المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[صون اللسان عن الكذب] - الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني - جـ ٢

[النفراوي]

فهرس الكتاب

- ‌ بَابٌ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ

- ‌[أَرْكَان النِّكَاح]

- ‌[الْمُحْرِمَات فِي النِّكَاح]

- ‌[الْقَسْمُ بَيْن الزَّوْجَاتِ]

- ‌[شَرْطَ وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ]

- ‌[إسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا]

- ‌ الطَّلَاقُ

- ‌الْخُلْعُ

- ‌[أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ]

- ‌[مَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ]

- ‌[عُيُوبِ الزَّوْجَيْنِ الْمُوجِبَةِ لِخِيَارِ كُلٍّ فِي صَاحِبِهِ]

- ‌[أَحْكَامِ الزَّوْجِ الْمَفْقُودِ]

- ‌[النِّيَابَةِ فِي الطَّلَاقِ]

- ‌[الْإِيلَاء]

- ‌[الظِّهَار]

- ‌اللِّعَانُ

- ‌[صِفَةِ اللِّعَانِ]

- ‌[طَلَاقُ الْعَبْدِ]

- ‌[الرَّضَاع]

- ‌[بَابٌ فِي الْعِدَّةِ وَالنَّفَقَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ]

- ‌[أَسْبَابُ الْعِدَّةِ]

- ‌عِدَّةُ الْحُرَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَوْ الْأَمَةِ فِي الطَّلَاقِ

- ‌عِدَّةُ الْحَامِلِ

- ‌[عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ]

- ‌عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا

- ‌وَاسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ

- ‌[النَّفَقَةُ وَأَسْبَابُهَا]

- ‌[بَابٌ فِي الْبُيُوعِ]

- ‌[بَيْع الجزاف]

- ‌[الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ]

- ‌[بَاب السَّلَم]

- ‌الْعُهْدَةُ

- ‌[السَّلَمُ فِي الْعُرُوضِ]

- ‌[أَقَلِّ أَجَلِ السَّلَمِ]

- ‌[بَيْع الدِّين بالدين]

- ‌[الْبِيَاعَات الْمُنْهِيَ عَنْهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ]

- ‌[بَيْع الجزاف]

- ‌[الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ]

- ‌[بَاب الْإِجَارَة]

- ‌[حُكْم الْإِجَارَة]

- ‌[شُرُوط الْإِجَارَة]

- ‌[الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعِ الدَّوَابِّ]

- ‌[الْإِجَارَةُ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ]

- ‌[تضمين الصناع]

- ‌[بَاب الشَّرِكَة]

- ‌[حُكْم الشَّرِكَة وَأَرْكَانهَا]

- ‌[بَاب الْقِرَاض]

- ‌[الْقِرَاضُ بِالْعُرُوضِ]

- ‌[بَاب الْمُسَاقَاة]

- ‌[أَرْكَانُ الْمُسَاقَاة]

- ‌[بَاب الْمُزَارَعَة]

- ‌[الصُّوَر الْمَمْنُوعَة فِي الْمُزَارَعَة]

- ‌[حُكْمِ شِرَاءِ الْعَرَايَا]

- ‌بَابٌ فِي الْوَصَايَا

- ‌[الْإِيصَاءُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ]

- ‌[أَحْكَامِ الْوَصَايَا الْمُتَّحِدَةِ الرُّتْبَةِ وَيَضِيقُ الثُّلُثُ عَنْ حَمْلِهَا]

- ‌[أَحْكَام التَّدْبِير]

- ‌[صفة إخْرَاج الْمُدَبَّرِ وَعِتْقِهِ مِنْ الثُّلُثِ]

- ‌[أَحْكَام الْكِتَابَة]

- ‌[أَحْكَام أُمّ الْوَلَد]

- ‌[أَحْكَامِ الْعِتْق النَّاجِز]

- ‌[الْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ]

- ‌[مَنْ يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ]

- ‌[بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ]

- ‌[مَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ]

- ‌[أَحْكَام الْهِبَة]

- ‌[هِبَة الْوَالِد جَمِيعَ مَالِهِ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ]

- ‌[مُبْطِلَات الْهِبَة]

- ‌[أَحْكَام الحبس]

- ‌[أَحْكَام الْعُمْرَى]

- ‌[بَيَان حُكْمِ الْحُبُسِ بَعْدَ مَوْتِ بَعْضِ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ]

- ‌[صِفَةِ قَسْمِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْوَقْفِ]

- ‌[مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْوَقْفِ]

- ‌[بَاب الرَّهْن]

- ‌ضَمَانُ الرَّهْنِ

- ‌[مُسْتَحِقّ غَلَّةَ الرَّهْنِ]

- ‌[بَاب الْعَارِيَّةِ]

- ‌[بَاب الْوَدِيعَة]

- ‌[حُكْمِ الِاتِّجَارِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا]

- ‌[بَاب اللُّقَطَة]

- ‌[أَحْكَام الضَّالَّةِ]

- ‌[التَّعَدِّي عَلَى مَالِ الْغَيْرِ]

- ‌[بَاب الْغَصْب]

- ‌بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ

- ‌[ثُبُوت الْقَتْل بِالْقَسَامَةِ]

- ‌[صفة الْقَسَامَة وَحَقِيقَتَهَا]

