الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بينما كلب يطيف ببئر قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت خفها، فاستقت له، فسقته إياه، فغفر لها به)) فإذا كانت الرحمة بكلب تغفر ذنوب البغايا، فإن الرحمة بالبشر لا شك تصنع العجائب، بل إن الإسلام شديد المؤاخذة لمن تقسوا قلوبهم على الحيوان، ويستهينون بآلامه، وقد بينا أن الإنسان -على عظم قدره- يدخل النار في إساءة يرتكبها مع دابة عجماء، يقول صلى الله عليه وسلم:((دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)).
والإسلام يدعو إلى الرحمة بأوسع معانيها مع المسلم وغير المسلم، مع الإنسان والحيوان كما رأينا.
وفي العلاقات الدولية يضرب المثل الأعلى في حالة الحرب، واستعمال الرحمة مع الأعداء، فلا يقتل النساء في حالة الحرب ما لم يشتركن في القتال، وكذلك لا يقتل الأطفال والشيوخ؛ فقد روي أن امرأة وجدت مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم:((فأنكر صلى الله عليه وسلم قتل النساء، والصبيان)).
وما أروع مظاهر الرحمة التي كانت منه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لما دخلها منتصرًا، وقريش قد ملأت المسجد صفوفًا، ينتظرون ماذا يصنع بهم؟ ثم قال:((يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} (يوسف: من الآية: 92) اذهبوا، فأنتم الطلقاء)).
أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
5 -
السلم أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وأحكام الدارين، ومقدمة عن المعاهدات في الإسلام
أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا -في المحاضرة السابقة- عن باقي الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام، وهي الحرية الدينية، والعدل، والوفاء بالعهد، والفضيلة، والتسامح، والرحمة.
وننتقل الآن إلى الحديث عن أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم، وهي السلم فنقول: الأصل في العلاقات الدولية في الإسلام هو السلم -وإذ يقرر الإسلام أن السلم أصل من أصول العلاقات الإنسانية بين الدول- لا يسمح للمسلمين أن يتدخلوا
في شئون الدول إلا لحماية الحريات العامة، وعندما يستغيث بهم المظلومون، أو يعتدي على المؤمنين بالإسلام دينًا؛ ففي هذه الحالات يمكن التدخل لمنع الفتنة في الدين.
إن الإسلام يحترم حق كل دولة في الوجود، وحقها في أن تكون سيدة نفسها، وحقها في الدفاع عن أراضيها، وسيادتها، لا فرق بين دولة متقدمة، وأخرى نامية، فالإسلام يريد السلامة، ولا يريد عدوانًا، ولا يريد استعلاءً في الأرض، يريد سلامًا بين العبد، وربه؛ فهو دائم الصلة دائم الخشية والمراقبة، ويريد السلام بين الشعوب، وبعضها، ويريد سلامًا بين الفرد ومجتمعه، إن القتل في الإسلام ما شرع إلا دفاعًا عن المسلمين، وأوطانهم، وأيضًا لتأمين حرية الدين، ومنع الاضطهاد فيه؛ فهو مشروع لحماية الدعوة ومنهجها في الحياة، بحيث يلجأ إليها كل راغب فيها لا يخشى قوة تتعرض له، أو تمنعه، أو أن تفتنه فالقتل، إنما وجب في مقابلة الحراب، لا في مقابلة الكفر -أي: أن القتل إنما يكون لمن يقاتله.
وهكذا نجد أن الإسلام يؤثر السلام على القتال، ولا يبيح القتال إلا في حالة الضرورة، وهي تعد استثناءً على فكرة الإسلام عن السلام، التي تكمن في قاعدة: السلم دائمًا، والحرب ضرورة؛ فالقتل ليس من طبيعة الإسلام، بل في طبيعته العفو والمسامحة؛ فمن لم يجب الدعوة، ولم يقاومها، ولم يبدأ المسلمين باعتداءٍ؛ لا يحل قتاله، ولا تبديل أمنه خوفًا، وما قرره الإسلام في ذلك طبقه المسلمون، وهناك الكثير من الأدلة التي تدل على أن الأصل في الإسلام في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، وليس الحرب؛ فمن القرآن الكريم -يقول تعالى:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: الآية: 190).
