الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَا يَلْبَسُ النِّسَاءُ مِنْ الرَّقِيقِ مَا يَصِفُهُنَّ إذَا خَرَجْنَ،
وَلَا يَجُرُّ الرَّجُلُ إزَارَهُ بَطَرًا وَلَا ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَلْيَكُنْ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ أَنْظَفُ لِثَوْبِهِ وَأَتْقَى لِرَبِّهِ،
وَيُنْهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَهِيَ عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ يَرْفَعُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
يُوجَدْ، وَسَبَبُ اتِّخَاذِهِ صلى الله عليه وسلم الْخَاتَمَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى الْأَعَاجِمِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا كُلُّهُ مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ، وَقَدْ نَبَذَ خَاتَمًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ ذَهَبٍ وَاسْتَمَرَّ عَلَى لُبْسِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ إلَى أَنْ مَاتَ صلى الله عليه وسلم، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ فَصَّهُ مِنْهُ عَلَى مَا فِي الْقَبَسِ، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ فَصَّهُ كَانَ حَبَشِيًّا مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ فَعَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَلَا تَنَافِيَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يَحِلُّ مِنْ اللِّبَاسِ وَمَا يَحْرُمُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ شَرَعَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِقَوْلِهِ:
(وَاخْتُلِفَ فِي لِبَاسِ الْخَزِّ) بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ مَا سُدَاه حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ صُوفٌ أَوْ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ اقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: (فَأُجِيزَ) أَيْ أُبِيحَ هَذَا قَوْلٌ (وَكُرِهَ) وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ لِابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَثَالِثُهَا تَحْرِيمُهُ، وَرَابِعُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْخَزِّ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَشُوبَةِ بِالْقُطْنِ فَتُمْنَعُ لِأَنَّ الْخَزَّ إنَّمَا أُجِيزَ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، لِأَنَّ الْمُجِيزَ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْوُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا وَمِنْ التَّابِعِينَ نَحْوُ خَمْسَةَ عَشَرَ. (وَكَذَلِكَ) اُخْتُلِفَ فِي (الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ) الْخَالِصِ وَيُتَصَوَّرُ الْعَلَمُ مِنْ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ فِي نَحْوِ الْحَبْكَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيمَا يُجْعَلُ عَلَى رُءُوسِ النِّسَاءِ فِي حَبَرَةٍ وَنَحْوِهَا، وَاَلَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ مَا كَانَ قَدْرَ أُصْبُعٍ إلَى أَرْبَعَةٍ فَقِيلَ يَجُوزُ وَقِيلَ يُكْرَهُ. (إلَّا الْخَلْطُ الرَّقِيقُ) الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْ الْعَلَمِ وَهُوَ مَا نَقَصَ عَنْ قَدْرِ أُصْبُعٍ فَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأُصْبُعُ الْمُتَوَسِّطُ.
(وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (يَلْبَسَ النِّسَاءُ مِنْ الرَّقِيقِ مَا) أَيْ الْمَلْبُوسَ الَّذِي (يَصِفُهُنَّ) لِلنَّاظِرِ إلَيْهِنَّ (إذَا خَرَجْنَ) مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْفَى مَا فِي إسْنَادِ الْوَصْفِ إلَى الثِّيَابِ مِنْ التَّجَوُّزِ وَالْخُرُوجُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ مَا يُرَى مِنْهُ أَعْلَى جَسَدِهَا كَثَدْيِهَا أَوْ أَلْيَتِهَا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، فَالْوَاصِفُ هُوَ الَّذِي يُحَدِّدُ الْعَوْرَةَ، وَمِثْلُ الْوَاصِفِ الَّذِي يَشِفُّ أَيْ يُرَى مِنْهُ لَوْنُ الْجَسَدِ مِنْ كَوْنِهِ أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ، وَأَمَّا لُبْسُ النِّسَاءِ الْوَاصِفَ أَوْ الَّذِي يَشِفُّ بِحَضْرَةِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا كَزَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فِيهِ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي التَّحْقِيقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْله تَعَالَى:{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31] الْآيَةَ، وَمَفْهُومُ النِّسَاءِ أَنَّ الرِّجَالَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ لُبْسُ مَا يَصِفُ بَلْ يُكْرَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ مُحَدِّدٌ لَا بِرِيحٍ وَالْكَرَاهَةُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي حُرْمَةُ لُبْسِ الرَّجُلِ الْقَمِيصَ الَّذِي يَشِفُّ مُنْفَرِدًا عَنْ غَيْرِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ عِنْدَ مَسْأَلَةِ دُخُولِ الرَّجُلِ الْحَمَّامَ. وَأَيْضًا الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ جَعَلَ الَّذِي يَشِفُّ كَالْعَدَمِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ نَازَعُوهُ فِي ذَلِكَ، وَاعْتَمَدُوا التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّ أَمْرَ النَّظَرِ أَشَدُّ مِنْ الصَّلَاةِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّظَرِ وَوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهَا فِي الصَّلَاةِ.