- ‌[صِفَةِ حَلِفِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَمَنْ يَحْلِفُهَا]

- ‌[مَا تَكُون فِيهِ الْقَسَامَة]

- ‌[الْعَفْو عَنْ الدَّم]

- ‌[أَحْكَام الدِّيَة]

- ‌[مِقْدَار الدِّيَة]

- ‌[دِيَةِ الْأَطْرَافِ وَالْمَعَانِي]

- ‌[الْقِصَاص فِي الْجِرَاح]

- ‌[تَحْمِل الْعَاقِلَة شَيْئًا مِنْ الدِّيَة مَعَ الْجَانِي]

- ‌[مُسْتَحَقّ دِيَةِ الْمَقْتُولِ]

- ‌[أَحْكَامِ كَفَّارَة الْقَتْل]

- ‌[كِتَاب الْحُدُود]

- ‌[أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ]

- ‌مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ

- ‌[أَحْكَامِ الْمُحَارِب]

- ‌[بَاب الزِّنَا]

- ‌[مَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا]

- ‌[حَدّ اللِّوَاط]

- ‌[بَاب القذف]

- ‌ شُرُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ

- ‌[كَرَّرَ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ كَرَّرَ فِعْلَ الزِّنَا]

- ‌[صِفَةِ الْمَحْدُودِ]

- ‌[بَاب السَّرِقَة]

- ‌[مَا تَثْبُتُ بِهِ السَّرِقَةُ]

- ‌[حُكْم الشَّفَاعَةِ فِيمَنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَدٌّ]

- ‌(بَابٌ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ)

- ‌[وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْحَقِّ بَعْدَ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ]

- ‌[أَقْسَام الشَّهَادَة]

- ‌[مَا تَشْهَدُ فِيهِ النِّسَاءُ]

- ‌ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ

- ‌[شَهَادَة الزَّوْج لِلزَّوْجَةِ]

- ‌[شَهَادَةُ وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ بِشَيْءٍ عَلَى آخَرَ]

- ‌ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ

- ‌[مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّعْدِيلُ وَالتَّجْرِيحُ وَمَنْ لَا يَصِحُّ]

- ‌[الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]

- ‌[أَحْكَام الْوَكَالَة]

- ‌[حُكْمِ الصُّلْحِ]

- ‌[بَعْض مَسَائِل الِاسْتِحْقَاق]

- ‌[بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الْفَلَسِ]

- ‌[بَعْضَ مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الضَّمَانِ]

- ‌[شُرُوط الْحَوَالَةِ]

- ‌[أَحْكَام الْقِسْمَة]

- ‌[شُرُوط الْقِسْمَة]

- ‌[بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ]

- ‌[بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ الْإِقْرَارِ]

- ‌[حُكْمِ مَا إذَا مَاتَ أَجِيرُ الْحَجِّ قَبْلَ التَّمَام]

- ‌[بَابٌ فِي الْفَرَائِضِ]

- ‌[الْوَارِثَاتِ مِنْ النِّسَاءِ]

- ‌[الْفُرُوض فِي الْمِيرَاث]

- ‌[إرْثِ الْبَنَاتِ مَعَ الْأَخَوَاتِ]

- ‌[أَنْوَاع الحجب]

- ‌[مِيرَاث الْإِخْوَة لإم]

- ‌[مَوَانِعِ الْإِرْث]

- ‌مِيرَاثُ الْجَدِّ

- ‌[إرْث الْجَدَّة]

- ‌[اجْتِمَاعِ الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ وَاَلَّذِينَ لِلْأَبِ مَعَ الْجَدِّ]

- ‌[مَنْ يَرِثُ بِالْوَلَاءِ]

- ‌[أَحْكَام الْعَوْل]

- ‌[كَيْفِيَّةُ تَصْحِيحِ الْمَسَائِلِ وَتَأْصِيلِهَا وَكَيْفِيَّةُ قَسْمِ التَّرِكَةِ]

- ‌بَابٌ: جُمَلٌ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْوَاجِبَةِ وَالرَّغَائِبِ

- ‌الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ

- ‌[حُكْم السِّوَاك]

- ‌[الْقُنُوت فِي الصَّلَاة]

- ‌[صَلَاةُ الْجُمُعَةِ]

- ‌[صَلَاة الْوِتْر]

- ‌[جَمْعِ الصَّلَاة]

- ‌رَكْعَتَا الْفَجْرِ

- ‌صَلَاةُ الضُّحَى

- ‌ قِيَامُ رَمَضَانَ

- ‌[الْفِطْر فِي السَّفَر]

- ‌ طَلَبُ الْعِلْمِ

- ‌[صَلَاة الْجِنَازَة]

- ‌[الْجِهَاد قَيْءٍ سَبِيل اللَّه]

- ‌ غَضُّ الْبَصَرِ

- ‌[صَلَاة النَّوَافِل فِي الْبُيُوت]

- ‌[صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ]

- ‌[الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ فِي زَمَنِ خُرُوجِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاس]

- ‌أَكْلِ الطَّيِّبِ

- ‌[أَكْلَ الْمَيْتَةِ]

- ‌ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ

- ‌ شُرْبَ الْخَمْرِ

- ‌[الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ]

- ‌[أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع وَأَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[بِرُّ الْوَالِدَيْنِ]

- ‌[الِاسْتِغْفَار لِلْوَالِدَيْنِ]

