الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حجيه السنة بجميع أنواعها
وإذ قد قررنا أن السنة مصدر تشريعي معتبر في جميع الأحكام الشرعية وأن الأحكام السياسية والدستورية في النظام الإسلامي هي جانب من الأحكام الشرعية العملية فإننا نقرر في هذا الصدد وبارتياح تام أن السنة تعتبر مصدرًا لهذه الأحكام كغيرها تمامًا، بلا فرق في هذا بين السنة المتواترة، والسنة المشهورة، وسنة الآحاد، ويظهر هذا في تلك الوثيقة المكتوبة التي عرفت باسم دستور المدينة، أو ما يطلق عليها الصحيفة وهي الأساس في المرحلة الأولى لنشأة الدولة الإسلامية في حقوق الحاكم وحقوق الرعية وتنظيم المجتمع والدولة، وكذلك تتردد في نصوص السنة المطهرة كلمات: الراعي، والرعية، والبيعة، والإمارة، والطاعة للأمير، وفيها تشريعات في حقوق الحاكم ومسئوليته، وحقوق الأفراد، وحرياتهم، والسيادة، والسلم، والحرب، والمعاهدة، والقضاء والشورى، ومركز الأقليات الدينية، وغير ذلك مما يدخل في صميم الأحكام الدستورية، والسياسية بالمصطلح المعاصر. ومعنى ذلك: أن السنة إنما أيضًا مثل القرآن الكريم تعتبر مصدرًا من مصادر الأحكام الدستورية والسياسية في الدولة الإسلامية؛ لأنه كما قلنا: ذكرت أمور هي من صميم النواحي الدستورية والسياسية -كما قلنا- مثل: الإمارة والطاعة للأمير وغير ذلك وحقوق الأفراد وحرياتهم وعلاقة المسلمين بغيرهم في السلم والحرب وغير ذلك.
لذا فإنا نعجب غاية العجب مما ذهب إليه أحد الكاتبين المحدثين من عدم الاحتجاج بسنة الآحاد في ميدان الأحكام السياسية والدستورية.
قلنا: إن السنة سواء كانت سنة متواترة أو سنة مشهورة أو سنة آحاد إنما هي مصدر للأحكام الدستورية والسياسية في الدولة الإسلامية، لكن بعض الكتاب المحدثين في العصر الحالي بدأ يعني: يعارض في هذا ويرى أن سنة الآحاد لا تكون، أو لا تصلح أن تكون مصدرًا للأحكام الدستورية والسياسية في الدولة الإسلامية.
نقول: نعجب غاية العجب مما ذهب إليه هذا البعض من عدم الاحتجاج بسنة الآحاد في ميدان الأحكام السياسية والدستورية، ولكنا إذا التمسنا عذرًا لهذا الكاتب بكونه من غير المختصين بعلوم الحديث والسنة أو المتمرسين في الدراسات الإسلامية، ولذلك فكلامه لا يعدو أن يكون مجرد رأي لصاحبه، فقد ينتهي الأمر عند هذا، إنما هذا لا يمنعنا على كل حال من طرح بعض أفكار هذا المؤلف القانوني المعروف باسم الدكتور/ عبد الحميد متولي، وهو دكتور في القوانين الدستورية في كليات الحقوق، نقول: ينبغي علينا أن نعرض لبعض أفكاره لنتبين ما في هذه الأفكار من الاشتباه ونصحح ما يجب تصحيحه منها.
وخلاصة رأي الدكتور في هذا والدكتور كتب ذلك الدكتور عبد الحميد متولي في كتاب أسماه (مبادئ نظام الحكم في الإسلام) صفحة 188 وما بعدها.
خلاصة رأي الدكتور عبد الحميد متولي ومناقشة فيه:
يرى الأستاذ الدكتور عبد الحميد متولي أنه في مقام القانون الدستوري لا يجوز أن نأخذ بسنة الآحاد حين تكون مستقلة، أي: حين تأتي بأحكام أو مبادئ جديدة لم ينص عليها في القرآن وذلك للاعتبارين التاليين:
1 -
أهمية الأحكام الدستورية وخطورتها.
2 -
أن سنة الآحاد غير يقينية.
