الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَحْدُودُ وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِيهَا الضَّرْبَ وَيُجْلَدَانِ قَاعِدِينَ.
وَلَا تُحَدُّ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ.
وَلَا مَرِيضٌ مُثَقَّلٌ حَتَّى يَبْرَأَ.
وَلَا يُقْتَلُ وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ وَلْيُعَاقَبْ.
وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ ذَهَبًا أَوْ مَا قِيمَتُهُ يَوْمَ السَّرِقَةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ
ــ
[الفواكه الدواني]
فِي أَبِي دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» .
وَقَيَّدْنَا الشَّارِبَ بِالْمُسْلِمِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِالْمُكَلَّفِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا لَا حَدَّ عَلَى الْغَالِطِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(تَنْبِيهٌ) تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ بِالشُّرْبِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْجَامِدَ الْمُسْكِرَ جِنْسُهُ لَا حَدَّ عَلَى مُسْتَعْمِلِهِ كَالتَّاتُورَةِ وَالْحَشِيشَةِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْحَدِّ بِهِ وَإِنْ اتَّفَقَ عَلَى حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِهِ لِوُجُوبِ حِفْظِ الْعَقْلِ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ، وَأَيْضًا لَا تَلْزَمُ بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْحَدِّ.
وَلَمَّا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ حَبْسِ الشَّارِبِ بَعْدَ الْحَدِّ وَكَانَ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ سَجْنِهِ قَالَ: (وَلَا سِجْنَ) وَاجِبٌ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الشَّارِبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَدِّهِ وَلَوْ تُكَرَّرَ مِنْهُ الشُّرْبُ وَلَا يُطَافُ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إذَا اُشْتُهِرَ بِالشُّرْبِ يُطَافُ بِهِ وَيُشَهَّرُ أَمْرُهُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْيَوْمَ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالتَّجْرِيسِ لِيَرْتَدِعَ بِذَلِكَ.
[صِفَةِ الْمَحْدُودِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْمَحْدُودِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ أَنْ (يُجَرَّدَ الْمَحْدُودُ) مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تُجَرَّدَ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِيهَا الضَّرْبَ) لِتُحِسَّ بِأَلَمِ الضَّرْبِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُجَرَّدْ كَالرَّجُلِ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، قَالَ: وَجُرِّدَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُجْعَلَ فِي قُفَّةٍ وَيُجْعَلَ تَحْتَهَا شَيْءٌ مِنْ تُرَابٍ وَيُبَلُّ بِالْمَاءِ لِأَجْلِ السَّتْرِ وَيُوَالَى الضَّرْبُ عَلَيْهَا وَلَا يُفَرَّقُ إلَّا أَنْ يُخْشَى مِنْ تَوَالِيهِ الْهَلَاكُ.
(وَ) مِنْ تَمَامِ الصِّفَةِ أَنَّهُمَا (يُجْلَدَانِ) حَالَةَ كَوْنِهِمَا (قَاعِدَيْنِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَالْحُدُودُ بِسَوْطٍ وَضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْنِ قَاعِدًا بِلَا رَبْطٍ وَلَا شَدِيدٍ بِظَهْرِهِ وَكَتِفَيْهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: صِفَةُ الضَّرْبِ فِي الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالْفِرْيَةِ وَالتَّعْزِيرِ ضَرْبٌ وَاحِدٌ ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ لَيْسَ بِالْمُبَرِّحِ وَلَا بِالْخَفِيفِ، وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ ضَمَّ الضَّارِبُ يَدَهُ إلَى جَنْبَيْهِ وَلَا يُجْزِئُ فِي الضَّرْبِ فِي الْحُدُودِ قَضِيبٌ وَشَرَاك وَلَا دِرَّةٌ وَلَكِنْ السَّوْطُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ دِرَّةً عُمَرَ لِلْأَدَبِ.
قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَصِفَةُ السَّوْطِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِلْدٍ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ لَهُ رَأْسَانِ وَأَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ لَيِّنًا، وَيَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ وَالْوُسْطَى وَلَا يَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ، وَيَعْقِدُ عَلَيْهِ عَقْدَ التِّسْعِينَ، وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُؤَخِّرُ الْيُسْرَى، وَصِفَةُ عَقْدِ التِّسْعِينَ أَنْ يَعْطِفَ السَّبَّابَةَ حَتَّى تَلْقَى الْكَفَّ وَيَضُمَّ الْإِبْهَامَ إلَيْهَا وَيَكُونَ الْمَضْرُوبُ قَاعِدًا فَلَا يُمَدُّ كَمَا يَفْعَلُهُ ظَلَمَةُ مِصْرَ، وَلَا يُرْبَطُ وَلَا تُشَدُّ يَدُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَضْطَرِبُ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ الضَّرْبُ مَوْقِعَهُ فَيَجُوزُ شَدَّهُ وَيَكُونُ الضَّرْبُ فِي ظَهْرِهِ وَكَتِفَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ خَلِيلٍ، وَيَكُونُ الْمُتَوَلِّي لِلضَّرْبِ شَخْصًا مُتَوَسِّطًا لَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَلَا الضَّعْفِ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تُجْلَدَ) وَلَا تُرْجَمَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا تُحَدَّ (حَامِلٌ) ظَاهِرَةُ الْحَمْلُ (حَتَّى تَضَعَ) لِئَلَّا يُسْرِي إلَى مَا فِي بَطْنِهَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنًا، وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهَا الْحَمْلَ بَلْ يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ فَإِنْ شَكَكْنَ فِي حَمْلِهَا أُخِّرَتْ لِتَمَامِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ وَطْئِهَا، وَهَذَا إذَا مَضَى لِزِنَاهَا نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ، وَإِلَّا جَازَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا لِانْتِفَاءِ حُرْمَةِ الْحَمْلِ حِينَئِذٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ الْمُسْتَرْسِلِ عَلَى وَطْئِهَا وَإِلَّا أُخِّرَتْ لِحَيْضَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُخِّرَتْ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ وَإِذَا وَضَعَتْ الْحَامِلُ فَإِنْ كَانَ حَدُّهَا بِغَيْرِ الْقَتْلِ أُخِّرَتْ حَتَّى تُتِمَّ نِفَاسَهَا وَتَجِدَ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا، وَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الْقَتْلَ فَبِمُجَرَّدِ وَضْعِهَا وَوُجُودِ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا وَيَقْبَلُهَا يُقَامُ عَلَيْهَا وَلَوْ فِي زَمَنِ نِفَاسِهَا.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ يُحَدَّ أَوْ يُعَزَّرَ (مَرِيضٌ مُثَقَّلٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ.
(حَتَّى يَبْرَأَ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ بِالْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَدُّهُ الْقَتْلَ وَلَوْ بِالرَّجْمِ لَا يُنْتَظَرُ،
وَلَمَّا كَانَ الزِّنَا وَطْءَ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ فَرْجَ الْآدَمِيِّ نَصَّ عَلَى غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْتَلُ) وَلَا يُحَدُّ أَيْضًا (وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَانٍ شَرْعًا.
(وَلْيُعَاقَبْ) بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَالْبَهِيمَةُ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ ذَبْحًا وَأَكْلًا، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ:«مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا» فَغَيْرُ ثَابِتٍ حَتَّى أَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَكَذَا تُعَاقَبُ الْمَرْأَةُ إذَا سَاحَقَتْ غَيْرَهَا أَوْ أَدْخَلَتْ شَيْئًا بَيْنَ شَفْرَيْهَا حَتَّى يَخْرُجَ مَنِيُّهَا، كَمَا يُعَاقَبُ الرَّجُلُ بِاسْتِمْنَائِهِ بِيَدِهِ لِحُرْمَةِ كُلِّ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي مَا لَمْ يُضْطَرَّ الرَّجُلُ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا جَازَ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ آذَى غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ أَذِيَّتُهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ، كَمَنْ سَبَّ غَيْرَهُ أَوْ ضَرَبَهُ أَوْ فَعَلَ مَعَهُ مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَالْحُكْمُ فِيهِ التَّعْزِيرُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَعَزَّرَ الْإِمَامُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ بِمَا يَرَاهُ زَاجِرًا مِنْ صَفْعٍ أَوْ نَزْعِ عِمَامَةٍ وَإِقَامَةٍ مِنْ الْمَجْلِسِ أَوْ ضَرْبٍ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ أَوْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَيْثُ فَعَلَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ لَا مَعَ عَدَمِ ظَنِّهَا فَيَضْمَنُ مَا سَرَى إلَى النَّفْسِ أَوْ إتْلَافِ عُضْوٍ، وَلَا يَكُونُ التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَالِ لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
[بَاب السَّرِقَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلِ الشُّرْبِ وَمَا مَعَهُ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَنْ السَّرِقَةِ وَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَخْذُ مُكَلَّفٍ حُرًّا لَا يَعْقِلُ لِصِغَرِهِ أَوْ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ نِصَابًا أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ بِقَصْدٍ وَاحِدٍ خُفْيَةً لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ
وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ قُطِعَ.
إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ.
وَلَا قَطْعَ فِي الْخُلْسَةِ.
وَيُقْطَعُ فِي ذَلِكَ يَدُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ.
ثُمَّ إنْ سَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَيَدُهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَرِجْلُهُ.
ثُمَّ إنْ سَرَقَ جُلِدَ وَسُجِنَ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ قُطِعَ.
وَإِنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ النِّصَابِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَأَخْرَجَ النِّصَابَ عَلَى مَرَّاتٍ، وَلَا عَلَى أَبٍ أَخَذَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ قَدْرَ نِصَابٍ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ خِفْيَةً عَمَّا لَوْ خَرَجَ جَهَارًا فَهَذَا يُسَمَّى مُخْتَلِسًا، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ الْخَائِنُ كَالضَّيْفِ وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ بِإِذْنٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّارِقَ مَنْ يَدْخُلُ خِفْيَةً وَيَخْرُجُ كَذَلِكَ، وَالْمُخْتَلِسُ مَنْ يَدْخُلُ خِفْيَةً وَيَخْرُجُ جَهْرَةً، وَالْخَائِنُ مَنْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ جَهْرَةً وَمَعَهُ إذْنٌ فَقَالَ:(وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ ذَهَبًا أَوْ) سَرَقَ (مَا قِيمَتُهُ يَوْمَ السَّرِقَةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ) سَرَقَ (وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ) خَالِصَةٍ (قُطِعَ) يَمِينُهُ مِنْ الْكُوعِ وَحُسِمَ بِالنَّارِ حَيْثُ كَانَتْ لَهُ يَمِينٌ سَالِمَةٌ مِنْ الشَّلَلِ وَمِنْ نَقْصِ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ،
وَبَيَّنَ شَرْطَ الْقَطْعِ بِقَوْلِهِ: (إذَا سَرَقَ) مَا ذُكِرَ وَأَخْرَجَهُ (مِنْ حِرْزٍ) مِثْلِهِ، وَهُوَ مَا لَا يُعَدُّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ هُوَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَطْعُ بِمَا ذُكِرَ وَلَوْ سَرَقَ النِّصَابَ عَلَى مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ حَيْثُ قَصَدَ أَخْذَهُ ابْتِدَاءً وَإِلَّا فَلَا لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا إنْ تَكْمُلْ بِمِرَارٍ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَيْضًا كَوْنُ السَّارِقِ مُكَلَّفًا قَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ فَيُقْطَعُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمُعَاهِدُ وَإِنْ لِمِثْلِهِمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شُرُوطٍ بَعْضُهَا فِي السَّارِقِ وَبَعْضُهَا فِي الْمَسْرُوقِ، فَشَرْطُ السَّارِقِ التَّكْلِيفُ وَكَوْنُهُ غَيْرَ رَقِيقٍ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ أَصْلٍ لَهُ كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ وَإِنْ عَلَيَا، وَكَوْنُهُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ إلَى الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ سَرَقَ مَالَ سَيِّدِهِ، وَلَا عَلَى أَصْلٍ سَرَقَ مَالَ فَرْعِهِ، وَلَا عَلَى مُضْطَرٍّ سَرَقَ طَعَامًا لِسَدِّ جَوْعَتِهِ، وَشَرْطُ الْمَسْرُوقِ إنْ كَانَ آدَمِيًّا أَنْ يَكُونَ طِفْلًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا لَا يَعْمَلُ لِصِغَرٍ أَوْ بَلَهٍ أَوْ بِكْرٍ، وَأَنْ يَكُونَ حِينَ سَرِقَتِهِ فِي حِرْزٍ أَوْ مَعَ حَافِظٍ، وَإِنْ كَانَ مَالًا فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ وَمُحْتَرَمًا وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ رَهْنَهُ أَوْ وَدِيعَتَهُ، وَلَا عَلَى مَنْ مَلَكَ النِّصَابَ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْدِيدِ نِصَابِ السَّرِقَةِ بِمَا ذُكِرَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» .
وَفِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ: «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» وَالْمِجَنُّ التُّرْسُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى الْقَطْعِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعَ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعَ يَدُهُ» وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى بَيْضَةِ الْحَدِيدِ، وَعَلَى حَبْلٍ تُسَاوِي قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَاعْتُبِرَ التَّقْوِيمُ بِالدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَسَوَاءٌ سَاوَتْ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمَ الرُّبْعَ دِينَارٍ أَوْ نَقَصَتْ، وَلِذَا لَوْ سَاوَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ الرُّبْعَ دِينَارٍ وَلَمْ تُسَاوِ الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعْ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ وُجِدَتْ الدَّرَاهِمُ فِي بَلَدِ السَّرِقَةِ وَإِنْ لَمْ يُتَعَامَلْ بِهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِ السَّرِقَةِ إلَّا الذَّهَبُ فَالتَّقْوِيمُ بِالذَّهَبِ، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ السَّرِقَةِ وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ خُفْيَةً بِقَوْلِهِ: (وَلَا قَطْعَ فِي الْخُلْسَةِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ خُفْيَةً وَالْخُرُوجُ بِهِ جَهْرَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا إنْ اخْتَلَسَ أَوْ كَابَرَ أَوْ هَرَبَ بَعْدَ أَخْذِهِ فِي الْحِرْزِ وَلَوْ لِيَأْتِيَ بِمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، أَوْ أَخَذَ دَابَّةً بِبَابِ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام:«لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ وَلَا خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» وَالْمُنْتَهِبُ كَالْغَاصِبِ وَالْخَائِنُ الَّذِي يُؤْذَنُ لَهُ فِي الدُّخُولِ كَالضَّيْفِ وَالْخُدَّامِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ حَيْثُ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ،
وَلَمَّا كَانَتْ الْحُدُودُ لَا يَفْتَرِقُ فِيهَا ذَكَرٌ مِنْ أُنْثَى قَالَ: (وَيُقْطَعُ فِي) سَرِقَةِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ تُسَاوِيهَا.
(يَدُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ) الْمُكَلَّفِينَ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَطْعِ ذُكُورَةٌ وَلَا حُرِّيَّةٌ وَلَا إسْلَامٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ فَيُقْطَعُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمُعَاهِدُ وَإِنْ لِمِثْلِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ مَنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ حَيْثُ سَرَقَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ، وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ لَكِنْ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُفِيقَ فَإِنْ قُطِعَ فِي حَالِ سُكْرِهِ أَوْ جُنُونِهِ فَالظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ،
وَلَمَّا كَانَ قَطْعُ السَّارِقِ مِنْ خِلَافٍ قَالَ: (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) سَالِمُ الْأَعْضَاءِ مِنْ الشَّلَلِ وَنَقْصِ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ مَرَّةً ثَانِيَةً.
(قُطِعَتْ رِجْلُهُ) الْيُسْرَى لِيَكُونَ الْقَطْعُ (مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ إنْ سَرَقَ) مَرَّةً ثَالِثَةً (فَيَدُهُ) الْيُسْرَى مُسْتَحِقَّةٌ لِلْقَطْعِ (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) مَرَّةً رَابِعَةً (فَرِجْلُهُ) الْيُمْنَى وَهَذَا كَمَا قَرَّرْنَا فِي سَالِمِ الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ أَعْسَرَ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَمِينَ لَهُ أَوْ لَهُ يَمِينٌ شَلَّاءُ أَوْ نَاقِصَةُ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى هِيَ الَّتِي تُقْطَعُ أَوَّلًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَمَرَ بِمَحْوِهِ وَإِثْبَاتِ قَطْعِ الْيَدِ الْيُسْرَى لِأَنَّ أَصْحَابَهُ ضَعَّفُوا الْمُثْبَتَ وَرَجَّحُوا الْمُمْحِقَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ الْقَطْعِ وَمَحَلُّهُ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ الْكُوعَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا وَفِي الرِّجْلَيْنِ مِنْ مَفْصِلَيْ الْكَعْبَيْنِ، وَإِذَا قُطِعَ فَإِنَّهُ يُحْسَمُ بِالنَّارِ أَيْ يَكُونُ مَوْضِعُ الْقَطِيعِ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ» وَالْحَسْمُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ الْكَيُّ، هَكَذَا بَيَّنَتْ السُّنَّةُ فَقَدْ خَصَّصَتْ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]