الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكفاءة، والخبرة، فقد أسند أبو بكر رضي الله عنه القضاءَ إلى عمر، كما أسند إلى أبي عبيدة أمانة بيت المال، وأسند إلى علي بن أبي طالب الإشراف على أسرى الحرب، وكذلك فعل عمر بن الخطاب، إذ احتفظ لنفسه بأعمال الخزانة، ووزع الأعمال على أصحاب الكفاءة، كل حسب خبرته، وأعلن ذلك بين الناس قائلًا: من أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن القرآن فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنًا، وقاسمًا.
المنهج الإسلامي في الرقابة
ثم نتحدث الآن عن المنهج الإسلامي في الرقابة، فنقول:
الرقابة بالمعنى العام هي متابعة ما يحدث؛ للتأكد من أنه يتم وفقًا للخطط الموضوعة.
والرقابة وفقًا للمفهوم الإداري: هي العملية التي ترى بها الإدارة هل الذي حدث كان من المفروض أن يحدث؟ وإذا لم يكن كذلك فلا بد من إجراء التعديلات الضرورية.
والمفهوم الإسلامي للرقابة أنها عملية مستمرة، تقع على عاتق جميع العاملين بالمنظمة، ولا تختص بها جهة واحدة، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)).
ويمكن القول أن هناك ثلاثة مصادر للرقابة في الإسلام هي: الرقابة الإلهية، الرقابة الذاتية، الرقابة العامة.
ونتحدث الآن عن الرقابة الإلهية فنقول:
المصدر الرئيسي للرقابة هو الرقابة الإلهية، وتنبع هذه الرقابة من إحساس المسلم بأن تصرفاته -وإن خفيت على الأجهزة الرسمية، أو على المجتمع- فإنها لا تخفى على الله سبحانه وتعالى بل ستكون مصدر ثواب، أو عقاب، يوم القيامة، يقول تبارك وتعالى:{يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} (الحاقة: الآية 18) ويقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} (آل عمران: الآية 5) ويقول تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} (غافر: من الآية: 16) ويقول تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} (البقرة: من الآية: 284) والمسلمون جميعًا يوقنون بهذه الحقيقة، ويعلنونها دائمًا {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} (إبراهيم: من الآية: 38).
وأما بالنسبة للرقابة الذاتية فنقول:
يتميز المنهج الإسلامي باهتمامه بالأشكال المختلفة للرقابة، إلا أنه يعطي اهتمامًا أكبر للرقابة الذاتية النابعة من الضمير، ويعدها أنجح الأساليب الرقابية، والضمير هو صوت الله الحي الكامن في الإنسان، ويعرفه البعض بأنه: كل نزعة خيرية كامنة في الإنسان بالفطرة، ولقد وضع الإسلام في المسلم ضميرًا حيًّا لا يموت أبدًا؛ إذ ربط المسلم بالله سبحانه وتعالى برباط دائم لا نهاية له، وصلة قربى لا مسافة فيها، يقول تعالى:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (البقرة: من الآية: 115) ويقول تعالى: {وَهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} (المجادلة: من الآية: 7) ويقول صلى الله عليه وسلم: ((اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) ويقول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).
وفي مجال العمل ينبهنا الضمير الإنساني دائمًا إلى قول الله تعالى: {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة: 105).
والرقابة الذاتية تجعل الفرد هو الذي يقوِّم نفسه، ويصحح أخطاءه، ويحاول قدر الجهد إتقان العمل المنوط به، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم-محاولًا تنمية هذه الرقابة في النفس الإنسانية: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبو ويقول: زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ويقول: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
وأما بالنسبة للرقابة العامة فنقول:
عرف الإسلام الرقابة العامة بمفهوميها المعاصرَين: الرقابة الإيجابية التي تحاول تفادي الأخطاء قبل وقوعها، والرقابة السلبية التي تعاقب على الأخطاء التي تقع وتحاسب عليها، والرقابة العامة في الإسلام تنبع من مفهوم أن النفس أمارة بالسوء، ومن ثم فهي في حاجة إلى من يراقب أعمالها، ويردعها إن لم ترتدع بالضمير الداخلي، إلا أن الإسلام كان سبَّاقًا في الأخذ بمفهوم الرقابة الإيجابية، والأثر الإسلامي المشهور الذي يقول: الوقاية خير من العلاج كان هو المرجع بمفاهيم الرقابة الإيجابية في مدارس الفكر المعاصر.