الدكتور عبد الحميد متولي لا يأخذ بسنة الآحاد بالنسبة للأحكام الدستورية، ويبرر عدم أخذه بسنة الآحاد بالنسبة لهذه الأحكام الدستورية بقوله: أهمية
الأحكام الدستورية وخطورتها، يعني: بسبب هذه الأهمية والخطورة، فلا يصلح أن تثبت بسنة الآحاد، وأيضًا يقول: بأن سنة الآحاد غير يقينية.
ثم يتابع الأستاذ حديثه فيوضح الأمر، فيقول: إن الأحكام المتعلقة بالقانون الدستوري هي على قسط كبير من الأهمية والخطورة؛ لأنها تتعلق بالنظام السياسي للدولة، أي: ينظام الحكم فيها، وبيان حريات الأفراد وحقوقهم الأساسية إزاء الدولة، لذلك لم يكن من المقبول أن نأخذ بالسنة في هذا المقام إلا إذا كانت يقينية، أي: متواترة أو على الأقل سنة مشهورة.
ففي مثل هذه الشجون التي تنطوي على مثل تلك الأهمية والخطورة يعد عدم شهرة السنن قرينة قوية على عدم صحتها، أي: على عدم صدورها حقًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
هذا هو نص كلام الدكتور/ عبد الحميد متولي، والذي نود أن نناقش به الأستاذ الفاضل هو: هل تخرج الأحكام الدستورية والسياسية عن كونها أحكامًا شرعية يحتج في صددها بما يحتج بها في بقية الأحكام؟ ومن بين ذلك -بطبيعة الحال- سنة الآحاد متى صحت نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن رواها العدل الضابط عن مثله إلى منتهاها، ولم يكن الحديث شاذًا ولا معللًا بعلة تقدح فيه.
يعني: ما دمنا نستدل بسنة الآحاد في الأحكام الأخرى غير الدستورية ينبغي علينا أن نحتج بها في الأحكام الدستورية أيضًا، وتكون مصدرًا للأحكام الدستورية أيضًا، مادام الذي رواها يتصف بالعدل والضبط، وما ذهب إليه الأستاذ الفاضل لا يصح في مقام الشريعة الإسلامية التي لا تعتبر أي ميزة لأحكام القانون العام على أحكام القانون الخاص، فكل حكم شرعي قام الدليل على طلبه -على أي نحو- كان وجب الوقوف عنده.
والفقهاء الذين تطلبوا في سنة الآحاد شروطًا خاصة للعمل بها كالمالكية والحنفية على ما ذكرنا، فليس يترتب على تخلف هذه الشروط في نظرهم رد سنة الآحاد جملة وتفصيلًا، وإنما هم يحتجون في سنة الآحاد في كثير من الأحكام باستثناء بعض الأحاديث القليلة النادرة التي تخالف ما اشترطوه في العمل بهذه السنة.
وهل تصل أحكام القانون السياسي والدستوري في خطورتها إلى مستوى العقائد التي ارتأى علماء الأصول والفقه: أنه لا يكفي إثباتها غلبة الظن الذي تفيده سنة الآحاد، وإنما يلزم أن يكون دليل إثبات العقائد يقينيًا؛ لأن الظن في هذا الصدد لا يغني من الحق شيئًا؟
أعتقد أن أحكام القانون السياسي والدستوري لا تصل إلى مرتبة العقائد حتى نشترط لها أحاديث تفيد اليقين، مثل: الأحاديث المتواترة.
على أنا نلاحظ: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو صاحب الشرع ومؤسس دولة المسلمين قد تواتر عنه إرساله الرسل والقضاة والأمراء إلى الأفاق وإلى الدول المجاورة، وكانوا مع ذلك آحادًا، ولم يقل أحد بأن هذا الإرسال غير صحيح، بل كان أهل البلدان المختلفة يلتزمون بتلك الأحكام التي يبلغهم إياها الرسل والأمراء والقضاة من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن خبر الواحد حجة ملزمة لما التزموا بذلك.
وأيضًا فقد ذكر الشافعي في (الرسالة) ما يفيد الاحتجاج بخبر الواحد من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال عليه السلام: ((نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى منه أفقه منه)) قال الشافعي فلما ندب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها من عبد واحد دل على أنه عليه السلام لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه.