- ‌[حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ]

- ‌الْهِجْرَانُ الْجَائِزُ

- ‌[مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ]

- ‌[سَمَاعَ الْأَمْرِ الْبَاطِلِ]

- ‌ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ

- ‌[حُكْم التَّوْبَةُ]

- ‌بَابٌ فِي الْفِطْرَةِ وَالْخِتَانِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَاللِّبَاسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ

- ‌ صِبَاغُ الشَّعْرِ

- ‌ لِبَاسِ الْحَرِيرِ

- ‌ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ

- ‌[التَّخَتُّم بِالذَّهَبِ]

- ‌[جَرّ الرَّجُلُ إزَارَهُ فِي الْأَرْضِ]

- ‌ وَصْلِ الشَّعْرِ

- ‌بَابٌ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ

- ‌[آدَابِ الْأَكْلِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ]

- ‌[الْآدَابِ الْمُقَارِنَةِ لِلشُّرْبِ]

- ‌[بَابٌ فِي السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَالتَّنَاجِي]

- ‌[صِفَةُ السَّلَامِ]

- ‌[الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ السَّفَرِ أَوْ النَّوْمِ]

- ‌[آدَابِ قَارِئِ الْقُرْآنِ]

- ‌[بَابٌ فِي حُكْم التَّعَالُجِ]

- ‌الرُّقَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ

- ‌[التَّدَاوِي بِالْكَيِّ]

- ‌[الْكَلَامِ عَلَى الطِّيَرَة]

- ‌[صِفَةِ الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ]

- ‌[اتِّخَاذ الْكِلَاب فِي الْبُيُوت]

- ‌[الرِّفْق بِالْمَمْلُوكِ]

- ‌[بَابٌ فِي الرُّؤْيَا وَالتَّثَاؤُبِ وَالْعُطَاسِ وَغَيْرهَا]

- ‌[اللَّعِب بِالنَّرْدِ]

- ‌[اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ]

- ‌[حُكْم المسابقة]

- ‌[صُوَرِ الْمُسَابَقَةِ]

- ‌[قَتْلَ جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ بِالنَّارِ]

- ‌[قَتْلِ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَد]

- ‌[التَّفَاخُرَ بِالْآبَاءِ]

- ‌[أَفْضَلِ الْعُلُومِ]

- ‌[الثَّمَرَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ]

- ‌[الْمُحَافَظَةِ عَلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ]

- ‌[خَاتِمَة الْكتاب]

الفصل: ‌[صون اللسان عن الكذب]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[الفواكه الدواني]

إلَيْهَا» وَإِنَّمَا نَدَبَ النَّظَرَ إلَى خُصُوصِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِرُؤْيَةِ الْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ، وَبِرُؤْيَةِ الْكَفَّيْنِ عَلَى خَصْبِ الْبَدَنِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا كَانَ الْخَاطِبُ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَوْ وَلِيَّهَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ النَّظَرُ إلَيْهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: عِلْمُهَا وَالْعِلْمُ بِإِجَابَتِهَا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْكَرَاهَةُ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ الِافْتِتَانُ بِرُؤْيَتِهَا وَإِلَّا حَرُمَ، وَإِنَّمَا كُرِهَ النَّظَرُ إلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ خَشْيَةِ الِافْتِتَانِ بِرُؤْيَتِهَا، لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى مِثْلِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَظِنَّةُ قَصْدِ اللَّذَّةِ، وَلَا يُقَالُ: مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ كَرَاهَةُ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِإِجَابَتِهَا. لِأَنَّا نَقُولُ: الشَّارِعُ أَجَازَ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ نَظَرًا إلَى مَصْلَحَتِهِ وَهُوَ اسْتِدَامَةُ الْعِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجِ إذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ النَّظَرِ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: إذَا كَانَ قَصْدُهُ إلَخْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ نَظَرَ إلَيْهَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ مَعْرِفَةِ وَصْفِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نَظَرُهُ إلَيْهَا لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْخَاطِبَ لِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الْمَخْطُوبَةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ.

[صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ]

(وَمِنْ الْفَرَائِضِ) الْعَيْنِيَّةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (صَوْنُ) أَيْ كَفُّ (اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ) وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ فِي وُقُوعِهِ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رضي الله عنه: مَنْ تَحَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَهُوَ كَذَّابٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَدَّثَ الْمُكَلَّفُ إلَّا بِمَا عَلِمَ قَطْعًا، أَوْ بِمَا سَمِعَهُ أَوْ نُقِلَ إلَيْهِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا حَتَّى يَسْتَفِيضَ عِلْمُهُ، لِأَنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورُ يَهْدِي إلَى النَّارِ، دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ الْكَذِبِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى:{فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] وَأَمَّا السُّنَّةُ: «فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ قَالَ لَهُ: أَكْذِبُ عَلَى امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا جُنَاحَ عَلَيْك» . وَخَبَرُ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَذَكَرَ الْكَذِبَ وَخُلْفَ الْوَعْدِ وَخِيَانَةَ الْمُؤْتَمِنِ» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى حُرْمَتِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا الْوُجُوبُ وَهُوَ مَا كَانَ لِإِنْقَاذِ نَفْسِ مَعْصُومَةٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومٍ مِنْ ظَالِمٍ حَتَّى لَوْ حَلَفَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. عِنْدَ التَّتَّائِيِّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، عِنْدَ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ وَهُوَ مِنْ الْغَمُوسِ الَّتِي تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْوِزْرِ، وَحَرَامٌ وَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ تُكَفِّرُهُ التَّوْبَةُ كَالْإِخْبَارِ عَنْ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَالثَّانِي أَنْ يُقْتَطَعَ بِهِ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَتَجِبُ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَيُطْلَبُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ الْمُسَامَحَةُ وَالْبَرَاءَةُ مِنْ حَقِّهِ، وَمَنْدُوبٌ كَإِخْبَارِ الْكُفَّارِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَظْفَرُونَ عَلَى الْكُفَّارِ، وَمُبَاحٌ الْكَذِبُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الصُّلْحِ وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ، وَمَكْرُوهٌ كَالْكَذِبِ لِلزَّوْجَةِ وَنَحْوِ الْعَبْدِ، وَقِيلَ إنَّهُ مُبَاحٌ لِتَطْيِيبِ خَاطِرِ مَنْ ذُكِرَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِ الرَّسُولِ:«لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ» .