[جَرّ الرَّجُلُ إزَارَهُ فِي الْأَرْضِ]
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَجُرَّ الرَّجُلُ إزَارَهُ) فِي الْأَرْضِ (بَطَرًا) أَيْ تَكَبُّرًا (وَلَا ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ) بِضَمِّ الْخَاءِ أَوْ كَسْرِهَا مَعَ الْمَدِّ أَيْ الْعُجْبِ لِخَبَرِ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ يَجُرُّ إزَارَهُ بَطَرًا أَوْ عُجْبًا» وَلَا مَفْهُومَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ قَصْدِ الْكِبْرِ أَوْ الْعُجْبِ، وَأَمَّا عِنْدَ انْتِفَائِهِمَا فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لِقَصْدِ السَّتْرِ أَوْ تُرْخِيه ذِرَاعًا كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا خُفَّ لَهَا وَلَا جَوْرَبَ.
(تَنْبِيهٌ) مَفْهُومُ بَطَرًا إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ أَوْ إزَارَهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ كِبْرًا وَلَا عُجْبًا، وَتَقْيِيدُهُمْ جَوَازَهُ لِلْمَرْأَةِ بِقَصْدِ السَّتْرِ يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ بِالْأَوْلَى، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْجَرَّ مِنْ الرَّجُلِ مَظِنَّةُ الْبَطَرِ وَالْعُجْبِ فَيَحْرُمُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ وَلَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ الْقَصْدِ. وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ.
(وَ) إذَا قُلْتُمْ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ جَرُّ ثَوْبِهِ أَوْ إزَارِهِ عَلَى وَجْهِ الْكِبْرِ فَ (لْيَكُنْ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ الثَّوْبِ وَالْإِزَارِ مُنْتَهِيًا فِي الطُّولِ إنْ أَرَادَ اللَّابِسُ تَطْوِيلَهُ (إلَى الْكَعْبَيْنِ) لَا أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَرَدَ: «إزْرَةُ الْمُؤْمِنُ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدَمَيْهِ وَمَا سَفُلَ عَنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» .