إذن: معنى ذلك أن هذه الأحاديث -أحاديث الآحاد- يبين لنا الإمام الشافعي أنه يحتج بها، أليست هذه الأعمال كإرسال الرسل، والأمراء والقضاة، ونحو ذلك من صميم المسائل الدستورية والسياسية التي يدعي الدكتور/ عبد الحميد متولي أنها على درجة كبيرة من الخطورة والأهمية، ومن ثم ينتهي إلى أنه لا يكتفي في إثباتها بسنة الآحاد لأنها غير يقينية؟
نقول: إرسال الرسل والأمراء والقضاة التي تعتبر من المسائل الدستورية والسياسية تخالف ما ذهب إليه الدكتور عبد الحميد متولي، وبذلك لم يكن على صواب فيما ذهب إليه من عدم الاعتماد -أو عدم الأخذ- بسنة الآحاد في الأحكام الدستورية.
إننا نذكر هنا أو نذكّر هنا بما سبق أن أشرنا إليه من أن الأحكام الشرعية التي لا تتصل بالعقيدة يكفي في شأنها غلبة الظن فقط، ومن ثم يجب العمل بهذه الأحكام عند ذلك؛ لئلا تتعطل الأحكام لندرة القواطع وقلة مدارك اليقين، وإنما تطلب العلماء في مجال العقيدة أن يكون دليل الإثبات يقينًا؛ لأن الظن لا يغني في هذا المجال كما ذكرنا.
ولكي يكون دليل إثبات العقائد معلومًا من الدين بالضرورة، حتى يترتب الكفر عند رده أو عدم العمل به، ولذلك قرر العلماء: أن من أنكر سنة متواترة قطيعة في دلالاتها فقد أنكر معلوم من الدين بالضرورة، ومن ثم يحكم بكفره؛ لأنها تفيد القطع واليقين في صحة نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أنكر سنة آحاد أو جحدها يكون عاصيًا وليس كافرًا؛ لأنها تفيد الظن الراجح في نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقل أحد -على الإطلاق- من أهل العلم المعتبرين: بأن سنة الآحاد لا تصلح لابتناء أي نوع من الأحكام الشرعية عليها فيما عدا العقائد كما ذكرنا.
وهذا هو الذي قرره الإمام أبو حامد الغزالي حين ذكر في (المستصفى) أن خبر الواحد لا تثبت به الأصول، أي: أصول الدين وعقائده، فهذه لا تثبت إلا بالدليل القطعي من القرآن أو السنة المتواترة.
وأما ما عدا ذلك فسنة الآحاد تعتبر مصدرًا تشريعيًا في جميع المعاملات بلا استثناء ومنها مسائل السياسة الشرعية أو الأحكام السياسية والدستورية.
وبناء على ذلك: فليس بصحيح ما ذهب إليه الدكتور/ عبد الحميد متولي من الفهم الخطأ لعبارة الغزالي على أنها تعني: أن خبر الواحد لا تثبت به الأصول، أي: أصول الأحكام الشرعية مطلقًا، أي: مصادرها، فليست سنة الآحاد -إذن- في منطق الدكتور متولي من بين مصادر الأحكام الشرعية، ولا يسعفه في ذلك ما نقله عن الغزالي الذي فهم عبارته خطأ، أولًا، وثانيًا: لأن الغزالي في كتبه المختلفة إنما يحتج كثيرًا بسنة الآحاد، وأحيانًا يحتج بأحاديث ضعيفة من هذه السنة، ويقدمها على الأخذ بالرأي.
وليس بصحيح -أيضًا- ما ذهب إليه الدكتور متولي من: أنه لا يجوز العمل بسنة الآحاد في مقام القانون الدستوري؛ لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يأخذان بالحديث في مقام التشريع، ولو كان تشريعًا عاديًا أي غير دستوري، إذا كان راوي الحديث صحابيًا واحدًا، بل كان كل منهما يطلب على سبيل التيقن من صحة الحديث من يشهد مع الراوي؛ لذلك كان من الطبيعي والضروري أن نتخذ بصدد التشريعات الدستورية من أسباب الحيطة والتيقن ما يفوق كثيرًا ما نتخذه بصدد التشريعات العادية، لاسيما بعد أن انقضى على عهد الرسول العديد من القرون، ودخل على رواية الحديث الكثير من دروب الكذب والتحريف.
هذا هو كلام الدكتور/ عبد الحميد في كتابه (مبادئ نظام الحكم في الإسلام) صـ190 وما بعدها.