1 -

(وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ الْعَيْنِيَّةِ أَيْضًا صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ شَهَادَةِ (الزُّورِ) وَهِيَ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ وَإِنْ وَافَقَ الْوَاقِعَ، وَذَكَرَهُ بَعْدَ الْكَذِبِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، لِأَنَّ الزُّورَ مُخْتَصٌّ بِالشَّهَادَةِ، وَحُرْمَةُ الزُّورِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ» وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُعَزِّرَ شَاهِدَ الزُّورِ وَيَأْمُرَ بِالنِّدَاءِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي الْمَلَأِ بَيْنَ النَّاسِ لِيَرْتَدِعَ غَيْرَهُ، وَلَا يَحْلِقُ لَهُ رَأْسًا وَلَا لِحْيَةً وَلَا يَسْتَحِمُّ لَهُ وَجْهًا، وَيُسَجِّلُهُ بِأَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا فِي شَأْنِهِ وَيَضَعَهُ عِنْدَ الثِّقَاتِ لِيَعْلَمُوا أَوْصَافَهُ.

(تَنْبِيهٌ) الزُّورُ مَأْخُوذٌ مِنْ زَوَرِ الصَّدْرِ وَهُوَ اعْوِجَاجُهُ، وَشَاهِدُ الزُّورِ مَالَ عَنْ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُ حَيْثُ شَهِدَ بِخِلَافِهِ، وَلَيْسَ مِنْ تَزْوِيرِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ تَحْسِينُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلَامًا أَيْ حَسَّنْته.

1 -

(وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ أَيْضًا التَّنَزُّهُ عَنْ مُلَابَسَةِ (الْفَحْشَاءِ) جَمْعُهَا فَوَاحِشُ وَهِيَ كُلُّ مُحَرَّمٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَحُرْمَةُ الْفَوَاحِشِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النحل: 90] وَقَالَ: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] . وَخَبَرُ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ» .

وَقَالَ عليه الصلاة والسلام: «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ» فَالْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ، وَالْبَذَاءُ الْفُحْشُ فِي الْكَلَامِ، وَالْبَيَانُ كَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ.

(وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ أَيْضًا صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ (الْغِيبَةِ) وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ فِي غَيْرِهِ مَعَ غِيبَتِهِ مَا يَكْرَهُهُ لَوْ سَمِعَهُ وَلَوْ كَانَ حَقًّا، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي دِينِهِ أَوْ فِي دُنْيَاهُ أَوْ خُلُقِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ وَزَوْجَتِهِ أَوْ خَادِمِهِ أَوْ حِرْفَتِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ أَوْ مَرْكُوبِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، سَوَاءٌ ذَكَرْته بِلَفْظِك أَوْ كِتَابِك، أَوْ أَشَرْت إلَيْهِ بِعَيْنِك أَوْ يَدِك أَوْ رَأْسِك، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا أَفْهَمْت بِهِ غَيْرَك نُقْصَانَ

ص: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[الفواكه الدواني]

مُسْلِمٍ فَهُوَ مِنْ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَالِمِ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا مُرِيدًا التَّشْنِيعَ عَلَيْهِ فِي حُكْمٍ أَوْ إعْرَابٍ أَخْطَأَ فِيهِ، لَا إنْ لَمْ يُعَيِّنُهُ أَوْ عَيَّنَهُ لِيُنَبِّهَ الْغَيْرَ عَلَى خَطَإِ كَلَامِهِ فَلَا يَكُونُ غِيبَةً بَلْ نَصِيحَةً وَاجِبَةً، وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي ضَابِطِهَا أَنَّ الْغِيبَةَ تَحْصُلُ بِالتَّعْرِيضِ، كَمَا إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: مَا تَقُولُ فِي فُلَانٍ؟ فَيَقُولُ: يُصْلِحُ اللَّهُ، أَوْ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ، أَوْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنَا بِالدُّخُولِ عَلَى الظُّلْمَةِ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهَا لَا تَتَقَيَّدُ بِالذَّكَرِ كَمَا وَقَعَ فِي قَوْلِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهَا:«أَنْ تَذْكُرَ أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ» بَلْ الْمَدَارُ عَلَى انْتِقَاصِ الْمُسْلِمِ، فَيَشْمَلُ الْغِيبَةَ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ وَهُوَ حَرَامٌ مِثْلُ الْقَوْلِ، وَالْمُرَادُ بِسُوءِ الظَّنِّ عَقْدُ الْقَلْبِ وَحُكْمُهُ عَلَى الْغَيْرِ بِالسُّوءِ، وَأَمَّا الْخَاطِرُ بِالْقَلْبِ الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لِلشَّخْصِ فِي وُقُوعِهِ.