وجه الدلالة من الآية: أن الله سبحانه وتعالى أذن للمسلمين في القتال على أنه دفاع -في سبيل الله- للتمكن من عبادته، ثم أمرهم بعدم الاعتداء بالقتال، أو في القتال، أما عدم الاعتداء بالقتال؛ فيكمن في عدم مبادأة الكفار، وأما عدم الاعتداء في القتال؛ فيكمن في عدم قتل من لا يقاتل؛ كالنساء، والصبيان، والشيوخ، والمرضى، أو من ألقى إلى المسلمين السلم أو كف عن حربهم.
ونهى الله المسلمين عن الاعتداء؛ لأن الاعتداء من السيئات المطلوبة؛ فقد احتوت الآية على قواعد تشريعية تدل على روح المبادئ القتالية الإسلامية، منها: واجب المسلمين في قتال الذين يقاتلونهم وحسب.
عدم جواز بدئهم أحدًا غير عدوٍ، وغير معتدٍ بقتال.
واجب كفهم عن القتال حال ما ينتهي بموقف العدوان الذي وقع عليهم.
فالآية -وإن تضمنت الإذن الصريح بالقتال- إلا أنه مشروط بالدفاع، وعدم الاعتداء على الغير؛ لأن الاعتداء يسبب سخط الله، ومن القرآن أيضًا قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} (البقرة: من الآية: 208) ويقصد بالسلم -هنا- الصلح، فالآية تدل على أن الوفاء، والمصالحة ينبغي أن يسودا بين الناس، ويترك القتال.
ويستخلص من الآية: أيضًا أن إيمان المؤمنين يوجب عليهم أن يدخلوا في السلام مع غيرهم، ولا يعتدوا على أحدٍ لم يعتدي عليهم، ولا يقاتلوا من لم يقاتلهم، ومن القرآن أيضًا: قول الله تبارك وتعالى: {فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} (النساء: الآية: 90) وجه الدلالة: أن الله تعالى لم يأذن
للمسلمين في أخذ، وقتل الذين اعتزلوهم فلم يقاتلوهم، وألقوا إليهم السلم -أي: الصلح- وفي الآية مبالغة في عدم التعرض لهؤلاء الذين لم يقاتلوا المسلمين، وألقوا إليهم الصلح؛ حيث نفت جعل السبيل للمسلمين على هؤلاء الذين لم يقاتلوهم.
ومن القرآن الكريم أيضًا قول الله تبارك وتعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج: الآية: 39) وجه الدلالة أن الآية فيها إذن للذين يقاتلهم المشركين -بسبب ظلم المشركين لهم، لا بسبب كفرهم- فالآية تظهر لنا أن الظلم الذي توحي به -والذي وقع على المسلمين- إنما يكمن في مصادرة حرياتهم الدينية، والعدوان عليهم، وصدهم عن الدعوة إلى الله؛ فهم ظلموا، والمظلوم من حقه أن يدفع عن نفسه، ومن أجل هذا أذن الله لهم بالقتال دفاعًا عن أنفسهم -أي: أنه لا يثير المسلمين إلى القتال إلا ما يقع عليهم من ظلم يريدون دفعه.
هذه هي الأدلة من القرآن الكريم، والتي تدل على أن العلاقة بين المسلمين، وغيرهم أساسها السلم، وليس الحرب، وإذا رجعنا إلى السنة النبوية الشريفة؛ فنجد أن هناك كثيرًا من الأحاديث التي تؤيد هذا الاتجاه، والتي تجعل أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم إنما هو السلم، وليس الحرب يقول صلى الله عليه وسلم:((يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)) فالحديث يأمر المسلمين بمسالمة الحبشة والترك، وعدم التعرض لأي منهما طالما لم يتعرضا للمسلمين بقتال، أو غيره، ولا معنى لذلك إلا أن من سالم المسلمين فعليهم مسالمته، وعدم التعرض إليه بأذى.
ومن الأدلة أيضًا على أن العلاقة بين المسلمين، وغيرهم إنما هي قائمة على السلم، وليس الحرب.
أسباب الحروب التي خاضها المسلمون: فالمتتبع لغزوات