هو يستند في ذلك إلى أن سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر -رضوان الله تبارك وتعالى عنهما- كانوا لا يأخذون بالحديث إذا كان يقول به صحابي واحد، بل يسألون عن أشخاص آخرين، ربما سمعوا هذا الحديث، فهو يقول: مادام أبو بكر وعمر كانوا لا يعتمدون ولا يأخذون بهذا الحديث إلا بالرجوع والسؤال عن مدى صحة الحديث عند غير الذي قال به، يقول: بالقياس على ما فعله أبو بكر وما فعله عمر ينبغي علينا ألا نأخذ بسنة الآحاد في أمور مهمة، مثل الأحكام الدستورية في الحكم.
ويرد على ذلك ونقول ما ذهب إليه المؤلف الفاضل غير صحيح؛ لأن المعروف عن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا: إذا ثبت عندهم الحديث فإنهم يحتجون به، وقد كانوا يعملون بخبر الواحد، وتواتر عندهم ذلك، وما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه فإنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض أو فوات شرط، لا لأنهم يرفضون العمل بسنة الآحاد أصلًا كما فهمه خطأ ذلك المؤلف الذي يتصور أن حديث الآحاد هو ما رواه واحد فقط، وهذا بطبيعة الحال ينم عن جهل فاضح بسنة الآحاد التي لم تتوافر لها شروط التواتر أو الشهرة على مصطلح الحنفية.
على كل حال: يتضح من هذا أن الدكتور ما فهم معنى سنة الآحاد؛ ولذلك هو نظر إلى أنه بعض الأحيان كان سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر عندما يخبرهم أحد الصحابة بالحديث إنما كانوا لا يقتنعون بذلك ويسألون الصحابة الآخرين: هل سمعتم هذا الحديث أم لم تسمعوه؟ إنما فعل ذلك الإمامان الجليلان من أجل وجود معارض لما يؤدي إليه هذا الحديث فهم فقط
يريدون أن يتأكدوا من ذلك، ويريدون أن يزيلوا هذا التعارض، لكن عندما يتأكدون من صحة هذا الحديث ليس معناه: أنهم لا يأخذون بسنة الآحاد، فقد كانوا يأخذون بسنة الآحاد، وسنة الآحاد ليس بلازم أن يرويها واحد كما فهم ذلك الدكتور عبد الحميد متولي، ولكن قد يكون واحد أو اثنين أو ثلاثة، المهم: لم يبلغوا درجة التواتر الذي تستحيل أو تستحيل العادة أو تحيل العادة تواطئهم على الكذب.
وليس بصحيح كذلك ما ذهب إليه الدكتور متولي من عدم الاحتجاج بسنة الآحاد في مقام القانون الدستوري؛ لأن أبا حنيفة رضي الله عنه كان لا يقبل أحاديث الآحاد، إذ كان لا يقبل سوى الأحاديث المشهورة، وكان ذلك راجعًا لانتشار الوضع في الحديث، يعني: الإمام أو الدكتور متولي يقول: لا نأخذ بسنة الآحاد ويستدل على ذلك بأن الإمام أبو حنيفة كان لا يقبل أحاديث الآحاد، فما دام الإمام أبو حنيفة كان لا يأخذ بأحاديث الآحاد -الدكتور متولي يقول هذا- يقول: مادام الإمام أبو حنيفة كان لا يقبل أحاديث الآحاد.
فأيضًا نقول: قياسًا على ما ذهب إليه لا نأخذ أيضًا بهذه الأحاديث نقول: أولًا: هذا النقل عن الإمام أبي حنيفة، وهو: أنه لا يقبل أحاديث الآحاد هو في الواقع نقل غريب عن أبي حنيفة لم يقل به أحد من العلماء، إذ المقرر عند العلماء في مجال الاحتجاج بخبر الواحد هو ما يلي:
ذهب الخوارج والمعتزلة إلى عدم الاحتجاج بخبر الواحد؛ لأنه لا يفيد العلم المقطوع به، وذهب داود الظاهري إلى الأخذ بأحاديث الآحاد وأنه يفيد العلم والعمل جميعًا، وقد اختار هذا الرأي ابن حزم وانتصر له كثيرًا في كتابه (الأحكام) وحكي هذا أيضًا: عن مالك وأحمد، وهو رأي كثير من علماء الحديث؛ لأن الحكم الذي يوجب العمل به يوجب العلم اليقيني.
