مع مقدرته المالية على الأداء، ولا شك أن الشخص الذي يكون في حاجة ماسة إلى المال الذي معه ليست لديه مقدرة مالية على أداء الجزية، وبالتالي فإعفاؤه منها لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين بالجزية في تحمل أدائها كل حسب مقدرته المالية، لكن مما تجب ملاحظته هنا أن الجزية لم تعد موجودة في العصر الحديث، يرى بعض الفقهاء أن الجزية تجب على أهل الذمة بدلًا عن عدم قيامهم بالدفاع عن الدولة الإسلامية حيث إنهم لا يصلحون للدفاع عنها بسبب كفرهم؛ لأنهم قد يميلون إلى من يحارب المسلمين لاتحادهم معهم في الدين، فالجزية تؤخذ منهم للإنفاق على الجنود الذين يدافعون عن الدولة الإسلامية، لكن إذا ظهرت صلاحية أهل الذمة للدفاع عن الوطن مع المسلمين، وذلك بإخلاصهم