(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: حُرْمَةُ الْغِيبَةِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: 12] وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» .

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَمَعْنَى بَهَتَّهُ بِالْهَاءِ الْمُشَدَّدَةِ رَمَيْته بِالْبُهْتَانِ وَهُوَ الْكَذِبُ.

الثَّانِي: اخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاءُ فِي مَرْتَبَةِ الْغِيبَةِ مِنْ التَّحْرِيمِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَتِهَا، فَذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهَا كَبِيرَةٌ وَحَكَى عَلَيْهِ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهَا صَغِيرَةٌ، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ أَنَّ غِيبَةَ الْعَالِمِ أَوْ حَامِلِ الْقُرْآنِ كَبِيرَةٌ وَغِيبَةُ غَيْرِهِمَا صَغِيرَةٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ: وَلَمْ يَشْهَدْ لِلتَّفْرِقَةِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ فَالْمُتَّجِهُ الطَّرْدُ لِحُرْمَةِ الْمُغْتَابِ.

الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْغِيبَةِ فِي حَقِّ الْمُغْتَابِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ سَامِعِيهَا، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُهَا وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهَا، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ غِيبَةً مُحَرَّمَةً أَنْ يَنْهَى الْفَاعِلَ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهُ مَعَ الْإِنْكَارِ بِقَلْبِهِ، فَإِنْ نَهَاهُ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ كَانَ عَاصِيًا.

قَالَ أَبُو حَامِدٍ: لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَلْبِ مِنْ النِّفَاقِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِثْمِ.

الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ ذِكْرِ الْأَخِ فِي حَدِّ الْغِيبَةِ وَالتَّقْيِيدِ بِالْكَرَاهَةِ عَدَمُ الْغِيبَةِ فِي الْكَافِرِ، وَأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ أَخَاهُ بِمَا لَا يَكْرَهُهُ كَقَوْلِهِ فِي غِيبَتِهِ هُوَ سَارِقٌ أَوْ مُحَارِبٌ وَهُوَ يَتَمَدَّحُ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ غِيبَةً وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُتَجَاهِرِ.

(خَاتِمَتَانِ) الْأُولَى: تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ بَلْ رُبَّمَا تَجِبُ لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْهَا جَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي بَيْتٍ بِقَوْلِهِ:

لِسِتٍّ غِيبَةً كَرِّرْ وَخُذْهَا

مُنَظَّمَةً كَأَمْثَالِ الْجَوَاهِرِ

تَظَلَّمْ وَاسْتَغِثْ وَاسْتَفْتِ حَذِّرْ

وَعَرِّفْ وَاذْكُرَنْ فِسْقَ الْمُجَاهِرِ

فَالتَّظَلُّمُ كَإِخْبَارِ الْمَظْلُومِ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى رَدْعِ الظَّالِمِ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ قَاضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَيُسَمِّيهِ لَهُ. وَالِاسْتِغَاثَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ النُّونِ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ هُوَ فِي شِدَّةٍ وَكَرْبٍ مِنْ شَخْصٍ ذِي جَوْرٍ إزَالَتَهَا أَوْ مِمَّنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَسْمِيَةِ الْمُسْتَغَاثِ مِنْهُ. وَالِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ الْمَظْلُومُ لِلْعَالِمِ: كَيْفَ الْخَلَاصُ مِمَّنْ ظَلَمَنِي بِسَرِقَةِ مَالِي أَوْ سَبَّنِي أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الزَّجْرِ. وَالتَّحْذِيرِ بِأَنْ يَقُولَ الْعَالِمُ فِي دَرْسِهِ قَوْلُ فُلَانٍ ضَعِيفٌ أَوْ حَدِيثُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ أَوْ فُلَانٌ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ الْعَمَلِ بِكَلَامِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إخْبَارُ الْحَاكِمِ بِحَالِ الشَّاهِدِ الْمَجْرُوحِ عِنْدَ إرَادَتِهِ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ، وَشَرَطَ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ فِي هَذَا الْوَجْهِ الِاقْتِصَارَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى ذِكْرِ الْقَادِحِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ أَوْ الرِّوَايَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي تَجْرِيحِ الشَّاهِدِ وَلِطَلَبَةِ الْعِلْمِ فِي حَقِّ مَنْ طَلَبَ الرِّوَايَةَ، فَلَا يُخْبِرُ بِحَالِ شَخْصٍ لَمْ يُرَدْ أَنْ يَشْهَدَ وَلَمْ يُرِدْ أَحَدٌ الرِّوَايَةَ عَنْهُ.

وَالتَّعْرِيفُ بَيَانُ حَالِ مَنْ سَأَلَك عِنْدَ إنْسَانٍ لِيَتَزَوَّجَ مِنْهُ أَوْ يُعَامِلَهُ أَوْ يُسَافِرَ مَعَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَتُعَرِّفُهُ بِحَالِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ السُّؤَالِ وَمَنْدُوبَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا حَيْثُ انْفَرَدَ هَذَا الشَّخْصُ بِمَعْرِفَةِ مَسَاوِئِ هَذَا الْإِنْسَانِ. وَذَكَرَ فِسْقَ الْمُجَاهِرِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ مُعْلِنًا بِشُرْبِ خَمْرٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ زِنًا فَيَجُوزُ لَك أَنْ تَذْكُرَ ذَلِكَ الَّذِي تَجَاهَرَ بِهِ بِخُصُوصِهِ عِنْدَ مِنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّجَاهُرِ وَالْإِعْلَانِ بِارْتِكَابِهِ الْمُفَسِّقَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:«لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ» فَإِنَّ ظَاهِرَهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّجَاهُرِ بِالْمُفَسِّقِ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتِ الصِّحَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَوْ سَلِمَتْ صِحَّتُهُ وَجَبَ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا اُغْتِيبَ بِجِنْسِ مَا فُسِّقَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ أَوْ مُجَاهَرَتِهِ بِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ

ص: 279

وَالْبَاطِلِ كُلِّهِ قَالَ الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت وَقَالَ عليه الصلاة والسلام،

ــ

[الفواكه الدواني]

بَعْدَ تَوْبَتِهِ لَا تَجُوزُ غِيبَتُهُ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ إطْلَاقَهُ اتِّفَاقًا، وَمِنْ الْجَائِزِ تَعْرِيفُ الْمَشَايِخِ بِأَلْقَابِهِمْ حَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُونَ إلَّا بِهَا نَحْوَ الْأَعْوَرِ وَالْأَعْرَجِ وَالْأَفْطَسِ وَالْأَصَمِّ، وَلَمْ يَقْصِدُ بِوَصْفِهِمْ تَنْقِيصَهُمْ وَإِلَّا حَرُمَ.

(الْخَاتِمَةُ الثَّانِيَةُ) الْغِيبَةُ لَهَا جِهَتَانِ: إحْدَاهُمَا مِنْ حَيْثُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا، وَالْأُخْرَى مِنْ حَيْثُ أَذِيَّةُ الْمُغْتَابِ، فَالْأُولَى تَنْفَعُ فِيهَا التَّوْبَةُ بِمُجَرَّدِهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مَعَ التَّوْبَةِ مِنْ طَلَبِ عَفْوِ الْمُغْتَابِ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَوْ بِالْبَرَاءَةِ الْمَجْهُولِ مُتَعَلَّقُهَا عِنْدَنَا، وَعَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الْغِيبَةِ لِصَاحِبِهَا إنْ بَلَغَتْهُ عَلَى وَجْهٍ أَفْحَشَ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَا.

1 -

(وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ (النَّمِيمَةِ) وَهِيَ نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ عَلَى جِهَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْإِفْسَادُ بَيْنَهُمْ.

قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: إنَّمَا تُطْلَقُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَنْ يَنْمِي قَوْلَ الْغَيْرِ إلَى الْمَقُولِ فِيهِ كَقَوْلِهِ: فُلَانٌ يَقُولُ فِيك كَذَا، وَلَيْسَتْ النَّمِيمَةُ مُخْتَصَّةً بِذَلِكَ بَلْ حَدُّهَا كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ، سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوْ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ أَوْ ثَالِثٌ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَشْفُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْكِتَابَةِ أَوْ الرَّمْزِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ مِنْ الْأَعْمَالِ أَوْ الْأَحْوَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبًا أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَذِيَّةُ الْغَيْرِ وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: حَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ، وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى كُلِّ مَا يَرَاهُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، إلَّا مَا كَانَ فِي حِكَايَتِهِ مَصْلَحَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفْعُ مَعْصِيَةٍ، وَإِذَا رَأَى الْمُكَلَّفُ شَخْصًا يُخْفِي حَالَ نَفْسِهِ فَذَكَرَهُ لِلْغَيْرِ كَانَ نَمِيمَةً.

قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: وَكُلُّ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ نَمِيمَةٌ وَقِيلَ لَهُ قَالَ فِيك فُلَانٌ كَذَا لَزِمَهُ سِتَّةُ أُمُورٍ: عَدَمُ تَصْدِيقِهِ وَنَهْيُهُ عَنْ فِعْلِهَا وَبُغْضُهُ مِنْ أَجَلِهَا وَعَدَمُ ظَنِّهِ سُوءًا بِالْمَنْقُولِ عَنْهُ وَعَدَمُ بَحْثِهِ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَعَدَمُ الرِّضَا لِنَفْسِهِ بِمَا نَهَى التَّمَامُ عَنْهُ.

(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَلُّ حُرْمَةِ النَّمِيمَةِ حَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا وَإِلَّا جَازَتْ، وَرُبَّمَا تَجِبُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخْبِرَك شَخْصٌ أَنَّ قَصْدَهُ قَتْلُ فُلَانٍ أَوْ سَرِقَةُ مَالِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ إعْلَامُ الْحَاكِمِ أَوْ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى زَجْرِ الْعُصَاةِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ فِيهِ، وَيُطْلَبُ مِنْ الْحَاكِمِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ الْفَحْصُ عَنْ ذَلِكَ وَإِزَالَتُهُ.

الثَّانِي: الدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ النَّمِيمَةِ وَأَنَّهَا كَبِيرَةٌ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» وَفِي رِوَايَةٍ قَتَّاتٌ لِأَنَّهُ النَّمَّامُ.

قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ، وَصَاحِبُهَا مَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ، وَأَكْبَرُ أَنْوَاعِهَا السِّعَايَةُ وَهِيَ الْإِدْلَاءُ بِالنَّاسِ لِلظُّلْمَةِ.

قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَقَدْ بُحِثَ عَنْ فَاعِلِهَا فَلَمْ يُوجَدْ قَطُّ إلَّا وَلَدُ زِنًا، وَأُخِذَ مِنْ قَوْله تَعَالَى:{هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ - مَنَّاعٍ} [القلم: 11 - 12] الْآيَةَ أَنَّ النَّمَّامَ لَا يَكُونُ إلَّا وَلَدَ زِنًا، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:«لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» هُوَ وَأَمْثَالُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ،

1 -

وَلَمَّا كَانَتْ الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى الْمُكَلَّفِ كَثِيرَةً قَالَ: (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ اجْتِنَابُ (الْبَاطِلِ) وَهُوَ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ. (كُلِّهِ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَقْوَالِ كَالسَّبِّ وَاللَّعْنِ وَالْقَذْفِ، أَوْ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالْغَصْبِ وَالْخِيَانَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْغِشِّ وَاللَّهْوِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ اخْتِيَارَيْهَا اخْتِيَارًا، وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، أَوْ الْأَخْلَاقِ كَالْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ.

قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا فِي جَوْهَرَتِهِ:

وَأْمُرْ بِعُرْفٍ أَوْ اجْتَنِبْ نَمِيمَهُ

وَغِيبَةً وَخَصْلَةً ذَمِيمَهُ

كَالْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَدَاءِ الْحَسَدْ

وَكَالْمِرَاءِ وَالْجَدَلِ فَاعْتَمِدْ

فَالْكِبْرُ هُوَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ لِخَبَرِ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْكِبْرِ» هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْكِبْرِ عَلَى الصَّالِحِينَ، وَأَمَّا التَّكَبُّرُ عَلَى نَحْوِ الْفَسَقَةِ فَمَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَغَمْصُ النَّاسِ بِالصَّادِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ احْتِقَارُهُمْ، وَبَطَرُ الْحَقِّ رَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ، وَالْعُجْبُ هُوَ رُؤْيَةُ الْعِبَادَةِ حَسَنَةً وَاسْتِعْظَامُهَا مِنْ الْعَبْدِ، كَمَا يُعْجَبُ الْعَابِدُ بِعِبَادَتِهِ وَالْعَالِمُ بِعِلْمِهِ، وَلَا يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِوُقُوعِهِ بَعْدَهَا بِخِلَافِ الرِّيَاءِ، وَلَيْسَ مِنْ الرِّيَاءِ وَلَا الْعُجْبِ رُؤْيَةُ الشَّخْصِ ثَوْبَهُ أَوْ فِعْلَهُ حَسَنًا لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ الْبَاطِلِ كُلِّهِ بِحَدِيثَيْنِ: أَوَّلُهُمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ) الْإِيمَانَ الْكَامِلَ الْمُنْجِي مِنْ عَذَابِهِ الْمُوَصِّلِ إلَى رِضَاهُ (بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ) وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ الِاعْتِرَافُ بِوُجُوبِ وُجُودِهِ وَصَانِعِيَّتِهِ لِلْعَالَمِ، وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَبِأَهْوَالِهِ وَفَظَائِعِهِ الَّتِي تَقَعُ فِيهِ وَجَوَابُ الشَّرْطِ. (فَلْيَقُلْ) أَيْ يَذْكُرْ (خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَاضِيه صَمَتَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، لِأَنَّ قِيَاسَ فَعَلَ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنِ يَفْعِلُ

ص: 280

مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَلَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ إيمَانِهِ أَوْ يَزْنِيَ بَعْدَ إحْصَانِهِ أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي،

ــ

[الفواكه الدواني]