والرقابة الإيجابية هي رقابة فعالة تهدف إلى اكتشاف الأخطاء في الوقت المناسب، أو تقديرها قبل وقوعها، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لمنع وقوعها، وهذا النوع من الرقابة يعد مدخلًا تعاونيًّا بين الإدارة، والقائمين بالتنفيذ؛ إذ إنها تحاول
التعرف على نقاط الضعف في التنظيم، وترفع بذلك التقارير إلى المسئولين، حتى يمكن لهم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة هذا الضعف، قبل أن يؤثر على أهداف التنظيم.
أما الرقابة السلبية فهي التي تظهر الأخطاء التي وقعت فعلًا، وتكشفها أمام المسئولين؛ لاتخاذ إجراءات العقاب على من تسببوا فيها.
والإسلام في مفهومه للرقابة السلبية يفرق بين نوعين من الأخطاء: فهناك الأخطاء المتعمدة التي قُصد بها الإساءة إلى التنظيم، وهذه يجب أن تؤخذ بالشدة الرادعة، والعقاب الشديد، وهناك الأخطاء العادية الناجمة عن كثرة العمل، أو بسبب عدم الفهم للتعليمات، أو بسبب الطبيعة الإنسانية كالسهو، والنسيان، وغيرها، وهذه تعالج بالتوجيه، والتنبيه، والتوعية، ويلخص القرآن الكريم هذه المعاني في كلمات دقيقة، وبليغة، فيقول:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} (الأحزاب: من الآية: 5).
والرقابة العامة في الإسلام -كما نراها- تنقسم إلى رقابة داخلية، ورقابة خارجية، فالرقابة الداخلية نعني بها رقابة جهة الإدارة، وقد عُرف هذا النوع من الرقابة منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي طبق هذا الأسلوب الرقابي في شكلين:
1 -
إرسال من يثق في نزاهتهم لمتابعة أعمال الرعاة، والولاة في الأقاليم.
2 -
تحقيق الشكاوي التي ترسل إليه من المسلمين ضد ولاة الأمر.
هذا إلى جانب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع بعض القواعد الفعالة التي تكفل له تحقيق الرقابة الكاملة على عماله، ومنها ارتياد منازل المسلمين، وتفقد أحوالهم، وتعهد أهل البؤس والفاقة منهم،
وأيضًا في موسم الحج كان يجتمع بالعمال، ويناقشهم في أعمالهم، ويحذرهم من تعدي حدود الله تبارك وتعالى وأيضًا كان الرسول يأمر عماله في الأقاليم عند دخول المدينة أن يدخلوها نهارًا؛ ليرى الناس جميعًا ما يحملون من أموال، أو هدايا.
وأما بالنسبة للرقابة الخارجية فقد اشتملت في الإسلام على نوعين: رقابة شعبية، ورقابة قضائية.
فبالنسبة للرقابة الشعبية: نعني بها رقابة الشعب على الجهاز الإداري للدولة من القمة إلى القاعدة؛ إذ إن كل مواطن له الحق في مراقبة هذه التصرفات، ونقدها نقدًا بنَّاءً بما يحقق الصالح العام، وفي النظام الإسلامي تجلت الرقابة الشعبية في المفهوم الاسمي في أسلوب الحسبة، الذي أخذ به الإسلام، وأوجب على المحتسب أن يراقب أعمال الخلفاء، والولاة، ورجال الدين، وقد جعل الإسلام الحسبة فرض كفاية على العامة؛ إذ يجب على الجميع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه جعله فرض عين على أناس بحكم مناصبهم، يقول صلى الله عليه وسلم:((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
وأما بالنسبة للرقابة القضائية:
فقد عرف الإسلام الرقابة القضائية، متمثلة في ناظر المظالم الذي كان يباشر أعمال الرقابة الإدارية، وكانت له في هذا الشأن عدة اختصاصات نذكر منها:
1 -
النظر في تعدي الولاة على الرعية.
2 -
جور العمال فيما يجبونه من أموال.
3 -
محاسبة كتاب الدواوين فيما أوكل إليهم من إثبات الأموال.