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا قُلْنَا إنْ أَرَادَ اللَّابِسُ التَّطْوِيلَ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلْأَمْرِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ أَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ كَهِيَ فِي: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] لِأَنَّهُ مَقَامُ إبَاحَةٍ بَعْدَ نَهْيٍ، وَيَجُوزُ فِي مِثْلِهِ اسْتِعْمَالُ اللَّازِمِ. ثُمَّ عَلَّلَ مَطْلُوبِيَّةَ كَوْنِ إزْرَةِ الرَّجُلِ إلَى الْكَعْبَيْنِ بِقَوْلِهِ:(فَهُوَ) أَيْ كَوْنُ مَا ذُكِرَ لِلْكَعْبَيْنِ (أَنْظَفُ لِثَوْبِهِ) وَإِزَارِهِ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إلَى الْأَرْضِ (وَأَتْقَى لِرَبِّهِ) أَيْ أَبْعَدُ
وَيَسْدُلُ الْأُخْرَى وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ اشْتِمَالِك ثَوْبٌ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَوْبٍ،
وَيُؤْمَرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَآزِرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَالْفَخِذُ عَوْرَةٌ وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا،
وَلَا يَدْخُلُ الرَّجُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ،
وَلَا تَدْخُلُهُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ،
وَلَا يَتَلَاصَقُ رَجُلَانِ وَلَا امْرَأَتَانِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ،
وَلَا تَخْرُجُ امْرَأَةٌ إلَّا مُسْتَتِرَةً فِيمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ مِنْ شُهُودِ مَوْتِ
ــ
[الفواكه الدواني]
لِمَقْتِ رَبِّهِ لِانْتِفَاءِ مَا يُوجِبُ غَضَبَهُ تَعَالَى لِقُرْبِ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ التَّوَاضُعِ، وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ:{رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} [الإسراء: 54]
(وَ) كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ (يُنْهَى) تَحْرِيمًا (عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) بِالْمَدِّ (وَهِيَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ صِفَةَ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ (عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ) سَاتِرٍ عَوْرَتَهُ وَصَوَّرَهَا بِقَوْلِهِ: (يَرْفَعُ ذَلِكَ) أَيْ طَرَفَ الثَّوْبِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ (مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ) وَيُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِهِ (وَيَسْدُلُ) بِضَمِّ الدَّالِ أَوْ كَسْرِهَا أَيْ يُرْخِي الثَّوْبَ مِنْ الْجِهَةِ (الْأُخْرَى) وَحَاصِلُ مَعْنَاهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ يُلْقِيه عَلَى مَنْكِبَيْهِ مُخْرِجًا يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهِ أَوْ مُخْرِجًا إحْدَى يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِهِ، هَذَا الثَّانِي هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَتَفْسِيرُ الْفُقَهَاءِ لَهَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَيُخْرِجُ يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ إنْ كَانَ مَعَهُ سَاتِرٌ ثُمَّ كَرِهَهُ (وَ) مَحَلُّ الْحُرْمَةِ (إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ اشْتِمَالِك ثَوْبٌ) لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى تَنْكَشِفُ عَوْرَتَهُ. (وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي الِاشْتِمَالِ الْمَذْكُورِ (عَلَى ثَوْبٍ) فَقِيلَ بِالْحُرْمَةِ وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْكَرَاهَةِ: وَصَمَّاءُ بِسَتْرٍ وَإِلَّا مُنِعَتْ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ مَعَ السَّاتِرِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَشْفَ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ كَشْفِ الْكُلِّ، وَأَمَّا الِاضْطِبَاعُ فَهُوَ عَيْنُ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ فِي التَّحْقِيقِ، وَأَمَّا التَّوْشِيحُ وَهُوَ أَخْذُ أَحَدِ طَرَفَيْ الثَّوْبِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُمْنَى لِيَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَأَخْذُ الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنْ تَحْتِ الْيُسْرَى لِيَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ، وَأَقُولُ كَلَامُهُمْ مُسَلَّمٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَيَتَوَقَّفُ فِي الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إذَا كَانَ يَحْصُلُ مَعَهُ كَشْفٌ لِجَنْبَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا.