بِكَسْرِهَا وَقِيلَ بِضَمِّهَا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَوْلِ الْخَيْرِ أَوْ السُّكُوتِ عَنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلِذَلِكَ أَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ فَلْيَقُلْ خَيْرًا يُثَبْ عَلَيْهِ، أَوْ يَسْكُتُ عَنْ شَرٍّ يُعَاقَبْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ:" أَوْ " فِيهِ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَالْمَعْنَى: فَلْيَقُلْ خَيْرًا وَلْيَصْمُتْ عَنْ الشَّرِّ، وَأَشَارَ إلَى ثَانِيهِمَا بِقَوْلِهِ:(وَقَالَ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ، وَ (السَّلَامُ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ أَيْ الْإِنْسَانِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» أَيْ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِي فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مِنْ حُسْنِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِي لَيْسَ هُوَ الْإِسْلَامُ وَلَا جُزْءٌ مِنْهُ بَلْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَآثَرَ ذِكْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ:«الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» إلَخْ وَالْأَفْعَالُ الظَّاهِرَةُ اخْتِيَارِيَّةٌ لِلْإِنْسَانِ، بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ الرَّاجِعَةِ لِلْإِيمَانِ فَهِيَ اضْطِرَارِيَّةٌ مَانِعَةٌ لِمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي النُّفُوسِ وَيُوقِعُهُ فِيهَا الَّذِي يَعْنِي الْإِنْسَانَ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ عِنَايَتُهُ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي آخِرَتِهِ، أَوْ يُضْطَرُّ إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلُبْسٍ وَمَا يَعِفُّ فَرْجَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ دُونَ مَا يَفْعَلُ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ، فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَعْنِيه سَلِمَ مِنْ سَائِرِ الْآفَاتِ وَحَصَلَ مَا أَرَادَهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَهَذَانِ حَدِيثَانِ جَلِيلَانِ، لِأَنَّ أَوَّلَهُمَا يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالثَّانِي يَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ صُحْبَةِ مَنْ لَا خَيْرَ فِي صُحْبَتِهِ، وَيُرَغِّبُهُ فِي صُحْبَةِ مِنْ يَنْتَفِعُ بِصُحْبَتِهِ لِاسْتِفَادَتِهِ مِنْهُ عِلْمًا أَوْ مَالًا.

قَالَ الْحُمَيْدِيُّ:

لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيدُ شَيْئًا

سِوَى الْهَذَيَانِ مِنْ قِيلٍ وَقَالَ

فَأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ إلَّا

لِأَخْذِ الْعِلْمِ أَوْ إصْلَاحِ حَالْ

فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمَنَّانَ بِفَضْلِهِ أَنْ يُلْهِمَنَا رُشْدَنَا وَيُمَلِّكَنَا أَنْفُسَنَا أَوْ يُذَكِّرَنَا عُيُوبَنَا.

(وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) سَفْكَ (دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ) أَوْ قَطْعَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِمْ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ أَهْلُ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ لِوُجُوبِ عِصْمَةِ الْجَمِيعِ، دَلَّ عَلَى الْحُرْمَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى:{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسَّحَرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا» عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَيَرَحْ بِفَتْحِ الرَّاءِ مَعْنَاهُ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَتَهَا مَعَ أَنَّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ يَشُمُّهَا مَنْ هُوَ عَلَى هَذِهِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَأَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ أَوْ السِّتِّ مِمَّا أَجْمَعَتْ الْمِلَلُ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا لِشَرَفِهَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي خُطْبَتِهِ الْمَشْهُورَةِ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» الْحَدِيثَ.

وَفِي آخَرَ: «أَلَا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضَكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» . وَأَشَارَ إلَى ضَبْطِهَا صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِقَوْلِهِ:

وَحِفْظُ دِينٍ ثُمَّ نَفْسٍ مَالٍ نَسَبْ

وَمِثْلُهَا عَقْلٌ وَعِرْضٌ قَدْ وَجَبْ

وَلِوُجُوبِ حِفْظِ النُّفُوسِ شَرَعَ الْقِصَاصَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالطَّرْفِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ مُكَلَّفٍ مُلْتَزِمٍ لِلْأَحْكَامِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ وَالْعُدْوَانِ.

(وَ) حَرَّمَ اللَّهُ سبحانه وتعالى أَيْضًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ إتْلَافَ (أَمْوَالِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ أَمْوَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَحَقِيقَةُ الْمَالِ كُلُّ مَا مُلِكَ شَرْعًا وَلَوْ قَلَّ، وَلِوُجُوبِ حِفْظِهِ شَرَعَ حَدَّ السَّرِقَةِ وَحَدَّ الْحِرَابَةِ.

(وَ) حَرَّمَ اللَّهُ سبحانه وتعالى أَيْضًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَذِيَّةَ (أَعْرَاضِهِمْ) جَمْعُ عِرْضٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنْ الْإِنْسَانِ وَقِيلَ الْحَسَبُ، وَلِحِفْظِهِ شَرَعَ حَدَّ الْقَذْفِ لِمَنْ رَمَى غَيْرَهُ بِفِعْلِ الْفَاحِشَةِ أَوْ نَفَى نَسَبَهُ اللَّاحِقَ وَالتَّعْزِيرُ لِغَيْرِهِ.

(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَفْهُومَ الْمُسْلِمِينَ مُعَطَّلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَعَلَى الْمَالِ بِخِلَافِ الْأَعْرَاضِ. وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً قَالَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ (إلَّا بِحَقِّهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ، وَالْمُرَادُ بِحَقِّهَا السَّبَبُ الْمُقْتَضَيْ لِاسْتِحْقَاقِهَا، فَحَقُّ الْأَمْوَالِ الْمُبِيحُ لَهَا هُوَ إتْلَافُهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرَضًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَحَقُّ الْأَعْرَاضِ عَدَمُ الْعِفَّةِ عَنْ ارْتِكَابِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ أَوْ التَّعْزِيرَ. وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ مَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الدَّمِ بِقَوْلِهِ:(وَلَا يَحِلُّ) إرَاقَةُ (دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ إيمَانِهِ) الْمُتَقَرِّرِ

ص: 281