وذهب جمهور الفقهاء من العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى: وجوب العمل بخبر الواحد مع كونه لا يفيد إلا الظن الراجح فقط، لأنه لا تلازم بين وجوب العمل وإفادة العلم، ولأن الظن الراجح كافٍ في الأمور العملية.
فإذن: وجدنا -إذن- الجماعة الأحناف مع جمهور الفقهاء الذين يقولون بوجوب العمل بخبر الواحد، معنى ذلك: أن نقل الدكتور عبد الحميد متولي عن الإمام أبي حنيفة، وأنه كان لا يأخذ بسنة الآحاد هذا النقل مشكوك فيه وغير سليم.
وكذلك فالمنقول عن الحنفية في كتبهم: أنهم يجعلون السنة في المرتبة الثانية بعد القرآن فهي المصدر الثاني للتشريع، سواء كانت متواترة أو مشهورة أو أحادية إذا جاءت على شروطهم، ولا يلجأون إلى الرأي والقياس إلا إذا لم يجدوا في المسألة حديثًا، بل المعروف عن الحنفية أنهم يقدمون الحديث الضعيف على الرأي والقياس، وكذلك يقدمون قول الصحابي على الرأي والقياس أيضًا، فهل يظن بمن كانت هذه أصوله في استنباط الأحكام: أنه يرد سنة الآحاد جملة كما فهمه خطأ الدكتور متولي؟ هذا أمر غير صحيح.
وهناك شبهة ألأخيرة ذكرها الدكتور عبد الحميد متولي، وهي: أن صحيح البخاري قد تعرض للنقض من بعض علماء الحديث، كالإمام أحمد الذي لم يشهد بالصحة لأربعة أحاديث مما جمعه البخاري، وكذلك قد انتقد العلماء الآخرون مائة وعشرة من أحاديث البخاري، والإمام مسلم لم يوافق البخاري على جميع ما جمعه من الأحاديث، بل اختلف معه فيها، والعلماء يرون: أن صحيح البخاري لا يفيد إلا الظن فقط.
وهذا كلام فيه من التعميم ما لا يناسب طبيعة البحث العلمي، فضلًا عن أن بعضه غير صحيح مطلقًا، وبيان ذلك من ناحيتين:
أولًا: من المسلم به أن أحاديث البخاري صحيحة، ومنها ما هو متواتر وما هو مشهور وما هو سنة آحاد، وإذا كان بعض العلماء قد انتقد البخاري فيما جمعه من بعض الأحاديث، فهذا لا يعني الطعن في صحة هذه الأحاديث، وإنما معناه: أنهم كانوا يختلفون في مدى حكمهم على السنة ومدى رأيهم في رجال هذا السند، فهذا أمر راجع لاختلاف معايير الضبط والصحة التي تتفاوت عند علماء الحديث، فالشروط التي وضعها البخاري مثلًا: تختلف عن تلك التي وضعها مسلم، وهذه أمور لا تقلل من قيمة صحيح البخاري أو صحيح مسلم، بل قد قرر العلماء أن أعلى درجات الصحة في الحديث تكون فيما اتفق عليه البخاري ومسلم.
وقد جمع الأستاذ/ محمد فؤاد عبد الباقي من هذه الأحاديث ما أسماه بكتاب (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) فالأحاديث التي وردت في هذا الكتاب هي عبارة عن ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ولذلك فيه في أقصى درجات الصحة، ويليها في ذلك ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطيهما، ولم يخرجاه.
ثانيًا: بالنسبة لمسألة الظن والقطع في صحيح البخاري فليس هذا حكمًا يلقى على عواهنه كيفهما اتفق؛ لأن المقرر لدى أهل العلم أن الذي يفيد القطع من السنة هو الحديث المتواتر، سواء كان في صحيح البخاري أو في غيره، وأما الحديث المشهور فهو يفيد ظنًا يقرب من الطمأنينة ولا يرقى إلى مستوى اليقين الذي يفيده الحديث المتواتر، وأما الذي يفيد الظن فهو سنة الآحاد، سواء كانت في (صحيح البخاري) أو في غيره، وهي على كل حال تكفي لوجوب العمل في غير مجال الاعتقاد؛ لأنه لا تلازم كما ذكرنا بين وجوب العمل ووجوب العمل، بل يكفي