(وَيُؤْمَرُ) الْمُكَلَّفُ وَلَوْ جِنِّيًّا (بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ) وُجُوبًا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي خَلْوَةٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهَا وَإِنَّمَا يُنْدَبُ. وَتَقَدَّمَ بَيَانُ حَدِّ الْعَوْرَةِ وَأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السَّاتِرِ وَالْمَسْتُورِ عَنْهُ، وَقَوْلُنَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ سَتْرُهَا وَلَوْ بِخَلْوَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا هُوَ الْأَفْضَلُ مِنْ أَنْوَاعِ السَّاتِرِ بِقَوْلِهِ:(وَإِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ) الْمُسْتَحَبَّةِ أَنْ تَكُونَ مُنْتَهِيَةً بِالتَّقْصِيرِ (إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) وَيَجُوزُ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَمَّا أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ وَهَذَا فِي حَقِّ الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجُوزُ لَهَا التَّطْوِيلُ لِلثَّوْبِ وَلَوْ ذِرَاعًا حَيْثُ كَانَ لِلسَّتْرِ لَا لِلْكِبْرِ وَإِلَّا حَرُمَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِزْرَةِ هُنَا الثَّوْبُ لَا خُصُوصُ مَا يَأْتَزِرُ بِهِ الْإِنْسَانُ الَّذِي ابْتِدَاؤُهُ مِنْ السُّرَّةِ، وَالْإِزْرَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ كَاللِّبْسَةِ وَالْجِلْسَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ وَهِيَ بِكَسْرِ الْفَاءِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلْسَةٍ
…
وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَةٍ
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْفَخِذِ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ بِقَوْلِهِ: (وَالْفَخِذُ) وَهُوَ مَا بَيْنَ السَّاقِ وَالْوَرِكِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَفِيهَا لُغَاتٌ أَرْبَعُ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
(عَوْرَةٌ) لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ كَشْفُهُ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ نَظَرُهُ لَكِنْ مَعَ مَنْ يَسْتَحْيِ صَاحِبُهُ مِنْهُ (وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا) وَلِذَا لَا يُعِيدُ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ لِكَشْفِهِ وَلَوْ عَمْدًا، وَإِلَّا أَعَادَتْ الْأَمَةُ فِي الْوَقْتِ وَالْحُرَّةُ أَبَدًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأُنْثَى عَوْرَةٌ حَقِيقَةً مُطْلَقًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ يَجُوزُ كَشْفُهَا مَعَ الْخَوَاصِّ وَلَا يَجُوزُ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ كَشَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَخِذَهُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسَتَرَهُ حِينَ أَقْبَلَ عُثْمَانُ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:«كَانَ الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا فَخِذَيْهِ وَسَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَوَّى ثِيَابَهُ فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تُبَالِهِ وَدَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تُبَالِهِ أَيْ لَمْ تَهْتَمَّ لِدُخُولِهِمَا وَتَسْتُرْ فَخِذَيْك ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسَتْ وَسَوَّيْت ثِيَابَك، فَقَالَ: أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟» وَالِاسْتِحْيَاءُ مِنْهُ مَزِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسَائِلَ مُشَارِكَةٍ قَبْلَهَا فِي النَّهْيِ عَنْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَقَالَ:
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَدْخُلَ الرَّجُلُ الْحَمَّامَ) وَلَوْ خَالِيًا (إلَّا بِمِئْزَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ تَرْكُهَا وَفَتْحُ الْمِيمِ خَطَأٌ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ صَفِيقًا لَا تَظْهَرُ مِنْهُ الْعَوْرَةُ، وَالنَّهْيُ عَلَى الْوُجُوبِ إنْ لَمْ يَكُنْ خَالِيًا، وَعَلَى النَّدْبِ إنْ كَانَ خَالِيًا، وَالْحَمَّامُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مُذَكَّرٌ بِاتِّفَاقٍ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تَدْخُلَهُ الْمَرْأَةُ) وَلَوْ بِمِئْزَرٍ (إلَّا مِنْ عِلَّةٍ) لِقَوْلِهِ
أَبَوَيْهَا أَوْ ذِي قَرَابَتِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا وَلَا تَحْضُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ نَوْحُ نَائِحَةٍ أَوْ لَهْوٌ مِنْ مِزْمَارٍ أَوْ عُودٍ أَوْ
ــ
[الفواكه الدواني]
عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يُدْخِلَنَّ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ» .
وَقَالَ أَيْضًا عليه الصلاة والسلام: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلُهَا الرِّجَالُ إلَّا بِإِزَارٍ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» . وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ دُخُولِهِ لِلرَّجُلِ بِالْمِئْزَرِ وَلَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ مِئْزَرٍ مَنَعَ رُؤْيَةَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُهُ فَلَا يَجُوزُ، وَجَوَازُ الدُّخُولِ بِالْمِئْزَرِ لَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ: تَرْكُ دُخُولِهِ أَحْسَنُ لِاحْتِمَالِ الِانْكِشَافِ، وَلِذَا قَالَ شَيْخُهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ رضي الله عنه: وَاَللَّهِ مَا دُخُولُهُ بِصَوَابٍ، وَمَا وَرَدَ مِنْ مَنْعِ دُخُولِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الدُّخُولِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ مَعَ وُجُودِ مِنْ لَا يَحِلُّ نَظَرُهُ إلَيْهِ، وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ عِنْدَ الْعِلَّةِ الْمُحْوِجَةِ إلَى دُخُولِهِ كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مَرَضٍ مَعَ زَوْجِهَا، وَأَمَّا مَعَ امْرَأَةٍ فَعَوْرَتُهَا مَعَهَا كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ حَيْثُ كَانَتْ مُسْلِمَةً اتِّفَاقًا، وَأَمَّا مَعَ الْكَافِرَةِ فَقِيلَ إنَّ الْمُسْلِمَةَ مَعَهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ مَعَ الرَّجُلِ اتِّفَاقًا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمَةِ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا بَيْنَ يَدَيْ الْكَافِرَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَتُهَا، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا جَوَازُ دُخُولِهَا مَعَ الْمَرْأَةِ بِشَرْطِ سَتْرِ مَا لَا يَحِلُّ نَظَرُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ إلَيْهِ.
قَالَ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ أَبُو الْإِرْشَادِ الْأُجْهُورِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ دُخُولَهُ لَهُ شُرُوطُ جَوَازٍ كَغَضِّ الْبَصَرِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِإِعْطَاءِ الْوَاجِبِ وَأَخْذِ الْمُعْتَادِ وَتَغْيِيرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ لَا يُمَكِّنَ الدَّلَّاكَ وَلَوْ مَمْلُوكَهُ مِنْ دَلْكِ عَوْرَتِهِ وَهِيَ مَا فَوْقَ الرُّكْبَةِ إلَى جَوْفِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ لِأَنَّ الْجَسَّ أَخَصُّ مِنْ النَّظَرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ وَأَمَتُهُ، وَلَهُ آدَابٌ أَنْ يَدْخُلَهُ بِالتَّدْرِيجِ وَيَخْرُجَ مِنْهُ كَذَلِكَ، وَصَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَمَانٌ مِنْ النِّقْرِسِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ عَذَابَ جَهَنَّمَ وَحَالَةَ الْمَوْتِ، وَمِنْ الْآدَابِ الدُّخُولُ مَعَ الِاعْتِدَالِ مِنْ حَيْثُ الْجُوعُ وَالشِّبَعُ، فَإِنَّ دُخُولَهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَالٍ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الدَّاخِلِ لِخُرُوجِهِ مِنْهُ قَبْلَ عَرَقِهِ فِيهِ وَالْإِقَامَةُ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دُخُولِهِ إلَّا مَنْ نَدَرَ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَتَلَاصَقَ رَجُلَانِ) الْمُرَادُ بَالِغَانِ وَلَوْ شَيْخَيْنِ أَوْ قَرِيبَيْنِ. (وَلَا امْرَأَتَانِ) كَذَلِكَ (فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ) وَالْمُرَادُ بِالتَّلَاصُقِ الِاتِّصَالُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ لِخَبَرِ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ» . وَعُلِمَ مِنْ تَقْرِيرِنَا أَنَّ النَّهْيَ لِلْحُرْمَةِ إنْ كَانَ التَّلَاصُقُ بِالْعَوْرَةِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ، وَالْكَرَاهَةُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ، أَوْ بِالْعَوْرَةِ لَكِنْ مَعَ حَائِلٍ كَثِيفٍ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ وَإِلَّا حَرُمَ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ غَيْرِ الْبَالِغِينَ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغَا الْعَشْرَ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، وَبَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ فَتُكْرَهُ الْمُلَاصَقَةُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ فَحَرَامٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ وَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَالْكَرَاهَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيِّهِ، وَأَمَّا بِحَائِلٍ فَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ إلَّا لِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ فَحَرَامٌ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِيمَا قَالَ فِيهِ يُكْرَهُ لِلْوَلِيِّ مِنْ تَلَاصُقِ عَوْرَةِ الصَّبِيِّ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ فَفَوْقُ بِعَوْرَةِ الْبَالِغِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي حُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي تَلَاصُقِ الذَّكَرَيْنِ، وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي تَلَاصُقِ الْمَرْأَتَيْنِ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ رَجُلٍ وَأُنْثَى فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِي حُرْمَةِ تَلَاصُقِهِمَا تَحْتَ لِحَافٍ وَلَوْ بِغَيْرِ عَوْرَةٍ، وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ حَيْثُ كَانَا بَالِغَيْنِ، أَوْ الرَّجُلُ وَالْأُنْثَى مَعَ مُنَاهَزَةِ الذَّكَرِ لِأَنَّ الْمُنَاهِزَ كَالْكَبِيرِ هَكَذَا يَظْهَرُ، لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاخْتِلَاءُ بِالْأُنْثَى فَضْلًا عَنْ تَلَاصُقِهِمَا تَحْتَ لِحَافٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا عَرَفْت مَا ذَكَرْنَاهُ لَك مِنْ التَّفْصِيلِ عَلِمْت مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي لِحَافٍ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ أَيْ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ لِحُرْمَةِ تَلَاصُقِ الْبَالِغَيْنِ بِعَوْرَتَيْهِمَا وَلَوْ لَمْ يَكُونَا تَحْتَ لِحَافٍ، كَمَا يَحْرُمُ نَظَرُ كُلٍّ إلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَلَاصُقٍ.
الثَّالِثُ: فَيَبْدَأُ الصَّغِيرُ بِمَنْ بَلَغَ الْعَشْرَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْعَشْرَ يَجُوزُ تَلَاصُقُهُ مَعَ مِثْلِهِ بِالْعَوْرَةِ، لِأَنَّ طَلَبَ الْوَلِيِّ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْمَضَاجِعِ بَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ وَهْبٍ الْمُقَدَّمَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَائِلِ بِالتَّفْرِقَةِ عِنْدَ بُلُوغِ السَّبْعِ كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تَخْرُجَ امْرَأَةٌ) شَابَّةٌ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ أَرَبُ الرِّجَالِ مِنْهَا، وَلَا يُخْشَى مِنْ خُرُوجِهَا الِافْتِتَانُ بِهَا (إلَّا مُسْتَتِرَةً) وَأَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا (فِيمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ:(مِنْ شُهُودِ مَوْتِ أَبَوَيْهَا) أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ زَوْجِهَا (أَوْ ذِي قَرَابَتِهَا) كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَالْأَجْدَادِ. (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا) الْخُرُوجُ مِنْ أَجْلِهِ كَزِيَارَةِ أَبَوَيْهَا أَوْ حُضُورِ عُرْسِ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ، أَوْ حَاجَةٍ لَا غِنَاءَ لَهَا عَنْهَا وَلَا تَجِدُ مَنْ يَقُومُ بِهَا. (وَلَا) يَجُوزُ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ بَعْدَ خُرُوجِهَا أَنْ (تَحْضُرَ مِنْ ذَلِكَ) الَّذِي خَرَجَتْ لِأَجْلِهِ (مَا فِيهِ نَوْحُ نَائِحَةٍ
شِبْهِهِ مِنْ الْمَلَاهِي الْمُلْهِيَةِ إلَّا الدُّفَّ فِي النِّكَاحِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْكَبَرِ،
وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمُحْرِمٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَاهَا لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَوْ إذَا خَطَبَهَا وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَلَهُ أَنْ يَرَى وَجْهَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَيُنْهَى
ــ
[الفواكه الدواني]
أَوْ) مَا فِيهِ (لَهْوٌ مِنْ مِزْمَارٍ وَعُودٍ أَوْ شَبَهِهِ مِنْ الْمَلَاهِي الْمُلْهِيَةِ إلَّا الدُّفَّ) بِضَمِّ الدَّالِ أَوْ فَتْحِهَا وَهُوَ الْمُغَشَّى مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُعْرَفُ بِالطَّارِّ وَيُقَالُ لَهُ الْغِرْبَالُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا حُضُورُهُ لِجَوَازِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (فِي النِّكَاحِ) وَإِبَاحَةِ ضَرْبِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَوْ كَانَ فِيهَا صَرَاصِرُ أَوْ جَلَاجِلُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ. لِلَّهِ دَرُّ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ فِي الْإِطْلَاقِ الْمَعْرُوفِ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ وَبَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ ضَرْبِهِ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ كَالْخِتَانِ وَالْوِلَادَةِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ جَوَازُهُ فِي كُلِّ فَرَحٍ لِلْمُسْلِمِينَ. (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي) جَوَازِ ضَرْبِ (الْكَبَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ الْمُجَلَّدُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَالْمِزْهَرُ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَقْوَالٍ، الْجَوَازُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَالْكَرَاهَةُ فِيهِمَا، وَالْجَوَازُ فِي الْكَبَرِ وَكَرَاهَةُ الْمِزْهَرِ، وَأَجَازَ ابْنُ كِنَانَةَ الزَّمَّارَةَ وَالْبُوقَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا لَا يُلْهِي كُلَّ اللَّهْوِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ نَثْرُ اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ لَا الْغِرْبَالِ وَلَوْ لِرَجُلٍ وَفِي الْكَبَرِ وَالْمِزْهَرِ ثَالِثُهَا يَجُوزُ فِي الْكَبَرِ، ابْنُ كِنَانَةَ: وَتَجُوزُ الزَّمَّارَةُ وَالْبُوقُ، وَقَيَّدْنَا الْمَرْأَةَ بِالشَّابَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُتَجَالَّةِ الَّتِي لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، فَهَذِهِ تَخْرُجُ وَلَوْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَبِمَنْ لَا يُخْشَى مِنْهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الَّتِي يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا لِنَجَابَتِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ النِّسَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَابَّةٌ غَيْرُ مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ وَمَنْ فِي حُكْمِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ إلَّا لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ لِجِنَازَةِ مَنْ تَتَأَثَّرُ بِمَوْتِهِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمُتَجَالَّةٌ لَا رَغْبَةَ لِلرِّجَالِ فِيهَا وَهَذِهِ تَخْرُجُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَشَابَّةٌ يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا، وَلَا يُقْضَى عَلَى زَوْجِ الشَّابَّةِ وَمَنْ فِي حُكْمِهَا بِالْخُرُوجِ لِنَحْوِ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَوْ شَرَطَ لَهَا فِي صُلْبِ عَقْدِهَا وَحَيْثُ سَاغَ خُرُوجُهَا، فَلَا تَخْرُجُ إلَّا فِي زَمَنِ أَمْنٍ مِنْ الرِّجَالِ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ فِي وَقْتٍ يُخْشَى عَلَيْهَا فِيهِ، وَلَا تَخْرُجُ إلَّا فِي ثِيَابِ الزِّينَةِ، وَلَا تَمْشِي إلَّا بَعِيدَةً عَنْ الرِّجَالِ، وَأَنْ لَا تَتَطَيَّبَ وَأَنْ تُبَالِغَ فِي السَّتْرِ لِمَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ كَذِرَاعِهَا أَوْ سَاقِهَا لَا كَفَّيْهَا وَلَا وَجْهِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ جَمِيلَةً أَوْ يَكْثُرَ الْفَسَادُ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَخْلُوَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ) وَلَا زَوْجَةٍ بَلْ أَجْنَبِيَّةٍ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَكُونُ ثَالِثُهُمَا يُوَسْوِسُ لَهُمَا فِي الْخَلْوَةِ بِفِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:«لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمَا وَيَسْتَوْجِبَانِ الْعُقُوبَةَ وَلَوْ ادَّعَيَا الزَّوْجِيَّةَ إلَّا أَنْ يُثْبِتَاهَا أَوْ يَكُونَا طَارِئَيْنِ» . وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِذَاتِ الْمَحْرَمِ وَلَوْ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ تَنَاوُلُ الرَّجُلِ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ وَالْمَرْأَةِ لِلشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا فِي السِّنِّ، لِأَنَّ الشَّيْخَ يَمِيلُ لِلشَّيْخَةِ خِلَافًا لِلشَّاذِلِيِّ فِي تَقْيِيدِهِ الْمَرْأَةَ بِالشَّابَّةِ وَالرَّجُلَ بِالشَّابِّ، فَأَجَازَ خَلْوَةَ الشَّيْخِ الْهَرَمِ بِالْمَرْأَةِ شَابَّةً أَوْ مُتَجَالَّةً، وَخَلْوَةَ الشَّابِّ بِالْمُتَجَالَّةِ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ خَلْوَةُ الْمَرْأَةِ بِعَبْدِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِعَبْدٍ بِلَا شِرْكٍ وَمُكَاتَبٍ وَغْدَيْنِ نَظَرُ شَعْرِ السَّيِّدَةِ وَبَقِيَّةِ أَطْرَافِهَا الَّتِي يَنْظُرُهَا مَحْرَمُهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَأَمَّا عَبْدُ زَوْجِهَا فَيَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ يَكُونَ خَصِيًّا وَأَنْ يَكُونَ قَبِيحَ الْمَنْظَرِ، وَأَقُولُ: يَنْبَغِي تَقْيِيدُ هَذَا بِالْمَرْأَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالدِّينِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَمِيلُ الْمَرْأَةُ لِلنَّصْرَانِيِّ الْخَادِمِ فِي أَسْفَلِ الدَّارِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ جَوَازُ خَلْوَةِ الْمَرْأَةِ بِمِثْلِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فَائِقَةً فِي الْجَمَالِ، وَكَذَا خَلْوَةُ الذَّكَرِ بِالذَّكَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا شَابًّا تَمِيلُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وَأُخْرَى لَوْ كَانَا شَابَّيْنِ مَشْهُورَيْنِ بِالْجَمَالِ بِحَيْثُ يُتَوَقَّع مَيْلُ أَحَدِهِمَا إلَى صَاحِبِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الْفَاسِدِ، وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ غَيْرِ الْمُتَجَالَّةِ مُقَيَّدَةً بِحَالِ الِاخْتِيَارِ قَالَ:(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَاهَا) أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ غَيْرَ الْمُتَجَالَّةِ (لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا) أَوْ لَهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ لِلشَّاهِدَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا عَلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ. (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ عُذْرِ الشَّهَادَةِ كَعُذْرِ الطِّبِّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إلَى مَحَلِّ الْمَرَضِ إذَا كَانَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ قِيلَ وَلَوْ بِفَرْجِهَا لِلدَّوَاءِ، كَمَا يَجُوزُ لِلْقَابِلَةِ نَظَرُ الْفَرْجِ.
قَالَ التَّتَّائِيُّ: وَلِي فِيهِ وَقْفَةٌ إذْ الْقَابِلَةُ أُنْثَى وَهِيَ يَجُوزُ لَهَا نَظَرُ فَرْجِ الْأُنْثَى إذَا رَضِيَتْ لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى رُؤْيَةِ فَرْجِهَا، وَلَوْ زَوْجَةٌ ادَّعَى زَوْجُهَا عَيْبًا بِفَرْجِهَا وَادَّعَتْ عَدَمَهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِهِ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ.
(وَ) أَيْ وَكَذَا لَا بَأْسَ بِرُؤْيَتِهَا (إذَا خَطَبَهَا) رَجُلٌ لِنَفْسِهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ نَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمِهَا وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ لِرُؤْيَةِ الشَّاهِدِ وَالطَّبِيبِ وَالْخَاطِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِخَلْوَةٍ بِالْمَرْأَةِ وَإِلَّا حَرُمَتْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِرُؤْيَةِ الْأَجْنَبِيِّ لِغَيْرِ الْمُتَجَالَّةِ. (وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ) وَهِيَ الْعَجُوزُ الْفَانِيَةُ (فَلَهُ) أَيْ الْأَجْنَبِيِّ (أَنْ يَرَى وَجْهَهَا) وَكَفَّيْهَا (عَلَى كُلِّ حَالٍ) وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَمْنِ مِمَّا يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ الشَّابَّةِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرِيدُ الرُّؤْيَةِ لِلْمُتَجَالَّةِ مِثْلَهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ جَوَازُ رُؤْيَتِهِ لَهَا بِالْعُذْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّابَّةِ،